أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية















المزيد.....



استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 02:56
المحور: القضية الفلسطينية
    


يُعاد تمثيل إسرائيل في جزء واسع من الأدبيات السياسية بوصفها حالة استثنائية في النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. وغالباً من خلال ربط نشأتها بسردية أخلاقية عن اضطهاد يهود أوروبا والحاجة إلى ملاذ سيادي آمن. فتظهر هذه الإسرائيل -للمراقب الخارجي- كنتوء مصطنع في الجغرافيا السياسية، ويطرح وجودها -بهذا الشكل- عديد من الأسئلة التي تبدأ بإشكاليات نشوئها ونموها وتوسعها، ولا تنتهي عند دورها الوظيفي وانتمائها للنظم الاستعمارية، إضافة إلى أن هذا الوجود- كدولة لليهود- يستحضر بالضرورة الأصول الإيديولوجية للصهيونية وطموحاتها السياسية.
غير أن هذا التوصيف، على أهميته في فهم السياق التاريخي العام، يظل قاصراً على تفسير البنية السياسية والقانونية التي تشكلت في فلسطين منذ النصف الأول من القرن العشرين. ولا يكتسب دلالته التحليلية ما لم يتيح فهماً معمقاً للعلاقة المعقدة بين الدولة، والسيادة، والسكان الأصليين، وربطه بمساراته الفكرية والتاريخية.
من هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة إدراج التجربة الإسرائيلية ضمن إطار تحليلي أوسع، يربط بين مشروع الدولة الحديثة ومنطق الاستعمار الاستيطاني بوصفه نمطاً خاصاً لإنتاج السلطة والسيادة. فلا يمكن فهم إسرائيل (الدولة) من خلال منطق الدولة القومية الحديثة فقط، ولكن علينا النظر إليها في تجليات أوسع تتقاطع فيها مشروع الدولة مع نمط الاستيطان الاستعماري كنموذج خاص من نماذج إنتاج السيادة.
بدايةً؛ تشكلت الصهيونية في فضاء أوروبي اتسم بصعود النزعات القومية في القرن التاسع عشر (القومية الشوفينية في دول البلطيق ودول شرق أوروبا بالدرجة الأولى)، حيث جرى تثبيت العلاقة بين الأمة والأرض واللغة والتاريخ كعناصر عضوية متلازمة. وسوف تعمل هذه العلاقة "المتخيلة" على بناء مشروع سياسي (أكثر منه اجتماعي) لإعادة تنظيم الانتماء والسلطة ضمن تلك الحدود أو العناصر المتخيلة الملزمة[1]
ويظهر تحليل الخطاب الصهيوني في بداياته تأثراً بالفكر الرومانسي الألماني كما في كتابات منظري الفكر السياسي والثقافي والقومي الجرماني مثل يوهان غوتليب فيختة الذي ينظر له بوصفه أب القومية الألمانية، ويوهان غوتفريد هيردر (مؤسس حركة الاقتحام والاندفاع التي كان لها أثر كبير في تاريخ الفكر الجرماني) الذي ربط بين الشعب والأرض واللغة برباط عضوي (مثل أفكار "الدم" و"التراب")، فاستند الخطاب الصهيوني إلى مقولات الإيمان بالقدر التاريخي، والشعب القديم والوطن القديم... وما إلى ذلك، وربطها بتعابير معاصرة مثل حق تقرير المصير السياسي.
ترافقت هذه الأفكار والتوجهات مع الإيمان الصهيوني بالمتخيل الأسطوري الذي يجمع بين الناس والأرض واللغة بصلات أقرب للعلاقة للصوفية منها إلى الواقع والوقائع، مما أسس لادعاء حصري بأرض فلسطين ليتحول فيما بعد إلى واقع ملموس عبر آليات استبدلت -وما تزال- المجتمع الأصلي بمجتمع استيطاني جديد.
وإذن تبدو الصهيونية أقرب إلى القوميات الأوروبية السائدة -أو إحدى صيغها الممكنة- أكثر من قربها كاستثناء تاريخي نابع من خصوصية ما ( يهودية حصراً). فقد أشبعت الحركة الصهيونية بالتجاذبات القومية الأوروبية تحت وقع احتلال واستعمار العالم غير الأوروبي و-أو الانكفاء الداخلي.
غير أن ما يميز الصهيونية ليس التشابه وإنما الصعوبة في الفصل البنيوي بين بعدها القومي الحديث وإرثها الديني الرمزي. فحتى التيارات الصهيونية التي عرّفت نفسها كتيارات علمانية، لم تنفصل كلياً عن لغة الخلاص والقدر التاريخي، وهي لغة أضفت على المشروع السياسي بعداً يتجاوز منطق الدولة الحديثة – التي تظهر كإطار قانوني تحكمه إرادة التعدد. فبخلاف القوميات العلمانية التي تأثرت بها، كانت الصهيونية مثقلة بإرث النزعة المسيانية.
وفي الواقع لطالما كانت التقليد الخلاصي يطارد الصهيونية، بحيث يمكننا تمييز "لغة" النسخة العلمانية منها عن "لغة" التدين العلماني للقوميات الأوروبية. فالإشارة إلى هرتزل "العلماني" على أنه "موسى المعاصر" أو "المسيح الصهيوني" تظهر دمج المزاعم العلمانية والدينية للصهيونية وتخلق نبرة خلاصيه أخروية عمادها "العنف الإلهي المقدس"، الذي سيرى بأن أي صراع يشكل تهديداً وجودياً "لإسرائيل" قد لا يعني نهاية الزمن فحسب بل نهاية إسرائيل نفسها. وهو ما وجد له طريقاً في السياسات الإسرائيلية بصيغ مختلفة، دينية وعلمانية، لتسويغ التطهير العرقي تمهيداً لـ "جمع اليهود" كمقدمة لعودة المسيح عبر "بديهيات" غير قابلة للنقاش مثل "دولة يهودية لشعب يهودي" وربط المصير الاستثنائي للدولة وقوميتها المتمركزة إثنياً بالنبوءة الدينية والدفاع.
غير أن هذا التداخل لا ينبغي له أن يقودنا إلى اختزال الصهيونية في بعدها اللاهوتي، بل يفسر استمرار حضور مفردات الاستثناء والتهديد الوجودي في خطابها السياسي. وهنا تتقاطع الصهيونية مع المشاريع الاستعمارية التي تستند إلى سرديات تبرر العنف كضرورة تاريخية وليس كخيار سياسي قابل للمراجعة[2]. ولا ينبغي فهم هذا التشبع بالموروث الخلاصي كإيمان في المصير التاريخي لليهود بعودتهم من "الشتات" إلى "صهيون" فحسب، بل أيضاً ربط تلك العودة بظهور الميسيا وتنصيبه ملكاً في آخر الزمان، الأمر صعب على التيار العلماني الصهيوني الإفلات من مفردات هذه النزعة الدينية الصوفية عن "نهاية الزمان"، ولا حتى، في معظم الحالات، من دلالاتها.
وربما يبدو لافتاً أن هذا الربط سبق الهولوكوست، مما شكل حتى منتصف القرن الماضي "حرجاً" لزعماء صهاينة مثل بن غوريون، واعترافهم بأن مصير اليهود الأوروبيين (الذين لم يقيض لهم رؤية مستقبلهم, على وجه العموم، ناهيك عن عدم خلاصهم في الهجرة إلى فلسطين) قد يكون تم استغلاله لغايات سياسية. علماً أن نظرة اليهود إلى الصهيونية لم تكن واحدة. فلم ينظر إليها -في البداية- كاختيار سياسي ولا كهُوية جوهرية، وتجاوز هذه النقطة سيجعلنا نخفق في التعرف على التعدد الداخلي لليهود. فاليهودية ليست هُوية عرقية أو سياسية موحدة، بل فضاءً متنوع يضم مجتمعات متعددة ومتنوعة ومختلفة فيهم من رفض الصهيونية بشكل قاطع باعتبارها تحيد عن فكرة "الخلاص الإلهي" وفيهم من اعتبرها مشروعاً يخون مصلحة الجماعات اليهودية كنوع من الأفكار التي كانت سائدة في سياق القوميات المضطهدة، ومنهم من اعتبرها خيانة للنضال الطبقي المشترك مع البروليتاريا العربية.. إلخ علماً أن "اليهودية" في السياق الصهيوني تعني في الغالب "اليهودية الأشكنازية الغربية".
وبالنظر إلى هذا الإرث، حملت النزعات القومية الأوروبية بوجه عام تحيزاً حاداً ضد التمازج "العرقي" الذي يتناقض مع إرث التنوير للمزاعم الليبرالية القائمة على النظرة الديمقراطية والعلمانية للدولة. وتبدي الصهيونية (وإسرائيل لاحقاً) ، في هذه الجوانب، خصائص تكوين قومي أوروبي نموذجي، كما أسلفنا، إذ تتبنى الصهيونية، في بعض خطاباتها المبكرة، فكرة أن اليهود يشكلون أمة مميزة وأن مشكلتهم الأساسية هي انعدام وطن قومي يضمهم.
وهي فكرة ترددت أيضاً في بعض الأدبيات اللاسامية الأوروبية التي دعت إلى "حل" "المسألة اليهودية"، والفرق هنا أن الحركة الصهيونية قدمت حلها بوصفه برنامج "تحرر ذاتي" من منظور يهودي، وهنا، يلتقي منطق المشروع الصهيوني، على نحو مأساوي ومفارق، مع منطق اللاسامية الأوروبية التي غذّته. فكلاهما انطلق من مسلّمة أن اليهود "جسم غريب" في أوروبا يحتاج إلى "حل"، واتفقا على أن هذا الحل يكمن في خلق وطن منفصل لهم. بل إن بعض القادة الصهاينة، نظروا إلى معاداة السامية بوصفها "حليفاً موضوعياً" يدفع اليهود نحو الهجرة والاستيطان. فقد افترض ثيودور هرتزل، مؤسس الصهيونية السياسية، أن "المسألة اليهودية" تكمن في "الاختلاف العرقي" لليهود، وأن الحل لا يكون بالاندماج في المجتمعات الأوروبية، بل بإخراجهم منها[3].
ولم يبق هذا التقارب الإيديولوجي نظرياً؛ فقد تجلى عملياً في دعم شخصيات مثل اللورد بلفور، الذي صدّق في العام 1905 على قانون يمنع دخول اليهود الفارّين من الإمبراطورية الروسية إلى بريطانيا، ثم قدّم وعده (1917) بإنشاء "وطن قومي لليهود في فلسطين"، ليس دعماً لليهود، بل دفعاً لهم خارج أوروبا. وهكذا، تحوّلت معاناة اليهود الأوروبيين وضحايا المحرقة لاحقاً إلى رأس مال سياسي وشرعية أخلاقية يُستثمر لتحقيق مشروع قومي على حساب شعب آخر. وهذا يكشف عن أحد التناقضات الجوهرية في التجربة الصهيونية: فهي تقدم نفسها كحركة تحرر لليهود، بينما تمارس في جوهرها، منطقاً استعمارياً تجاه الفلسطينيين.
لقد كان من الأهمية بمكان، بالنسبة للصهاينة، تحديد الأرض التي يمكن أن يكون قد شغلها شعب آخر ، على الرغم من أن هذا التحديد لم يحمل معنىً حاسماً للصهاينة العلمانيين, فقد تصور هرتزل، بدايةً، تحديد الدولة اليهودية في الأرجنتين. غير أن ما يبدو متناقضاً هنا يمكن تفسيره من منظور آخر نلمح شروطه في نموذج الاستعمار الاستيطاني الذي يمتلك قوة تفسيرية مميزة في توصيف الظاهرة وتناقضاتها الواضحة في فلسطين و"إسرائيل". فمن حيث المبدأ, لا يمكن حلّ المأزق الذي واجه الصهاينة الأوائل إلا من خلال الاستعمار، والمقصود بالمأزق هنا هو تلك الحالة الشاذة "لشعب - أمة" يفتقر إلى أرض شغلها بصورة متواصلة في أي لحظة في التاريخ الحديث (لا يستطيع الصهاينة ومن يدعمهم أن يبرهنوا عملياً وتاريخياً على وجود "يهودي" معتبر في فلسطين قبل مئة عام أو مئتي عام على أبعد تقدير وهو الأمر الذي لا يجد عرب فلسطين صعوبة في إثباته).
وقد نجحت الصهيونية -بفضل تضافر شروط ذاتية وموضوعية لسنا في صددها هنا- في فرض هذا الملمح (الأرض) كشرط أولي للتفكير في فلسطين ككيان مستقل ذو سيادة, إذ يبدو من الناحية الموضوعية عدم إمكانية أي فرد منا من التفكير في فلسطين بمعزل عن التفكير في إسرائيل كمرجعية إلزامية, فإذا كان من الممكن التفكير في دولة فلسطينية و - أو جنسية- قومية فلسطينية بصورة عامة, فمثل هذه الإمكانية غير متاحة إلا بقبول إسرائيلي لها. وعلى هذا يستبعد تماما التفكير أو الحديث عن فلسطين مثلما نتحدث عن أية أمة أخرى وعن معاييرها. إن ما نجحت فيه إسرائيل هو حرمان فلسطين من أن تكون وعاء لأمة - شعب له حضور عقلي وثقافي حتى لو بدون دولة؛ وبالتالي حرمانها من السيادة, فعمدت إلى احتجاز فلسطين كفضاء خاضع ليس للقانون فحسب, وإنما لمتاهة متناثرة من القوانين، فضلاً عن العلاقة التي تربط المستعمَر بالمستعمِر في سياق تلخيصٍ مكثف لسياسات الاحتلال العنصرية الرامية إلى التخلص التدريجي منهم, حيث تعتمد هيبة وشرعية المستوطنين على قناعة راسخة بتفوقهم على السكان الأصليين سواء من حيث قيمهم الأخلاقية وثقافتهم المتطورة العالية أو من حيث تفوق حضارتهم المادية أو من حيث قوتهم العسكرية الغاشمة.
‏وسوف يكتسب هذا البعد أهمية خاصة عند الانتقال من مستوى الفكر إلى مستوى الممارسة السياسية والقانونية. إذا يتضح أن دولة المشروع الصهيوني التي أُقيمت في فلسطين لم تتشكل وفق النموذج الليبرالي الكلاسيكي القائم على عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين، بل ضمن سياق استيطاني تطلّب منذ بداياته إعادة تنظيم الأرض والسكان. في هذا الإطار، ووفق منطق الإحلال، يصبح نموذج الاستعمار الاستيطاني أداة تفسيرية مركزية لفهم البنية العميقة للدولة الإسرائيلية[4].
فالاستعمار الاستيطاني -بخلاف الاستعمار التقليدي-لا يهدف إلى استغلال السكان الأصليين وإخضاعهم فحسب، وإنما تجاوزهم أو إزاحتهم، لأن وجودهم ذاته يتعارض بنيوياً مع منطق السيادة الاستيطانية. غير أنه لا يُقصد بهذا النموذج أن يكون تفسيراً كلياً، بل إطاراً يضيء منطق الإحلال بوصفه عنصراً مؤسِّساً في تشكّل الدولة.
من هنا، لا يُنظر إلى الفلسطيني كـ"آخر" خارج الدولة، بل عنصر داخلي يهدد سردية الدولة القومية المتجانسة. ويصبح أكثر من مجرد خصم سياسي لمشروع الاستيطان حين يتحول إلى عائق أنطولوجي يدحض وجوده ذاته بنية المشروع من أساسه، ناهيك عن وجوده السياسي أو حتى مقاومته لها المشروع.
ولهذا لا يكفي إخضاعه، بل يجب تفكيك حضوره: قانونياً وجغرافياً ورمزياً لإتمام عملية تحويل فلسطين إلى فضاء مقيد بالسيادة الاستعمارية. فوجود مجتمع أصلي متجذر تاريخياً في الأرض يحدّ من قدرة الدولة على تقديم نفسها كدولة أمة متجانسة، ويحول دون اكتمال سرديتها. لذلك لم يقتصر التعامل مع الفلسطينيين على أدوات السيطرة العسكرية، بل شمل بناء منظومة قانونية وإدارية معقدة أعادت تعريف الأرض والملكية والمواطنة.
ما سبق ليس مجرد تفصيل طارئ أو محض نتاج "تاريخي ماكر"، بل هو جزء هام من الآلية الاستعمارية التي تعمل في إطار ذاتي يستمد قوته من وجوده أصلاً كحالة استعمارية، وتتشكل هويته، أي هوية الإطار، الإيديولوجية من الطبيعة العنصرية المتمثلة في تعميق الهوة بين ثقافة المستعمِر وثقافة المستعمَر، واستغلال هذه الاختلافات لصالح الأول. واعتبارها معايير للحقيقة المطلقة ومنطلقاً لشرعنة الاحتلال باستحضاره "المثل الحضارية والالتزام بتطوير أو تحسين شروط حياة المستعمَرين وأرضهم".
فالتطهير العرقي الذي رافق تأسيس الدولة لم يكن حدثاً عارضاً، بل سياسة مؤسسة استُكملت لاحقاً بأدوات قانونية أقل مباشرة لكنها أكثر استدامة[5]. وتتجلى هذه البنية بوضوح في السياسات القانونية والإدارية التي نُظّمت بها فلسطين وسكانها. فمنذ النكبة، لم يكن العنف مقتصراً على الطرد المادي، بل شمل بناء منظومة قانونية معقدة أعادت تعريف الأرض والملكية والمواطنة. كما يتجلى هذا المنطق بوضوح في الفصل المنهجي بين المواطنة القانونية والانتماء القومي داخل إسرائيل. حيث يدمج الفلسطينيون الحاصلون على الجنسية، شكلياً، في الإطار المدني للدولة، لكنهم يُستبعدون من تعريفها القومي الذي يُخصص حصرياً لليهود. وفي هذا السياق، لا تشكل "يهودية الدولة" تناقضاً عرضياً في أخلاقيات العالم السياسي الحالي، بل هي الجوهر الإيديولوجي للمشروع الصهيوني، الذي يخلط -عمداً-بين الدين والقومية والاستعمار باسم العلمانية، ليُنتج علمانية مزيفة تخدم الأقلية الحاكمة.
لا يمكن فهم هذا النمط من "المواطنة الناقصة" على أنه خلل عرضي في نظام ديمقراطي، بل كآلية بنيوية تهدف إلى الحفاظ على الطابع الإثني للدولة. ويعيد هذا الشكل من المواطنة إنتاج منطق الاستعمار داخل بنية الدولة ذاتها، عبر إعادة تشكيل المستقبل السياسي بضبط الحاضر وتحويل الفلسطيني إلى فرد يفتقد إلى الانتماء لجماعة سياسية معترف بها، ليس هذا فحسب بل سيعمل على تفكيك أي محاولة أو إمكانية لتشكيل مثل هذه الجماعة [6].
لا تعمل هذه الآليات بمعزل عن خطاب تفوق حضاري وأخلاقي يبرر السيطرة باسم التحديث والأمن يعيد إنتاج البنية النفسية للاستعمار، حيث يُقدَّم العنف بوصفه شرطاً للاستقرار، بينما يؤدي عملياً إلى مزيد من انغلاق البنية المؤسسية وتصلبها النفسي وعسكرتها. فتتحول، مع الوقت، الإجراءات المؤقتة إلى نمط دائم، لتغدو حالة الاستثناء قاعدة عمل عامة.
غير أن هذا الخطاب لا يؤدي إلى استقرار المستعمِر، بل إلى مزيد من التطرف والانعزال والشك في الآخر، لأن السيطرة القائمة على نفي الآخر تتطلب يقظة دائمة وإعادة إنتاج مستمرة للعنف. فتفرض الدولة التي هي على هيئة مستعمرة (وهي هنا إسرائيل) تلك الحالة الاستثنائية التي تحدث عنها فالتر بنجامين لتكون "المعيار التاريخي للمضطهدين"[7] لتكون نموذجاً متقدماً لمستقبل الدول "الليبرالية" على مستوى العالم، ليس أقله لتلك الدول التي انكفأت عن شرطها الاستعماري التقليدي، لكنها في ذات الوقت لم تتخل عن تاريخها وإرثها الاستعماري الاستيطاني.
وقد يصبح مثل هذا النموذج المعمم للمعيار التاريخي لدولة الاستثناء مختبراً كبيراً لإدارة الأزمات والصراعات التي يمكن أن تحدث في أماكن أخرى والتي يستطيع بموجبها النظام الاستعماري الاستيطاني تكريس وجوده عبر رغبة ملحة في "تطبيع" الوضع الاستثنائي لمنظومة الاحتلال "بما يتفق مع القانون".
وهنا تستطيع إسرائيل-بالمنطق الأمني التجاري المحض- أن تعرض خبراتها التجريبية التي تطبقها على جموع الفلسطينيين في كل فلسطين. فنظام الحركة اليومية المشمولة بتقنيات التصاريح والإغلاق والضوابط والطرد والهدم يتم وفقاً لنسيج متراكم من القوانين المدنية والعسكرية التي تواجه فيها إسرائيل الفلسطينيين، فثمة أكثر من 5000 أمر عسكري ينظم المعيش اليومي للفلسطينيين، وتشكل هذه الأوامر المعادل الموضوعي القانوني للعقبات المادية المقيدة للحركة في الأراضي المحتلة[8].
في هذا السياق، لا يمكن فهم إسرائيل فقط كدولة قومية[9] ذات نزاع إقليمي، أو حدودي، بل كنموذج متقدم لإدارة السكان في عالم يشهد تآكلاً متزايداً في المعايير الليبرالية الكلاسيكية. فالتقنيات المستخدمة في ضبط الحركة، وتنظيم الفضاء، وتصنيف السكان، لا تبقى محصورة في السياق المحلي، بل تُقدَّم بوصفها خبرات قابلة للتعميم. وهذا النمط من الحكم لا يستهدف فقط السيطرة على الحاضر، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المستقبل السياسي عبر تفكيك إمكان تشكّل جماعة سياسية فلسطينية قادرة على إنتاج سيادة مضادة. في المستقبل.
يتيح هذا المنظور إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والاستعمار الاستيطاني، ليس بوصفهما مرحلتين منفصلتين، بل كبنية واحدة يعاد إنتاجها عبر القانون والسياسة والأمن. وهنا لا تبدو فلسطين حالة استثنائية معزولة، بل موقعاً كاشفاً لتناقضات الدولة الحديثة نفسها حين تُبنى على نفي الآخر بوصفه شرطاً لوجودها.
لا تعمل هذه الآليات في فراغ، بل تستند إلى خطاب تفوق حضاري وأخلاقي يبرر السيطرة باسم التحديث والأمن. وهنا تلتقي التجربة الإسرائيلية مع تجارب استعمارية أخرى، حيث تُقدَّم الهيمنة بوصفها ضرورة تاريخية لإدارة مجتمع يُصوَّر على أنه متخلف أو غير قادر على حكم نفسه[10]. كما لا يمكن فهم هذه الآليات بوصفها انحرافات طارئة، بل كجزء من منطق استعماري يسعى إلى تثبيت تفوق المستوطن، أخلاقياً وثقافياً ومادياً، بوصفه شرطاً لشرعية السيطرة.
لا يكتمل هذا التحليل دون التشديد على أن الاستعمار الاستيطاني ليس حدثاً تاريخياً يُطوى بانتهاء لحظة التأسيس، كما يقال، بل هو بنية مستمرة تعيد إنتاج ذاتها عبر الزمن[11]. إذ لا يكمن جوهره في السيطرة العسكرية وحدها، ولكن أيضاً في الإحلال الدائم الذي يجعل من إقصاء سكان البلد شرطاً متجدداً لاستمرار السيادة الاستيطانية. [12].
ويستوجب هذا الأمر العودة إلى التصورات المبدئية الكلاسيكية لتفسير تطور المشروع الصهيوني -وإسرائيل كدولة- من خلال تفاعل ثلاث مقولات تحليلية متشابكة؛ أولاً مقولة تحليل الاستيطان-الكولونيالي بصفته البنية الأساسية للمشروع القائم على السيطرة على الأرض واستبدال السكان الأصليين، ثانياً تحري إسرائيل إلى طبيعتها كدولة مؤسسات حديثة إثنوقراطية تمتلك ديمقراطية لأغلبية إثنية معينة (يهودية) بينما تستبعد -عمداً الأقلية الأصلية (الفلسطينية)، وما سوف ينتج عن هذه الطبيعة الإثنوقراطية المتمركزة قومياً حول فئة واحدة بعينها من سكانها (أي كدولة تعطي الأولوية لأمة إثنية محددة) في سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، من ديناميكيات سياسية وأمنية تقود نحو تشريعات تقيد الحقوق وتقوّض مبادئ المساواة الديمقراطية الكاملة لغير اليهود، خاصة الفلسطينيين مواطني إسرائيل، وأخيراً تفكيك مقولة السيادة وحالة الاستثناء من خلال تحليل الآليات القانونية والأمنية (بنية المؤسسة العسكرية والأمنية) التي تشرعن السيطرة المستمرة عبر إعلان "حالة استثناء" دائمة، كما طورها جورجيو أغامبين، والتي تُطبق عملياً على الفلسطينيين تحت الاحتلال.
وفي هذا إشارة إلى تطور إسرائيل كنظام "إثنوقراطي ليبرالي" هجين: فهي دولة ديمقراطية عميقة للمواطنين اليهود، لكنها تمارس تجاه الفلسطينيين الواقعين تحت سيطرتها أشكالاً مختلفة من "حالة الاستثناء" تلك، مثل نظام التصاريح والجدار والقوانين العسكرية في الأراضي المحتلة وقانون القومية، وهذه جميعها أدوات تخلق "مساحة استثنائية" يُعلق فيها القانون لحماية السيادة ويحولها إلى "فاشية" من نوع خاص (ربما مرن) يحافظ على شرعيته الداخلية (للمستوطنين) عبر التوسع المستمر في ممارسة الاستثناء على المستعمَرين، كجزء من بنية الأمن الإسرائيلي القائمة على الردع والتفوق النوعي.
وإذا كان التأسيس النظري لتلك المقولات الثلاث يقوم على نقد إسرائيل بوصفها تكشف تناقضات الليبرالية الغربية، -وهذا طرح له وجاهته على كل حال- لكنه يفترض أحياناً نموذجاً مثالياً للدولة الليبرالية لم يوجد تاريخياً إلا على نحو جزئي. وسوف تكون الحجة أمتن حين نعترف -منذ البداية- أن هذه الليبرالية نشأت متشابكة مع الاستعمار، وبهذا المعنى تكون إسرائيل تجسيداً لأحد وجوهها الممكنة أكثر من كونها انحرافاً عنها.
وأي ملاحظة نقدية هنا لا يجب أن تكون سبباً للإطلاق أو التعميم، وإنما فرصة لبناء تحليل أكثر إقناعاً وأعمق من الناحية الأخلاقية، وإن ظهر أكثر تعقيداً.
يجعلنا هذا الفهم الاقتراب من مسألة المقاومة بطريقة مختلفة جذرياً.
فإذا كان الاستعمار الاستيطاني حالة بنيوية مستمرة، فإن المقاومة لا تُقاس فقط بمعايير التمرد على وضع قائم، بل تُفهم كفعل دفاعي طويل الأمد في مواجهة مشروع لم يتوقف عن إعادة إنتاج ذاته.
ورغم أن الإطار العام الشائع لشرح جوانب الصراع على فلسطين يضع في قلبه منظور "الاستعمار الاستيطاني"، لكن الاعتماد المفرط على هذه المقاربة دون معالجة تعقيداته يؤدي إلى تسطيح الواقع التاريخي -على الرغم من أن إطار "الاستعمار الاستيطاني" يعد مفيداً في التحليل النهائي. ولا ينبغي الركون إلى تطبيق النموذج النظري بمغزل عن السياق التاريخي، إذ على عكس النماذج الاستعمارية الكلاسيكية (مثل الجزائر أو جنوب أفريقيا)، يحتوي المشروع الصهيوني على عناصر قومية تحررية (من منظوره الذاتي) وصراع وجودي حقيقي يصعب اختزاله بالكامل في معادلة "مستعمِر/مستعمَر". بل إن الاستعمار الاستيطاني في فلسطين له خصوصيات (كالارتباط الديني بالأرض، الشتات، الحروب الوجودية المتبادَلة) تجعله أعقد من تلك النماذج المذكورة، دون إنكار جوهره الاستعماري[13].
ومن هنا، تكتسب المقاومة الفلسطينية مشروعيتها من كونها استجابة تاريخية ضد بنية إقصائية ما زالت فاعلة. فالمقاومة فعل مواجهة على الأرض والواقع بعيداً عن جوانب منطقها الأخلاقي المجرد أو حتى الخطاب الثأري الذي يتبناه البعض. وشرعية المقاومة في هذا السياق يجري التعبير عنها في العلاقة المتوترة بين شعب محكوم عليه بالإلغاء ومشروع يسعى إلى استكمال السيطرة على الأرض.
لم تكن الهويتان "اليهودية الإسرائيلية" و"الفلسطينية" يوماً كيانات ثابتة تصطدم، بل تشكلتا وتصلبتا عبر مواجهة بعضهما البعض. فلا يطرح سؤال الهُوية "اليهودية"[14] كجزء من مسألة دينية أو هُوياتية فحسب، بل بصفته بنية سياسية وقانونية تُعيد إنتاج التمييز العنصري عبر مؤسسات الدولة الحديثة. وخلافاً للسردية السائدة التي تُقدّم المشروع الصهيوني كردّ فعل دفاعي على اللاسامية، يشير التحليل التاريخي إلى أن الصهيونية نشأت في تفاعل معقد مع الخطاب الأوروبي المعادي للسامية وليس في مواجهته ولا التصدي له حتماً. أما الهوية الفلسطينية الحديثة فقد تشكلت في سياقات العنف والاستعلاء الاستعماري. وفي واقع المشروع الاستيطاني الإحلالي ونظام سيادة قمعي استثنائي يعمل بمنزلة المحرك المركزي لسياستها الداخلية والخارجية، ويدفعها باستمرار إلى مزيد من التطرف والعنف الانعزال.
لا يقدّم هذا التحليل، في النهاية، وصفة جاهزة سواء للمقاومة أو لعدمها، رغم أن الحقائق على الأرض تؤكد أن الاستعمار الاستيطاني لا يُواجَه بالانتظار ولا بالتكيّف، بل بتراكم أفعال تقوّض منطقه، وتمنع اكتماله. وفلسطين بهذا المعنى ( قضية الأرض المُحتلة والشعب المُحتل) اختبار حيّ لقدرة العالم المعاصر على مواجهة الإقصاء حين تتخذ بنيته شكل دولة وقانون حديثين، ناهيك عن خطاب أخلاقي مزيّف[15].
ضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى المقاومة الفلسطينية كعامل بنيوي يعرقل اكتمال مشروع الدولة الاستيطانية. لأنها، في معناها الواسع، تمنع تطبيع وتحويل حالة الاستثناء إلى واقع قانوني نهائي. وتُبقي سؤال الشرعية مفتوحاً في مواجهة نظام يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه ترتيباً قانونياً طبيعياً ونهائياً.
فإذا كان السياق كفيل بإنتاج المعنى، وإذا كانت المقاومة أكثر من خطاب أخلاقي أو رد فعل آني، فهذا لا يجعلها بديل جاهز لـ "الدولة" أي ذلك الكيان السيادي المغلق، وإنما هي- بالمعنى التحليلي النهائي- قوة سلبية تكشف حدود الدولة الاستعمارية وتُظهر هشاشتها البنيوية. وأن ما يُقدَّم بوصفه نظاماً طبيعياً ليس سوى ترتيب تاريخي قابل للتفكيك وإعادة التفكير.
ثمة بديل آخر يتمثل في إعادة تخيّل الدولة حقل حقوقي وسياسي مفتوح يعترف بالتعددية الأصلية للسكان. علماً أن هذا الطرح لا يقدم غبى صعيد فلسطين كحل جاهز -يتجسد في نقاشات الدولة الواحدة الديمقراطية-. وأكثر ما يمكن أن يقدمه النقاش حول هذا النموذج، النظر إليه كأفق نقدي يفضح استحالة الجمع بين دولة إثنية ونظام ديمقراطي فعلي.
هنا تصبح الدولة أداة لتحرير السياسة من منطق التفوق أكثر من كونها إطاراً لإدارته. إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تفكيك نموذج "الإدارة الإنسانية" لواقع القضية الفلسطينية، والعمل على استعادة الفعل السياسي، سواء عبر المقاومة، أو التنظيم المجتمعي، أو الاشتباك القانوني الدولي.
مثل هذه الاستعادة ستكون مقدمة أو شرطاً ضرورياً لمنع تحويل المأساة إلى حالة دائمة بلا أفق.
ولعل هذا ما يجعل من نضال الشعب الفلسطيني، بكل تعقيداته وتشعباته، نموذجاً حياً لمقاومة مشروع الإلغاء، وصراعاً من أجل إثبات الحضور واستعادة الحق في الأرض وفي التاريخ والمستقبل.
أملنا كبير فيما تقدمه لنا مقاومة الفلسطينيين باعتبارها نموذجاً مضاداً وإلهاماً قد تظهر فيه بذور مستقبل بديل.
.....
[1]. Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism (London: Verso, 1983). في الحقيقة نشأت الصهيونية في سياق أوروبي مهووس بالمسألة القومية والعرق( يرى آفي شلايم أن هذه الأفكار المجردة ما كان لها أن تتحقق على أرض الواقع من دون تضافر عاملين حاسمين: أولاً، الإطار الإمبريالي للقوى الأوروبية لتأمين مصالحها الاستراتيجية، وثانياً، سياسات الانتداب البريطاني التي وفرت الحماية والشرعية الضرورية لنجاح المشروع، وإتاحة الفرصة للصهيونية لتحويل حلمها القومي إلى واقع سياسي).
[2]. Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, trans. Constance Farrington (New York: Grove Press, 1963) كما يتبنى الخطاب الصهيوني، بما في ذلك تياراته العلمانية، استعارات متكررةً للرموز والسيناريوهات الدينية اليهودية ذات الطابع الخلاصي (المسياني) وتوظيفها كنوع من التعبئة واعتبار المشروع القومي تحقيقاً لمصير تاريخي مطلق. أسهمت هذه اللغة الرمزية لاحقاً في الاستقطاب السياسي حول الصراع الوجودي على الأرض، في تكوين أطر إيديولوجية تسوغ ممارسات استيطانية استبعادية تجاه الفلسطينيين. وهذا لا يعني أن جميع الصهاينة تبنوا تفسيراً دينياً خلاصياً، رغم أن هذه الملاحظة تزيد من تعقيد التفاعل بين البعد القومي والبعد الديني في تشكيل هُوية الدولة وسياساتها كما طرحها جوزيف مسعد في مقالته الشهيرة "The Last of the Semites" (2013). انظر هنا https://www.aljazeera.com/opinions/2013/5/21/the-last-of-the-semites . طور مسعد مقالته في كتابه "الإسلام في الليبرالية"Islam in Liberalism (University of Chicago Press, 2015)، بعنوان "Forget Semitism" ("انسوا السامية"). فيتوسع النقاش ليشمل فكرة الأديان الإبراهيمية (Abrahamic religions) واستخدام مفاهيم السامية واللاسامية(anti-Semitism) ضمن الخطاب الليبرالي الغربي، وهو ما كان قد بدأه في كتابه السابق "ديمومة المسألة الفلسطينية". انظر الهامش [5] أدناه.
[3]خلافاً للسردية الصهيونية التي تُقدّم مشروعها "القومي" كردّ فعل على اللاسامية، يُظهر التاريخ أن الصهيونية نشأت في تقارب إيديولوجي مع معاداة السامية. فكلا الطرفين اتفقا على أن "المسألة اليهودية" لا تُحلّ إلا بطرد اليهود من أوروبا. لنتذكر ما قاله هرتزل نفسه أن اليهود أنفسهم "يسبّبون" معاداة السامية، وأنه "لو لم تكن موجودة، لاخترعوها... وأن المعادون للسامية سيكونون أصدقائنا الأوفياء" انظر Herzl, Theodor. (1896) 1960. The Jewish State. New York: Dover Publications)بل وصل الأمر إلى تعاون الصهاينة مع النازيين في العام 1933 عبر اتفاقية "هعفارا" لنقل اليهود وممتلكاتهم إلى فلسطين، في خرق واضح للمقاطعة اليهودية الدولية لألمانيا، واعتراف ضمني بمنطق التمييز العنصري النازي القائل إن اليهود "عرق منفصل"، وهو تعاون رفضته أغلبية اليهود الألمان، بمن فيهم الصهاينة أنفسهم في البداية(حول اتفاقية هعفارا انظر Francis R. Nicosia, Nazi Germany and the Arab World (2008)). والمفارقة، هنا، أن الصهيونية لم تُنقذ اليهود من عقابيل معاداة السامية، بل اعتمدت ذات المنطق العرقي الذي يفصل اليهود عن الأوروبيين، ليُعاد توطينهم في فلسطين ليس كلاجئين، بل كـ "استعمار أبيض" (white settler colonialism) يبرّر وجوده بالمعيار الاستعماري، أي حضارة "الرجل الأبيض" في مواجهة "بربرية" السكان الأصليين.
[4] Patrick Wolfe, “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research 8, no. 4 (2006): 387–409
[5]. Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld, 2006)
[6]. Joseph Massad, The Persistence of the Palestinian Question (New York: Routledge, 2006)
[7]يرفض بنجامين فكرة التاريخ كسيرورة خطية مستمرة من التقدم الحتمي، والتي غالباً ما تستخدم لتبرير الفظائع والظلم على أنه "ثمن" ضروري للتطور. هذا التصور يخدم مصالح الطبقات الحاكمة. ويدعو إلى إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر الخاسرين والضحايا والمهمشين. فالظلم والقهر ليسا مجرد انحرافات عرضية في مسار التاريخ، بل هما جزء أساسي ومستمر من التجربة الإنسانية بالنسبة للمضطهدين، وسوف يولد هذا الإدراك دافعاً ملحاً للعمل الثوري بدلاً من الرضا عن الوضع الراهن. باختصار، يدعو بنجامين إلى رؤية تاريخية راديكالية ترفض "المعايير" الرسمية للتاريخ وتتخذ من تجربة المضطهدين معياراً لها، مما يحفز العمل السياسي الثوري في الحاضر." أطروحة فلسفة التاريخ/ فالتر بنيامين، ترجمة (من الألمانية) أكد الجبوري. https://ahewar.net/m/s.asp?aid=826435
[8] للمزيد حول هذا الموضوع انظر هنا https://antipodeonline.org/2014/10/06/from-gaza-a-letter-to-a-friend/#:~:text=Do%20you%20know%2C%20Ya akov,us%20off%2Dbalance%2C%20disoriented.
[9] لم يكن قانون القومية في إسرائيل استجابة لشعار أو مشروع "دولة يهودية لشعب يهودي" فقط (باعتباره رد فعل على ما تعرض له اليهود من مجازر غضون الحرب وبدافع الحاجة إلى ملاذ آمن يضمن عدم حدوث هولوكوست جديد)، بل تكمن جذوره المندمجة في المطلب القومي/ الإثني (الذي يمكن رفضه في سياقات أخرى كـ "سياسة هوية" ) في المنشأ المتناقض للصهيونية نفسها الذي ينادي باستثناء إلهي أو مسياني لم يعد مسموحاً به في إطار الشروط المقبولة عادةً للدولة الليبرالية العلمانية.
[10]اعتبر هرتزل السكان الأصليين بدائيين ومتخلفين ولكنه كان يأمل في أن تعود المنافع الاقتصادية بين السكان العرب على المشروع الصهيوني في فلسطين. لكن مصير مثل هذه "القيم العليا", سواء كانت صادقة أم من طبيعة انتهازية, يتحدد حسب العقلية التي سيتم بموجبها تصنيف المجتمعات الاستعمارية. ففي سبيل مواجهة أي مقاومة فعلية أو وهمية على المستعمِر أن يبقى على أهبة الاستعداد وفي حالة يقظة وحراسة على الدوام خلف "جدار حديدي" بالمعنى المجسد والمجازي تحافظ مأسسته على مفهوم هيمنة أقلية استعمارية داخل بنية الدولة ذاتها. ومع مرور الوقت يمر مجتمع المستوطنين بحالة تصلب تدريجي لهياكله المؤسساتية والنفسية الدفاعية، بدلاً من اكتساب الثقة والانفتاح على إمكانات التغيير والتكيف الذي قد يؤمن له القوة والأمن. وعوض عن توسيع نطاق الحريات الديمقراطية و شموليتها، نرى ميل التجمع الاستعماري نحو التطرف والعسكرة وإحكام "حالة الحصار" على المستعمَر، ويصبح شكل القوانين أكثر وحشية وتصبح القيود أشد وطأة لاسيما عند الحديث عن الحقوق السياسية و "القومية" للمستعمَرين. بما يذكرنا بالمقولة الشائعة التي ترى أن كل دولة استعمارية تحمل في أحشائها "بذور الإغراء الفاشي". فما كان صحيحا بالنسبة للفرنسيين في الجزائر، والوحدويين في إيرلندا الشمالية، والأفريكان وغيرهم من البيض في جنوب أفريقيا، يثبت أنه أكثر واقعية بالنسبة لليهود الإسرائيليين في فلسطين - إسرائيل.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا، من باب السخرية، يقدم تسويغاً لمطالبة إسرائيل بأن تكون دولة "غربية سوية"، وإن لم يكن بالمعنى الذي يرغب داعميها في تعيينه كدولة ديمقراطية عادية يحيطها جيران أعداء يمنعوها من ممارسة سيادتها كما تعرف نفسها كدولة لشعب واحد ودين واحد.
[11]. Patrick Wolfe, Traces of History: Elementary Structures of Race (London: Verso, 2016)
[12]لا يمكن، بهذا المعنى، التعامل مع نكبة العام 1948 كلحظة انقطاع، ولا مع الاحتلال اللاحق بوصفه انحرافاً عن دولة قائمة، بل كامتداد عضوي لبنية واحدة تتبدل أدواتها دون أن يتغير منطقها . لقد كانت النكبة، منذ بدايتها، عملية تطهير عرقي منظم مقصودة ومدروسة، نفذتها القيادة الصهيونية بقسوة وبطريقة منهجية، وهي إذن ليست "أضرار جانبية للحرب" أو حصيلة فوضوية لها. وإنما عملية نفذت بأجندات استعمارية عنصرية تتكامل مع المنطلقات النظرية للمشروع الصهيوني ككل. على أن المشروع الصهيوني لم يقف عند حد الاستيلاء بالقوة العسكرية على جزء من فلسطين آنذاك، بل عمل على بناء منظومة قانونية معقدة تحوّل الاحتلال إلى حالة دائمة ونموذج حكم معياري يخلق مساحات مستمرة، كتلك التي يحكمها قانون الطوارئ والأوامر العسكرية، حيث يجري تعليق القانون بذريعة الأمن. وهنا تكمن المفارقة: فالدولة التي تدّعي الشرعية القانونية تُؤسس سلطتها على تعليق القانون ذاته.!
[13] في سياق النقاش حول الصهيونية نميل في أحيان كثيرة إلى المبالغة في التعميم الإيديولوجي بالنظر إليها ككتلة متجانسة، وكأنها خالية من تيارات متناقضة أو تطورات داخلية، علماً أن التحرّي التاريخي لنشأتها يظهر العديد من الفروق الجوهرية بين ما يعرف بالصهيونية السياسية (يمثلها هرتزل) والصهيونية العمالية (تيار بن غوريون) والصهيونية الدينية ( مثير كاهانا ، وابراهام كوك وابنه زفي يهودا كوك، وحالياً سموطريتش) ... ولا ننسى تيار ما بعد الصهيونية والصهيونية التحررية الذي برز إثر موجة "المؤرخون الجدد".
[14]يعتقد شلومو ساند أن فكرة "الشعب اليهودي" كأمة عرقية-تاريخية هي فكرة حديثة، مبنية على تخيّل سياسي أكثر مما هي على واقع بيولوجي فالشعب -كما يرى ساند ليس وحدة سياسية أو عرقية موحّدة، بل فضاءً متنازعًا عليه، وما فكرة "المنفى" اليهودي أو "العودة إلا سرديات حديثة مبنية على إعادة تأويل تاريخية وليس على وقائع ديمغرافية مستمرة. للمزيد انظر: شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي: من التوراة إلى إعلان الاستقلال. ترجمة سعيد عياش. بيروت: دار الساقي، 2010.
[15] الفلسطينيون، كشعب أصلي، لا يحتاجون إلى "إثبات ساميتهم" للدفاع عن حقوقهم. يحتاجون إلى الاعتراف بحقهم في الأرض والتاريخ والسيادة، كأي شعب آخر. لذا، من الواجب استبدال الخطاب الهُوياتي بخطاب سياسي واضح يواجه المشروع الصهيوني من أجل بناء عالم لا يقوم على نفي الآخر، فنحن لا ندافع عن فلسطين لأنها "سامية"، بل لأنها أرض مستعمَرة، وشعبها منفي ومهجر ومهمش.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
- عن الطوفان واشياء أخرى (52)
- عن الطوفان وأشياء أخرى(51)
- انتفاضة الحجارة في زمن الإبادة والتطبيع والتنسيق
- قراءة في كتاب ستانلي ميلغرام. الطاعة للسلطة: وجهة نظر تجريبي ...
- انتفاضة الحجارة :بين العفوية و القصدية
- سوريا اليوم... نحو لغة سياسية جديدة
- زمن الضفادع: مجازات الطغيان في التجربة السورية
- جدل الصمت، الحضور الخفي وانكسار الإيمان
- دونالد ترامب وعصر ما بعد الحقيقة في الخطاب السياسي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (50)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (48)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (49)
- قراءات في كتاب عصور الرأسمالية الأمريكية : تاريخ الولايات ال ...
- في معنى أن تكون فلسطينياً: -باراديم- الفعل السياسي والمعنى
- كيف يصبح الخوف مصنعاً لحكايات -الغولة-
- أنطولوجيا الخوف في ظل الدولة الأسدية
- من -الكيانية- إلى -الفلسطينيزم-: تحولات الوعي الفلسطيني بين ...
- المثقف السمسار والمستعمِر: التبعية والهيمنة


المزيد.....




- العليمي يطلب من السعودية استضافة مؤتمر بشأن -القضية الجنوبية ...
- كمبوديا تتهم تايلند بـ-ضم- قرية حدودية
- إعلام إسرائيلي: تل أبيب تعتزم تحديد مهلة لنزع سلاح حماس
- أزمة اليمن تتصاعد: غارات وتحركات ميدانية وإعلان مرحلة انتقال ...
- بعد أسبوع من وقف القتال.. كمبوديا تتهم تايلاند بفرض السيطرة ...
- -اليونيفيل- تطالب إسرائيل بوقف -السلوك العدواني- عقب إطلاق ن ...
- أنجلينا جولي تزور رفح لمتابعة أوضاع الجرحى والمساعدات لغزة
- وزارة الدفاع الإماراتية تعلن عودة جميع قواتها من اليمن
- نائب وزير خارجية اليمن: نستغرب حديث الزبيدي عن الحوار بعد ال ...
- في أول يوم له كعمدة.. ممداني يلغي أوامر -داعمة لإسرائيل-


المزيد.....

- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية