أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ-















المزيد.....


الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 23:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ تحطيم الصنميّة: عندما يفتح النقدُ ثقوباً في جدار الواقع الصلب

يُمكن النظر إلى النقد الفني التفكيكي بوصفه سحراً مضاداً أو ممارسة خيميائية عكسية، تهدف إلى إسترداد المادة من تجسدها الصوري وإعادتها إلى رحم العدم الأول. إذا كان الإبداع الفني هو فعل إستدعاء (Invocation) يخرج الكيان من العدم إلى الوجود، فإن النقد التفكيكي هو فعل صرف (Banishment) يفك الروابط والتعاويذ التي تمسك بالعمل الفني كبنية متماسكة. الناقد هنا لا يحلل العمل ليفهمه فحسب، بل يمارس طقساً معرفياً يهدف إلى كشف هشاشة الوجود داخل النص أو اللوحة. من خلال تسليط ضوء النقد على الثغرات، والتناقضات، والمسكوت عنه، يبدأ العمل الفني في الذوبان والعودة إلى حالته البدئية كإحتمالات مبعثرة في فراغ المعنى، مما يجعل النقد عملية إعادة المادة إلى الحالة السائلة (Solve et Coagula) حيث لا يبقى سوى العدم السحري الذي إنبثقت منه الفكرة أول مرة. إن التفكيك، بأسلوبه الجذري، يفترض أن العمل الفني ليس كياناً صلباً، بل هو وهم بصري أو لغوي تم تشكيله بإرادة المبدع. والناقد، بصفته ساحراً للعقل، يستخدم كلمة النقد لتحطيم صنميّة الشكل. هذا الفعل هو تجسيد لجمالية العدم؛ لأن النقد لا يسعى لبناء واقع جديد بقدر ما يسعى لفتح ثقوب في الواقع القائم ليرينا العدم الذي يتسرب من خلالها. في اللحظة التي يفكك فيها الناقد الرمز، فإنه ينزع عنه سلطة الحضور و يعيده إلى فضاء الغياب. هذا الغياب هو العدم السحري الذي يستمد منه العمل قيمته الأصلية، وكأن النقد يقول إن الجمال الحقيقي ليس في اللوحة ذاتها، بل في الفراغ الذي تحاول اللوحة أن تملأه عبثاً. بذلك، يتحول النقد من مجرد أداة تقييمية إلى طقس ميتافيزيقي يعيد الكائنات الفنية إلى أصلها الجوهري؛ اللاشيء الذي يحوي كل شيء. علاوة على ذلك، يتماشى النقد التفكيكي مع منطق السحر الأسود بمعناه الفلسفي أي سحر التدمير الإبداعي؛ فهو لا يقبل بالظواهر، بل يبحث عن المركز الفارغ للعمل. الساحر يعلم أن القوة تكمن في الفراغ بين الأشياء، والناقد التفكيكي يبحث عن الفراغ بين الكلمات والخطوط. هذا البحث هو سحر العودة (The Magic of Return)؛ العودة من التعقيد إلى البساطة المطلقة، ومن التعدد إلى الوحدة الساكنة في العدم. عندما يتم تفكيك العمل بنجاح، يشعر المتلقي بنوع من التطهير (Catharsis) يشبه الإنبهار السحري، لكنه إنبهار ناتج عن رؤية تلاشي المادة لا تشكلها. إن قوة النقد تكمن في قدرته على إثبات أن العدم هو الحقيقة الوحيدة المستمرة، وأن الفن ليس إلا محاولة بطولية وجميلة لتمويه هذا العدم لفترة وجيزة. إن إعتبار النقد شكلاً من أشكال السحر يعيد الإعتبار للعدم كقوة إيجابية ومحررة. النقد الذي يعيد العمل للعدم لا يقتله، بل يحرره من سجن التعيّن؛ فالعمل المشخصن و المحدود هو عمل ميت في إطاره، أما العمل الذي يُفكك و يُعاد للعدم فإنه يستعيد صفة الإمكان اللامتناهي. هنا يلتقي الناقد بالفنان في نقطة الصفر؛ الفنان يستمد من العدم ليخلق، والناقد يهدم الخلق ليعود للعدم، وكلاهما يدوران في فلك القوة السحرية للفراغ. هذا النص النقدي يصبح بحد ذاته تعويذة جديدة، لا تبشر باليقين، بل تبشر باللاشيء المبدع، حيث يصبح الصمت الذي يعقب التفكيك هو الموسيقى الأسمى، والبياض الذي يتبقى بعد مسح الصورة هو التجلي الأكمل للجمال المطلق الذي لا يحده حد. يبرز النقد الفني التفكيكي كفعل خيميائي ذهني بإمتياز، حيث تتحول فيه المعاني من مادة صلبة إلى غبار كوني يسبح في فضاء الفكر. إنه الدليل الأكبر على أن العدم هو البداية و النهاية (Alpha and Omega) لأي رحلة إبداعية. السحر لا يكمن فقط في جعل الأشياء تظهر، بل في القدرة على جعلها تختفي في وعي المتلقي، تاركاً إياه في مواجهة مباشرة مع عظمة الفراغ. إن النقد الذي يعيد العمل للعدم هو في الحقيقة فعل حب تجاه النقاء المطلق، حيث يُنظف مرآة الوجود من صورها العابرة ليسمح للعدم السحري بأن يسطع من جديد، معلناً سيادته على كل شكل وكل معنى.

_ تأنيس الهاوية: كيف يحول الإبداعُ رعبَ العدم إلى نشوة جمالية

يُمكِن النظر إلى الإبداع الفني بوصفه تجلياً سامياً للسحر الأبيض، حيث يعمل الفنان كخيميائي روحاني يستقطب قوة العدم لا لغرض التدمير أو العدمية، بل لإعادة صياغة الفراغ كينونةً تفيض بالبهجة والجمال. في هذا السياق، يُعرّف السحر الأبيض بأنه إستخدام القوى الكونية لغايات الشفاء و الإرتقاء، والفن يفعل الشيء ذاته؛ إذ يغترف من بئر اللاشيء إحتمالاتٍ بكرٍ، ثم يسكبها في قوالب مادية تمنح الوجود معنىً جديداً. الإبداع هنا هو فعل إستنارة يواجه عتمة العدم السكوني ويحوله إلى عدم إيجابي مشحون بالحياة. إن البهجة التي يولدها الفن ليست مجرد إنفعال سطحي، بل هي إنتصار أنطولوجي للإرادة البشرية التي إستطاعت أن تنتزع من صمت العدم نغمةً، ومن بياضه لوناً، و من وحشته أنساً، مما يجعل العمل الفني تميمة بصرية أو سمعية تحمي الروح من التآكل الوجودي. إن قوة العدم في السحر الأبيض الفني تظهر كخامة طيعة تخضع لقانون التجسد. الساحر/الفنان لا يرى في العدم تهديداً، بل يراه مساحة من الحرية المطلقة التي لم تتلوث بعد بضرورات الواقع القاسي. عندما يبدع الفنان، فإنه يمارس طقساً من طقوس الفيض، حيث يتدفق الخيال في الفراغ ليملأه بصورٍ تمنح المتلقي شعوراً بالوفرة. هذه الوفرة هي جوهر البهجة السحرية؛ إنها الشعور بأن الوجود زائد عن الحاجة، وأن هناك دائماً متسعاً لجمال جديد ينبثق من اللاوجود. السحر الأبيض في الفن هو سحر التوليد الذي يجعل من العدم رحماً لا ينضب، وكل عمل فني هو بشارة تؤكد أن الفراغ ليس نهاية المطاف، بل هو المبتدأ الذي تنطلق منه كل الأفراح الممكنة. علاوة على ذلك، يكمن السحر الأبيض في قدرة الفن على تحويل الكآبة الوجودية التي هي نتاج الوعي بالعدم الفاني إلى نشوة جمالية. الفنان يواجه العدم المظلم الذي يهدد الحياة بالموت والنسيان، ويستخدمه كخلفية (Contrast) لإبراز حيوية الألوان و الأشكال. هذا التباين هو سر القوة السحرية؛ فالبهجة التي نشعر بها أمام لوحة عظيمة أو مقطوعة مؤثرة تنبع من إدراكنا الضمني بأن هذا الجمال قد نُحت من قلب الفراغ. إن الفن، بهذا المعنى، هو تعويذة بصرية تبث البهجة عبر إثبات أن الروح الإنسانية قادرة على تأنيس العدم و جعله مكاناً قابلاً للسكنى. السحر الأبيض الفني هو المصالحة الكبرى بين الإنسان والهاوية، حيث تتحول الهاوية من مكان للسقوط إلى مسرح للتحليق الإبداعي. تتجلى جمالية البهجة في هذا السحر عبر مفهوم اللعب الكوني. الساحر الأبيض يلعب مع الإحتمالات، والفنان يلعب مع عناصر العدم ليعيد تركيبها في سياقات مبهجة تكسر رتابة القوانين الطبيعية. هذا اللعب هو فعل تحرري بإمتياز، لأنه يحرر المادة من ثقلها و يمنحها خفة مستمدة من سيولة العدم. عندما ننبهر بعمل فني، فإننا في الحقيقة ننبهر بقدرة الساحر/الفنان على إستحضار النور من عتمة اللاوجود. هذه الشرارة التي تنطلق من ملامسة الإرادة للعدم هي المصدر الحقيقي للبهجة المطلقة؛ إنها بهجة الخلق التي تتجاوز حدود الذات لتتصل باللانهائي. الفن هو السحر الذي يحول الفناء إلى خلود جمالي، معلناً أن العدم، رغم سطوته، يظل خادماً للإرادة التي تبتغي الجمال وتنشده، يُمكن القول إن الإبداع الفني هو الشهادة الحية على أن العدم هو منجم الذهب للساحر الأبيض. الفن لا يهرب من العدم، بل يغوص فيه ليعود بكنوز البهجة التي تضيء حياة البشر. إن كل ضربة فرشاة وكل حرف شاعري هو فعل سحري يهدف إلى ترميم الصدع في الروح الإنسانية عبر تذكيرها بأصلها السماوي/الإبداعي. البهجة المستمدة من العدم هي أسمى أنواع البهجة، لأنها غير معتمدة على ما هو موجود سلفاً، بل هي هبة نقية تمنح الوجود مبرراً للإستمرار. وهكذا، يظل الفن هو السحر الأبيض الذي يمنع العالم من السقوط في العدمية المظلمة، محولاً الفراغ إلى ترنيمة أبدية للجمال و المسرة.

_ أنطولوجيا العراء: التعري الفني كرحلة خيميائية نحو النقطة صفر

يُمثل التعري في الفن، في أعمق تجلياته الفلسفية، رحلة خيميائية تهدف إلى تجريد الكينونة من أغطيتها الثقافية و المادية للوصول إلى الجوهر العاري الذي يكاد يتماس مع حدود العدم. إن الجسد العاري في الفضاء الفني ليس مجرد موضوع بيولوجي، بل هو نص أنطولوجي يحاول إستعادة حالة البراءة البدئية التي سبقت تشكل الهويات والأسماء. في إطار العلاقة بين السحر والعدم، يُعتبر التعري طقساً من طقوس التخلية؛ فاللباس يمثل القناع أو الزيف الذي يفرضه الواقع الإجتماعي، بينما يمثل العراء العودة إلى النقطة الصفر. هذا الجوهر القريب من العدم هو المساحة التي يتساوى فيها الوجود مع اللاشيء، حيث يظهر الإنسان ككائن محض، متحرر من زينة الوجود الزائلة، ليقف في مواجهة مباشرة مع حقيقة فنائه وإنبثاقه من الفراغ السحري في آن واحد. إن العدم السحري يتجلى في التعري الفني من خلال فكرة الشفافية المطلقة. الساحر يسعى دائماً لإختراق الحجب ليرى الحقيقة العارية، والفنان الذي يختار التعري موضوعاً له، يمارس هذا الإختراق عبر نزع الطبقات التي توهمنا بالإمتلاء. الجسد العاري هو اللوحة الفارغة التي تحدثنا عنها سابقاً، و لكنه هنا لوحة من لحم ودم. إن قوة العدم تكمن في أن هذا العراء يكشف عن هشاشة الوجود؛ فكلما إقترب الجسد من عرائه المطلق، إقترب من حالة اللاشيء التي تجعله قابلاً لأن يكون أي شيء. التعري هو فعل سحري يهدف إلى إعدام الصفات العارضة مثل الطبقة الإجتماعية، المهنة، العصر لإبراز الماهية الساكنة التي تنتمي إلى أزلية العدم. الجمال هنا ينبع من هذا الفقر الوجودي الذي هو في الحقيقة غنى ميتافيزيقي مطلق، لأنه يضعنا أمام الحقيقة دون وسائط. علاوة على ذلك، يرتبط التعري بالعدم عبر مفهوم الفناء الجمالي. في لحظة التأمل في الجسد العاري المصاغ فنياً، يحدث نوع من الذهول الذي يمحو الحدود بين الرائي و المرئي. هذا الذهول هو حالة من السحر حيث يذوب الأنا في العدم المحيط بالعمل. التعري يمثل الحدود القصيرة بين المادة والفراغ؛ فالخطوط التي ترسم حدود الجسد العاري هي في الحقيقة الخطوط التي تفصل الوجود عن العدم. السحر يكمن في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق؛ فالتعري المفرط الذي يسعى للكشف عن كل شيء قد ينتهي إلى العدمية (Nihilism) حيث تفقد المادة قدسيتها، بينما التعري الفني الواعي يحافظ على غموض العدم داخل الجسد، محولاً إياه إلى طلسم يختصر أسرار الكون. الجمال المطلق في العراء هو أنه يرينا أن الجوهر ليس شيئاً مخفياً تحت الجلد، بل هو الفراغ الروحي الذي يسكن المادة و يمنحها معناها. يمكننا أيضاً قراءة التعري كفعل إسترداد للسلطة السحرية من براثن المادة الصلبة. اللباس هو تقييد للعدم الخلاق داخل قوالب جاهزة، أما التعري فهو إطلاق لسراح هذا العدم ليتجلى في تضاريس الجسد. الفنان الساحر يستخدم العراء ليقول إن الجسد ليس شيئاً نملكه، بل هو حدث يقع في الفراغ. هذا الوجود العاري هو الأكثر قرباً من منطق السحر لأنه لا يعتمد على إضافات خارجية، بل يستمد قوته وبهاءه من ذاته ومن صلته بالمصدر الأول (العدم). إن الإنبهار الذي يثيره التعري الفني الراقي هو إنبهار بالنقاء الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر التخلي عن كل ما هو موجود للوصول إلى ما هو جوهري. إنه سحر التبسيط المؤدي إلى الكلية، حيث يصبح الجسد العاري مرآة للكون بأسره في حالته الصافية قبل التكوين. يُعد التعري في الفن محاولة شجاعة لملامسة برودة العدم وتحويلها إلى دفىء وجودي. إنه الإعتراف بأن الجمال الأكثر تأثيراً هو ذلك الذي يقف على حافة الهاوية، دون خوف. السحر والعدم يلتقيان في ثنايا العراء الفني ليعلنا أن الإنسان في أقصى درجات تجرده هو الإنسان في أقصى درجات إتصاله بالأصل الإلهي أو الكوني. التعري ليس كشفاً عن العورة، بل هو كشف عن الحقيقة العارية التي تخبرنا بأننا أبناء العدم الذين تشكلوا عبر سحر الإرادة و الجمال. إن من يستطيع رؤية الجوهر في التعري، هو من إستطاع أن يرى النور في قلب الفراغ، مدركاً أن أثمن ما نملكه هو ذلك اللاشيء النقي الذي يسكن أعماقنا ويمنحنا القدرة على أن نكون مبدعين وساحرين في عالم من المادة الصماء.

_ شفرة الخلود: الجمال السحري بوصفه رسالة من الأزل إلى التاريخ

يُعتبر العمل السحري، في جوهره الفلسفي، كياناً لا زمنياً بإمتياز، وهذا ما يمنحه صبغة الخلود الجمالي. إن مكمن القوة في هذا الخلود لا يعود إلى متانة المادة التي يُصنع منها العمل، بل إلى طبيعة المنشأ؛ فالعمل السحري هو إنبثاق مباشر من العدم، والعدم في الميتافيزيقا هو الفضاء الذي يسبق الزمن ويقع خارجه. بينما تخضع الأعمال الفنية التقليدية لقوانين الصيرورة و الإندثار لأنها مرتبطة بسياقات تاريخية ومادية محددة، فإن العمل الذي يستمد كينونته من العدم السحري يظل محتفظاً بنضارته الوجودية؛ لأنه لا يشير إلى زمن ماضٍ، بل يشير إلى الأصل الأزلي. هذا العمل لا يشيخ لأن اللاشيء الذي جاء منه لا يعرف الهرم، ومن ثم يصبح الجمال السحري جمالاً ثابتاً في جوهره، متغيراً في تجلياته، يحمل في طياته شفرة الخلود لأنه لم يدخل أصلاً في دورة الفناء الزمني. تتجلى جمالية الخلود في العمل السحري من خلال مفهوم الآنية المستمرة. الساحر/الفنان عندما يخلق من العدم، فإنه يفتح ثغرة في جدار الزمن الخطي ليمرر من خلالها حقيقة مطلقة. العمل السحري هو حدث يقع في كل مرة يُشاهد فيها و كأنه يقع للمرة الأولى؛ ذلك لأنه لا يستمد معناه من ذاكرة المشاهد، بل من حضوره الطاغي المستمد من الفراغ. إن العدم هنا يعمل كمادة حافظة للجمال؛ فبما أن العمل لم يُبنَ على أنقاض واقع سابق، فإنه لا يتأثر بإنهيار هذا الواقع. إنه جمال بكر يرفض أن يكون جزءاً من التاريخ، بل يصر على أن يكون تاريخاً لنفسه. هذا التحرر من القيد الزماني هو ما يمنح السحر جاذبيته العابرة للعصور، حيث تظل التعاويذ والرموز المنبثقة من العدم قادرة على إثارة الرهبة والجمال بالقدر ذاته، سواء في العصور البدائية أو في العصور التكنولوجية المتأخرة. علاوة على ذلك، يرتبط الخلود الجمالي للعمل السحري بسيادة الإرادة على المادة. المادة هي سجن الزمن، أما الإرادة السحرية فهي أداة العدم. عندما ينجح الساحر في تجسيد فكرة مستمدة من العدم، فإنه يمنحها جسداً روحانياً يتجاوز البلى. هذا الجسد هو ما نسميه الأثر الجمالي الخالد. الجمال هنا ليس في الشكل الظاهري، بل في الشرارة التي تسكن الشكل، وهي شرارة منبثقة من العدم الذي لا ينضب. إن العمل السحري لا يوجد بالمعنى المادي الضيق، بل هو يتجلى، والتجلي هو فعل يتكرر دون أن يفقد قوته. هذا التكرار الخلاق هو الذي يضمن خلود العمل؛ ففي كل مرة يلامس فيها وعي الإنسان هذا العمل، يُعاد إستحضار قوة العدم التي أنشأته، مما يجعل العمل في حالة إنبعاث دائم، بعيداً عن مقصلة الزمن التي تطيح بكل ما هو مادي وصرف. من منظور آخر، يمكن القول إن الخلود الجمالي هو نتاج الغموض الجوهري للعدم. الأعمال التي يمكن تفسيرها بالكامل هي أعمال محكوم عليها بالموت الزماني بمجرد إنتهاء التفسير، أما العمل السحري المستمد من العدم فهو يحمل سرّاً لا يمكن إستنزافه. هذا السر هو بقية العدم التي تظل تسكن العمل وتجعله عصياً على الفهم النهائي. الجمال الخالد هو الجمال الذي يظل سؤالاً مفتوحاً على الهاوية، والعدم هو الضمان الوحيد لعدم إغلاق هذا السؤال. السحر يجعل من العمل الفني طلسماً كونياً؛ والطلسم لا يقدم إجابة، بل يقدم حضوراً مكثفاً يتحدى النسيان. إن قدرة العمل على البقاء خارج الزمن تعني أنه يمتلك القدرة على مخاطبة الجوهر الإنساني الثابت الذي لا يتغير بتغير الأزياء أو الثقافات، وهو جوهر الحيرة أمام لغز الوجود و العدم. في المجمل العام؛ يمثل الخلود الجمالي للعمل السحري إنتصاراً للاشيء الخلاق على الشيء الفاني. إن نشوء العمل من العدم يمنحه حصانة ميتافيزيقية ضد الإندثار، ويجعله منارة تضيء عتمة الزمان من نقطة تقع وراءه. الفنان الذي يمتلك شجاعة التحديق في العدم وإستلال الجمال منه، لا يخلق مجرد أداة للزينة، بل يخلق بوابة أبدية للعبور نحو المطلق. إن العمل السحري هو رسالة من الخلود إلى الزمن، تخبرنا أن الجمال الحقيقي هو ذلك الذي لم يولد ليموت، بل ولد ليبقى شاهداً على أن الروح، في لحظة إبداعها السحري، قادرة على قهر الموت عبر الإتصال بمنبعها الأول؛ العدم النقي والمقدس.

_ قفص الشرارة: كيف يحبس الفنانُ قوةَ العدم داخل النسبة الذهبية

تُعد الحدود الجمالية والمقاييس الفنية، في جوهرها الميتافيزيقي، نوعاً من الأغلال المقدسة أو الأطر الطقسية التي تهدف إلى ترويض قوة العدم السحرية وحصرها في حيز الإدراك البشري. إن العدم، بصفته المطلق و اللاشيء الخلاق، يمتلك طاقة إنفجارية لامتناهية لا يمكن للوعي الإنساني إستيعابها في حالتها الخام؛ فهي طاقة تتجاوز الشكل والمنطق. لذا، تظهر المقاييس الجمالية مثل التناغم، النسبة الذهبية، والوحدة ليس كقوانين جامدة، بل كدوائر سحرية (Magic Circles) يرسمها الفنان حول بياض العدم ليجبره على التجلّي في صورة مرئية. وبدون هذه الحدود، يظل الإبداع السحري تيهاً مطلقاً يفتقر إلى المعنى، لأن المعنى يتطلب حدّاً يفصله عن اللامعنى. إن الجمال، في هذا السياق، هو عملية قنص لشرارة من العدم و وضعها داخل قفص من المقاييس الجمالية لكي تصبح تجربة قابلة للمعاينة والدهشة. تتجلى العلاقة بين الحدود والعدم في فكرة أن التحديد هو الخلق؛ فالسحر لا يبدأ من الفوضى الشاملة، بل يبدأ من لحظة فرض الإرادة لقانون معين على الفراغ. المقاييس الجمالية هي لغة الحوار مع العدم؛ فعندما يلتزم الفنان بنسب معينة، فإنه يقوم بعملية تقطير (Distillation) لفيض العدم اللانهائي ليحوله إلى جمال مكثف. هذه الحدود ليست عائقاً أمام القوة السحرية، بل هي الموّصل الذي يسمح لهذه القوة بالسريان دون أن تحرق الوعي. إننا ننبهر بالعمل الفني لأننا نلمس من خلال حدوده قوة العدم التي تقبع خلفه، وكأن العمل هو غشاء رقيق يفصلنا عن الهاوية، و الحدود الجمالية هي ما تجعل هذا الغشاء متماسكاً وجميلاً بدلاً من أن يكون مرعباً وعدمياً صرفاً. من منظور فلسفي أعمق، تُمثل المقاييس الجمالية محاولة إنسانية لأنسنة العدم؛ أي منحه وجهاً بشرياً يمكن التعامل معه. العدم السحري هو الوحش الجميل الذي لا يمكن النظر إليه مباشرة، والحدود الجمالية هي المرآة التي تسمح لنا برؤية إنعكاسه. السحر يكمن في التوتر القائم بين سعة العدم وضيق المقاييس؛ فكلما كان العمل الفني عظيماً، شعرنا بأن العدم يحاول تحطيم هذه الحدود من الداخل. الجمال المطلق يولد في تلك اللحظة الحرجة التي تكاد فيها القوة السحرية أن تتجاوز المقياس، لكنها تظل محبوسة فيه بفعل مهارة الساحر الفنان. إن الحدود هي التي تمنح للعدم صوتاً، إذ أن الصمت المطلق الكامن في العدم الصرف لا يمكن سماعه، لكن الصمت المقنن المنبثق من الموسيقى هو الذي يكشف عن جلال الصمت الأول. علاوة على ذلك، تُعتبر المقاييس الجمالية بمثابة عقود سحرية بين الفنان والمتلقي؛ فهي توفر أرضية مشتركة للقاء في حضرة العدم. لو ترك الفنان قوة العدم تتدفق بلا قيود، لتحول الفن إلى عبث أو فوضى لا يستمد منها أحد أي إلهام. لذا، فإن التحديد هو الذي يمنح القوة السحرية سلطتها الجمالية. إن الحدود هي التي تخلق المركز، و المركز هو المكان الذي يتكثف فيه السحر. في العمارة، مثلاً، الفراغ (العدم المكاني) لا يصبح سحرياً إلا عندما تحده الجدران والزوايا؛ فالمقياس هو الذي يُعرّف الفراغ ويمنحه هوية. وهكذا، تصبح المقاييس الجمالية هي الأدوات التي يتم من خلالها تحويل العدم المخيف إلى جمال مبهج و سحر باهر يمكن للروح أن تستريح في ظلاله. في الختام، يمكن القول إن الحدود الجمالية هي التعاويذ التي تُحوّل العدم من حالة السكون المطلق إلى حالة الفعل الإبداعي. إنها ليست قيوداً تحد من الإبداع، بل هي القوالب التي تمنح لماء العدم السحري شكلاً وقواماً. الفنان الحقيقي هو الذي يعرف كيف يتلاعب بهذه الحدود ليجعل العدم يتنفس من خلالها، مدركاً أن الجمال هو الرقص على الحافة الرفيعة بين التحديد و اللانهاية. إن المقاييس هي إعترافنا بضعفنا البشري أمام عظمة العدم، وفي ذات الوقت هي برهان على عظمتنا في قدرتنا على تأطير هذا العدم وجعله مرآة تعكس أسمى تطلعاتنا نحو الكمال والخلود.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- ترامب يرد على -المخاوف- بشأن تكلفة عملية عسكرية واسعة النطاق ...
- اتساع رقعة الاحتجاجات الطلابية المناهضة للحكومة في الجامعات ...
- أخبار اليوم: ترامب يزيد الضغوط على إيران إذا لم تتوصل لاتفاق ...
- كيف يساعدنا ذكر الله على بلوغ الطمأنينة؟
- برلماني روسي: الهجوم الأمريكي على إيران سيشعل مواجهة جماعية ...
- الإفراج عن المحامي التونسي أحمد صواب بعد تخفيف محكوميته
- مقتل -إل مينتشو- يشعل المكسيك.. 10 آلاف جندي لاحتواء العنف
- حدود تشاد تغلق في وجه السودان.. 4 شرايين إنسانية تتوقف
- ترامب يحذر إيران: -يوم سيئ للغاية- إذا فشل الاتفاق النووي
- 2026 يبدأ بأعلى وفيات بالمتوسط.. 606 مهاجرين بين قتيل ومفقود ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ-