أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - الإله المهمش














المزيد.....

الإله المهمش


علي جاسم ياسين

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 09:04
المحور: الادب والفن
    


صوت بلا اسم: هادئ، عقلاني، لا يهاجم بل يكشف بالتساؤل.
سالم: مؤمن مسلم، ثري، كثير الثرثرة، سريع التكفير، يعيش حياة مرفهة حديثة.
المشهد
غرفة جلوس واسعة في بيت حديث الطراز.
أثاث أوروبي، ثريا مشرقة، شاشة عملاقة تبث قناة دينية بلا صوت.
على الطاولة هاتفان ذكيان، مفاتيح سيارات فارهة.
من النافذة: أضواء مدينة ليلية، بعيدة، بلا ملامح.
الصوت بلا اسم يتأمل المكان ببطء
غريب…
كل شيء هنا حديث:
زجاج، حديد، تقنية، صمت مكيّف.
ينظر إلى سالم
لكن افكارك،
افكارك عتيقة من قرون مضت.
سالم بحماس دفاعي:
لا يهم الشكل يا أخي،
المهم الإيمان!
أنتم العلمانيون
كفار، باعوا دينهم للغرب!
الصوت بلا اسم بهدوء:
للغرب؟
(يشير إلى الهاتف)
وهذا الهاتف؟
(إلى الشاشة)
وهذه القناة؟
(إلى النافذة)
وهذه السيارات؟
وهذا البيت الذي صمّمته شركة أمريكية
وبُني بمواد مستوردة
ومموّل بقروض ربوية؟
سالم يتوتر:
هذه نعم من الله!
نستخدمها ولا نعبدها!
الصوت بلا اسم:
لكن لماذا حين أستخدم عقلي
تقول إنني أعبد الغرب،
وحين تستخدم نظامه
تقول إنك تشكر الله؟
لماذا الحداثة
في يدك حلال،
وفي رأسي كفر؟
سالم يرفع صوته:
أنت تشكّك في الثوابت!
نحن أمة مستهدفة!
أمريكا عدوة الإسلام!
الصوت بلا اسم:
عدوة أم شريكة صامتة؟
(يتقدّم خطوة)
من يبيع النفط؟
من يحمي العروش؟
من يوقّع العقود؟
من يفتح القواعد العسكرية
ثم يلعنها في الخطب؟
سالم يصمت لحظة ثم يثرثر:
السياسة شيء…
والدين شيء آخر!
الصوت بلا اسم:
غريب…
حين تكفّرني
تجعل الدين كلّ شيء:
قانونا،
حدا،
سيفا.
وحين تصل إلى أمريكا
تفصل الدين عن كل شيء
وتسمّيه: واقعية.
سالم بعصبية:
أنت لا تفهم الواقع!
هذه مصلحة!
الصوت بلا اسم:
إذن أنت تؤمن بالله…
لكن تركع للمصلحة.
تخاف الله في الكلمات،
وتخاف السلطة في الأفعال.
وتكفّر من لا يركع
معك في الاتجاه نفسه.
صمت. صوت المكيّف يعلو.
سالم يحاول تغيير الموضوع:
المهم أنني مسلم!
أصلّي،
أصوم،
وأزكّي
أخمس!
الصوت بلا اسم:
وأنا إنسان.
لا أملك مفاتيح الجنة،
ولا أوزّع صكوك النار،
ولا أفتّش في النوايا
وأترك الأفعال بلا سؤال.
ينظر حوله ببطء
أسكن بيتا من أسئلة،
قد يكون متعبا…
لكن نوافذه مفتوحة.
وأنت يشير إلى الجدران الزجاجية
تسكن بيتا من زجاج:
يرى كل شيء،
ولا يلمس شيئا.
سالم بحدّة خافتة:
إيّاك والاستهزاء بالدين!
الصوت بلا اسم:
أنا لا أستهزئ بالدين.
أنا أستهزئ
بمن جعله ستارة:
يخفي بها ثراءه،
وصمته،
وتواطؤه.
الصوت بلا اسم أقرب، أهدأ:
قل لي يا سالم…
حين رأيتَ الفقراء
تحت هذا البرج،
هل أمرتَ بمعروف؟
وحين رأيتَ الظلم
يمرّ في صفقات،
هل نهيتَ عن منكر؟
أم أن المعروف
كان دائما بعيدا عن مصالحك،
والمنكر قريبا جدا من أرباحك؟
سالم يتراجع خطوة، ينظر إلى الأرض.
الصوت بلا اسم:
تعرف ما المشكلة؟
أنك لا تعيش ضد ما تقول،
بل تعيش مرتاحا معه.
وهذا أخطر.
ظلام تام.
يبقى انعكاس الضوء على الجدران الزجاجية.
الصوت بلا اسم الصوت الأخير:
البيوت من زجاج
لا تنهار سريعا…
لكن أصحابها
يكسرهم أول حجر
من الحقيقة.
المشهد الأخير بعد الظلام
يعود الضوء خافتا جدا.
سالم ما زال في مكانه.
الصوت بلا اسم يُسمع فقط، كأنه صادر من الجدران الزجاجية.
الصوت بلا اسم:
انتظر…
لم ننتهِ بعد.
هناك نفاق
لا يظهر في الخطب،
ولا يُرى في الصلاة،
بل يُكتب في العقود
ويُوقَّع بالأقلام الفاخرة.
أنت تعرف النظام
الذي تتعامل معه.
تعرف أنه فاسد،
يعرف كيف يسرق باسم القانون،
ويقمع باسم الاستقرار،
ويُجوّع باسم الوطن.
تعرف أن السجون
ممتلئة بالفقراء
لا باللصوص الكبار.
ومع ذلك
تمدّ يدك،
تبتسم،
توقّع،
وتقول: نحن مضطرون.
أيّ اضطرار هذا
الذي ينتهي دائما
بثروتك أكبر
وصوتك أخفض؟
وأيّ إيمان هذا
الذي يلين حين يقترب من السلطة
ويتصلّب حين يواجه الضعفاء؟
تقول: أنا رجل أعمال، لا سياسة.
لكن المال حين يدخل قصر الحكم
يصير سياسة،
وحين يخرج
يصير فقرا
في الشوارع الخلفية.
أنت لم تُجبر.
لم يُكسر بابك.
لم يُهدَّد أولادك.
أنت اخترت.
اخترت أن تكون
جزءا من نظام
ملعون بفساده،
ثم غطّيته بالدعاء
كي تنام.
تبني مسجدا
بجوار مصنعٍ
يَسحق العمّال.
تتبرّع كي تُسكت السؤال،
لا كي تُنهي الظلم.
صارت الصدقة
عندك تأمينا أخلاقيا،
لا عدلا.
تلعن الفساد بالكلمات،
وتغذّيه بالأرقام.
وتقف أمام المرآة
وتقول بثقة:
أنا مؤمن.
الصوت بلا اسم أشد هدوءا
أسوأ ما فعلت ليس أنك تحالفت مع نظام فاسد…
بل أنك جعلت الله
شاهد زور.
(الضوء يختفي تماما)
الصوت بلا اسم الكلمة الأخيرة
البيت من زجاج…
والنظام من حديد.
والعار الحقيقي
ليس أن تعيش داخله،
بل أن تحرسه وأنت تتحدث عن الله.
ظلام تام.



#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيرة الخراب الأخلاقي للإنسان
- جِسْدٌ وَجرافَةٌ
- السؤال بوصفه بداية الوعي
- دراما الهامش
- هل الحقائق نسبية فعلا؟
- شيطان الشرق
- صوت من جهة الرماد – حديثٌ عن أبو لولو
- انتخابات الأكاذيب في العراق
- اللون الأزرق للفقد
- إذا تخاصم اللصّان ظهر المسروق
- القرآن بين البيان والغموض: أسئلة مهمة
- لماذا يمنع الآخر من نقد التاريخ والتراث؟
- السيستاني: مرجعية الصمت والتواطؤ
- إمام علي No ستي Yes: النجف بين قداسة الرمز وتناقض الموقف
- الحلقة الثانية: لماذا الشرق الأوسط بالذات؟
- الحلقة الأولى: الحضارات القديمة وظاهرة النبوة
- الفلاسفة ورجال الدين في صراع العقل والسلطة عبر التاريخ
- لحم الخنزير والغيرة المفقودة
- أفلاطون عزيز… لكن الحقيقة أعز
- هل القرآن كتاب الله أم كتاب إساءة إلى الله؟


المزيد.....




- الخوف بوصفه نظامًا في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل
- الدكتور ياس البياتي في كتابه -خطوط الزمن-: سيرة إنسان ووطن
- رفع الحجز عن معاش الفنان عبد الرحمن أبو زهرة بقرار رسمي عاجل ...
- هل هجرت القراءة؟ نصائح مفيدة لإحياء شغفك بالكتب
- القضية الخامسة خلال سنة تقريبًا.. تفاصيل تحقيق نيابة أمن الد ...
- فيلم -عملاق-.. سيرة الملاكم اليمني نسيم حميد خارج القوالب ال ...
- احتفاء كبير بنجيب محفوظ في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب ...
- هل ينجح مهرجان المنداري ببناء جسر للسلام في جنوب السودان؟
- مخرجة فيلم -صوت هند رجب-: العمل كان طريقة لـ-عدم الشعور بالع ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي: الخوف قبل العاصفة


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي جاسم ياسين - الإله المهمش