محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 01:48
المحور:
القضية الفلسطينية
كتب يوڤال نوح هراري مقالاً نشرته فايننشال تايمز في تشرين الثاني الماضي (2025) بعنوان“Only generosity can secure peace between Israelis and Palestinians” ، يركّز فيه على فكرة أنّ الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي ينبع من سرديتين تاريخيتين متنازعتين أكثر من أنه صراع منطقي بحت، وذلك من زاوية نقد السرديات التاريخية المتشدّدة للطرفين. وأن ما يغذي الصراع ليس الأرض والموارد، بل المواقف الأخلاقية المتشدّدة المبنية على سرديات تاريخية مبسّطة وخاطئة حول من يملك الأرض ومن له الحق في العيش فيها. وإن أساطير التاريخ المتضاربة تولّد صراعاً لا مبرراً منطقياً له، وأنه لا يمكن حلّه إلا من خلال الاعتراف المتبادل ومراجعة السرديات التاريخية المتطرفة. ويرى هراري أن السلام الحقيقي يحتاج إلى إزاحة اليقينيات المطلقة وتبنّي التسامح والاعتراف المتبادل*
لا تمثل السرديات، مهما عظم شأنها، سوى الوجه المثالي للصراع المادي الجذري على الأرض والموارد والسلطة ، وعادة ما تنسج هذه السرديات بلغة القيم والأخلاق لتغليف المصالح المادية وتسويغها. ومن النادر العثور على مستعمِر من دون سردية لا غنى له عنها لمواجهة بها سردية المستعمَر.
والحق أن كلتا السرديتين، سردية المستعمِر وسردية المستعمَر، تشتركان في البنية العامة في استخدام-استغلال المجاز والخطاب البلاغي المزين بشعارات إنسانية وأخلاقية رغم اتساق الشقة بين مضامينهما، ورغم كونهما، في جوهرهما، تجليات لصراع مادي قاسٍ لا رحمة فيه.
وليس من الحكمة بمكان الاعتقاد بتحقيق "النصر"، على نحو ما، بمجرد تفوق سردية على أخرى، فهذا تفكير ساذج من حيث الجوهر، عاجز إن إثبات صحته تجريبياً وينقصه، بالأحرى ما يبرهن على صحته، علاوة إلى إمكانية دحضه الجدلي سواء بسواء.
في الحقيقة، تكشف كل سردية، بما فيها سردية المقاومة، عن انتقائية من الواقع لصياغة ما يتوافق مع مصلحتها وأهدافها، دون تجاهل أو إغفال التفاوت الأخلاقي والمعرفي لصاحب كل سردية، خصوصاً حين تبنى إحداها على مبدأ محو الآخر أو نفي وجوده.
وللوصول إلى فهم أعمق لكل سردية، ينبغي الموازنة بين النقد المعرفي، بمعنى رفض الوهم الموضوعي، وبين التمييز الأخلاقي، بمعنى رفض المساواة أو- المضاهاة الميكانيكية بين المستعمِر والمستعمَر ، وبين الظالم والمظلوم. وهذا يقودنا إلى حقيقة "موضوعية" لا غبار عليها ترى بأن جميع السرديات، استعمارية (كالصهيونية) كانت، أو سرديات مقاومة (كالفلسطينية)، لا تنبت مباشرة من "الواقع المادي الكامل"، بل هي تركيب إيديولوجي يتشكل من خلال آلية انتقاء سردي استراتيجي مستمد من هذا الواقع (وهو واقع قابل للتأويل على كل حال)، ثم تُضفي على ما أنجزته منى معان تخدم بناءها السردي( المشروع السياسي أو الهُوياتي** الذي تنتمي إليه السردية). أي، لا تستطيع أي سردية، مهما كانت نبيلة أو عادلة، الزعم بامتلاكها حق الادعاء بالموضوعية المطلقة. لكن هذا لا يعني التساوي بين السرديات؛ فثمة فارق بين سردية تبرر النهب والاقتلاع، وسردية تدافع عن البقاء والهوية. فارق جوهري في مدى تشويهها للواقع، وفي علاقتها بالعدالة والحقيقة.
يدّعي هراري، الليبرالي المحسوب على اليسار، أن جوهر الصراع الفلسطيني–الصهيوني يكمن في رواية كل طرف لجهة الادعاء بامتلاك رواية تاريخية تدعي الحق الحصري في البلاد، وأن موارد البلاد "تكفي للشعبين". ومن هذا المنطلق، يقترح أن الحل يكمن في "إعادة النظر في السرديات" وتقديم تنازلات رمزية في الرواية التاريخية.
لكن هذا الطرح، رغم مظهره العقلاني، ينطوي على سذاجة إيديولوجية عميقة. فهو إما يتغافل أو يتجاهل عمداُ أن الصراع لم ينشأ من فراغ سرديّ، بل من فعل استعماري استيطاني ملموس: مصادرة الأراضي وتفكيك البنية الاجتماعية وتهجير السكان وبناء دولة على أنقاض شعب آخر. فالأرض هنا ليست "مورداً قابلاً للتوزيع"، بل مجال الوجود بحد ذاته؛ والمياه ليست "ثروة مشتركة"، بل أداة سيطرة.
ما يفعله هراري، ومن يشبهه، هو نوع من الإيهام الإيديولوجي، أي تحويل صراع مادي على البقاء إلى نقاش فكري حول "الروايات". ففي مخبره الفكري، تتحوّل الهيمنة إلى "سردية"، والتهجير إلى "خلاف في التأويل"، وتختفي العلاقات الحقيقية بين المستعمِر والمستعمَر خلف ستار من "الأفكار".
ولكن حتى لو سلّمنا جدلاً بوجود "سرديتين"، فإن موازين القوة على الأرض تُنتج عدم تكافؤ جوهري بينهما. فكيف لسردية من يملك الجيش والقوانين، والدعم الدولي، أن تُوازَن بسردية من يمنع من العودة إلى بيته؟
والأهم من كل هذا أن المستعمَر لا يقاوم لأنه "يعشق روايته"، بل لأنه مهدد بالانقراض. ومن هنا، يصبح التوصيف "ما بعد الكولونيالي"، الذي يختزل الصراع إلى حوار بين "سردين"، تبسيطاً مُضلاًّ، لأنه يتجاهل أن أحد الطرفين ليس شريكاً في أي سردٍ مشترك، بل غازٍ يُنكر وجود الآخر ليبرّر اقتلاعه.
علماً أنه ليس كل سرد مشروع أخلاقي. فالسردية التي تُبنى على نفي شعب بكامله ليست "رواية بديلة"، بل عنف رمزي يسبق العنف المادي ويبرّره. ولذلك، فإن سردية المستعمِر لا تُناقَش، بل تُقاوَم.
والواقع أن الحركة الصهيونية لم تنشأ كـ"سردية بديلة"، بل كمشروع استعماري استيطاني واقعي، مدعوم سياسياً وعسكرياً، هدفه إقامة دولة يهودية على أنقاض شعب آخر. ومذبحة دير ياسين، وتهجير 750 ألف فلسطيني عام 1948، واستمرار مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وحصار غزة، وتقسيم القدس، جميعها وغيرها ليست "تفاصيل سردية" يمكن التغاضي عنها في حوار حول الروايات، بل هي وقائع مادية شكّلت، وتشكل يومياً، جوهر الصراع.
لذا، حين يُقدّم هراري "الحل السردي" كبديل عن العدالة، فهو لا يدعو إلى سلام، بل إلى استمرار الهيمنة تحت ستار الحوار. فالمصالحة الحقيقية لا تبدأ بتعديل الروايات، بل بإعادة الأرض، وإنهاء الاحتلال، وضمان حق العودة، وبناء عدالة مادية حقيقية. أما الحوار حول "السرديات"، فلن يكون سوى ترف مخادع طالما أن أحد الطرفين هو وحده من يملك مفتاح البيت***.
ومن الضروري أن نضع رؤية هراري في سياقها الحقيقي: فهو لا يتحدث من خارج البنية الصهيونية، بل من داخلها، كمفكر ينتمي إلى ما يُسمّى بـ"اليسار الإسرائيلي"( تصفه "لوبوان" الفرنسية بأنه "أهم مفكر في العالم حالياً"؛ وكتبه تملأ المكتبات العربية ويستشهد به الكثير هنا وهناك)، وهو تيار ليبرالي يُقر أحياناً بقسوة الاحتلال، لكنه يرفض جذرية نقد المشروع الصهيوني ذاته. هذا "اليسار" لا يدعو إلى إنهاء الدولة اليهودية أو الاعتراف بالنكبة كجريمة تأسيسية، بل يكتفي بإدارة "الصراع" عبر أدوات الحوار، والتقنيّة، و"التفاهم المتبادل". ووظيفته السياسية، رغم مظاهر النقد، تبقى تطبيعية: فهو يُقدم الاحتلال كـ"وضع معقّد"، لا كعنف مؤسسي؛ ويُظهر إسرائيل كدولة "تتوق للسلام"، وليس دولة استيطانية قائمة على التفوّق العرقي؛ ويحوّل الفلسطينيين إلى "طرف في نزاع" عليه أن يقدم تنازلات تمكن إسرائيل من التخلي "المؤلم" عن القليل.
وفي هذا السياق، تصبح دعوة هراري إلى "إعادة النظر في السرديات" جزءً من مشروعٍ أوسع: مشروع استبدال العدالة بالحوار، والحقّ بالتفاهم، والتاريخ بالرواية. وهو مشروع لا يهدّد النظام القائم، بل يمنحه شرعية جديدة باسم العقلانية والليبرالية.
......
*للمزيد، انظر، https://www.ft.com/content/04078017-18b1-4c63-8521-198c69684255
**يعتقد بول ريكور أن الهُوية بحد ذاتها-سواء كانت فردية أم جمعية- لا تتكون إلا عبر السرد فنحن في الحقيقة "نروي أنفسنا" لكي نكون كما نحن عليه. راجع بول ريكور. الزمان والسرد (ثلاثة مجلدات). ترجمة: سعيد الغانمي وفلاح رحيم. بيروت: المركز الثقافي العربي ودار الكتاب الجديد المتحدة، 2007.
*** ثمة أمثلة كثيرة تكاد لا تحصى... لنتذكر كيف قامت المحطات التلفزيونية الإسرائيلية يوم 24أيار 2020 بمبادرة توجيه تحية للطواقم الطبية "تقديراً لجهودها في مواجهة وباء كورونا". وكان أن طلبت من جمهورها [الإسرائيلي] التصفيق من شرفات منازلهم لدقيقتين، أسوة بما سمعناه وشاهدناه، آنذاك، في بعض البلدان الأوروبية. وطبعا نقلت تلك المحطات صور المواطنين الإسرائيليين الكيوت جداً والبيض جداً وهو يؤدون طقس التصفيق حسب الاتفاق، حتى أنهم نقلوا صوراً ومشاهد حية من مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية كنوع من التأكيد على العيش المشترك. ومما هو غير لافت للنظر فعلاً أن لا تنقل تلك المحطات مشاهد من أي مدينة أو بلدة أو قرية عربية. إذ أن الفلسطيني هناك ليس مضطراً في مطلق ومجمل الأحوال الانشغال لتجميع "كوبونات المساواة" بوصفه أقلية في حملة التشكرات الصهيونية العنصرية التي تتمخض عن لحظات تجلٍ "استشراقية" ومن أفضل من الكاتب الفذ يوڤال نوح هراري ليكون بطلها حين يقول على إحدى المحطات وكأنه يقدم تنازلاً مراً: "إذا كنا نقبلهم أطباء و ممرضين لنا [يقصد الفلسطينيين] فيجب علينا أن نقبلهم كمتساوين بيننا" بطريقة تشبه ما قاله تيدي كاتس ذات يوم في حوار مع " رماح مفيد" في حيفا [النص الكامل على موقع إيلاف: 7 تموز 2008]: ....."دعيني أذكّركِ بمشهد حدث لي أنا عندما شاركنا نحن في "كتلة سلام" بالتظاهرات التي حدثت إثر الاعتداء الذي تعرّض له طلاب المدارس على أيدي رجال الشرطة، بسبب مصادرة أراضٍ في قرية الروحة؛ فقد كانت الشرطة ترش المتظاهرين العرب بالغاز بينما كانت ترشنا نحن المتظاهرون اليهود بالماء".
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟