علي جاسم ياسين
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 00:15
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ليس كتاب حيونة الإنسان لممدوح عدوان مجرد تأملٍ فكري في العنف أو القسوة، بل هو سيرة مظلمة لانهيارٍ أخلاقي طويل، يُدوِّن فيها الكاتب كيف يُفرّغ الإنسان من إنسانيته، لا دفعةً واحدة، بل عبر اعتيادٍ بطيء على القبح، حتى يصبح الخراب شكلا من أشكال الحياة.
ينطلق عدوان من فكرة صادمة مفادها أن الحيونة ليست انحدارا غريزيا، بل نتاجا ثقافيا وسياسيا متقن الصنع. فالإنسان لا يولد متوحشا، بل يُدرَّب على التخلي عن عقله، ويُكافأ على الصمت، ويُلقَّن أن القسوة ضرورة، وأن الطاعة فضيلة، وأن الشك خيانة. هكذا يبدأ الخراب: حين يُستبدل الضمير بالتبرير، والعقل بالشعار.
في هذا السياق، تصبح السلطة بمختلف أشكالها سببا رئيسيا للانهيار الأخلاقي. فهي لا تكتفي بقمع الأجساد، بل تعمل على ترويض الوعي، وتحويل الخوف إلى أسلوب حياة. ومع الزمن، لا يعود القمع فعلا خارجيا، بل يسكن الإنسان نفسه، فيراقب ذاته، وأفكاره، ويشارك طوعا في إعادة إنتاج السجن.
ما يفضحه عدوان بجرأة هو أن الحيونة لا تحتاج دائما إلى جلادٍ واضح؛ يكفي خطاب يجرّد الآخر من إنسانيته، أو فكرة مقدسة تبرر الدم، أو إعلام يكرّس الكراهية بوصفها حقا. عندها يتحول الإنسان إلى كائن يرى العنف عاديا، بل أخلاقيا، ما دام موجّها ضد الآخر.
لغة الكتاب حادة، مباشرة، خالية من التجميل، وكأنها مرآة قاسية تُجبر القارئ على النظر. لا يمنح عدوان قارئه ترف المسافة، ولا يسمح له بالاختباء خلف دور الضحية البريئة. فالسؤال المركزي ليس: من حوّل الإنسان إلى وحش؟ بل: متى شارك الإنسان في خلع إنسانيته بنفسه؟
قد يخرج القارئ من الكتاب مثقلا بسوداوية واضحة، فعدوان لا يقدّم خلاصا جاهزا ولا وصفة أخلاقية مطمئنة. لكنه يترك أثرا أعمق: قلق الوعي. وهذا القلق، في حد ذاته، مقاومة أولى. لأن إدراك الخراب هو الخطوة الأولى نحو رفضه.
في المحصلة، يمكن قراءة حيونة الإنسان بوصفه وثيقة اتهام ضد زمن احتقرت فيه القيم، وضد إنسانٍ اعتاد التنازل عن إنسانيته مقابل الأمان أو الانتماء. إنها سيرة الخراب الأخلاقي للإنسان، حين يتعلم التوحش، لا لأنه مضطر، بل لأنه توقّف عن السؤال.
#علي_جاسم_ياسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟