أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - تأملات في المسرح: الفعل والمعنى كتدفق معرفي














المزيد.....

تأملات في المسرح: الفعل والمعنى كتدفق معرفي


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 18:01
المحور: قضايا ثقافية
    


الكتابات المسرحية التي امتدت من ستانسلافسكي إلى باربا ليست منظومات تعليمية بل خطوط إنتاج معرفي؛ ليس الهدف الإمساك بالفعل قبل وقوعه، بل تتبع أثره بعد الانبثاق، تحويل الحدث الجسدي الزائل إلى تشكيلات دلالية قابلة للاختبار والإعادة. الفعل نفسه لا يُملَك، بل ما يتبقى من أثره في الوعي هو المادة التي تتحرك ضمنها المعرفة.
المناهج المسرحية ليست ثوابت تتجاوز الزمان والمكان، بل نسق من التمثلات التاريخية، طبقات من التدفقات الثقافية والأنطولوجية. الثبات الذي يُسجَّل ليس أصلاً، بل إعادة ترتيب مؤقت للمعنى، محاولة لتثبيت اللحظة وسط حركة الاختلاف المستمرة. المنهج إذن ليس أصلاً بل تعويض، حضور محوَّل للغياب، صيغ معرفية تتكاثر مع كل فعل، كل حركة، كل إيماءة.
الفعل المسرحي ينتج معرفته في لحظة التحقق، الجسد لا ينفذ النظرية، بل يختبر حدودها، والوعي لا يسبق الفعل بل يتأخر عنه، يتبع تدفقه. العلاقة بين الجسد والمعنى ليست سببية، بل تداخل، تأجيل، امتداد؛ المعنى يظهر كنتيجة لاحقة للفعل، لا كشرط سابق له.
الحرية في المسرح ليست مطلقة، بل حرية إنتاجية مشروطة، تعمل ضمن شبكة من العلامات والأثر الثقافي، داخل حركة تدفق مستمرة. المحاكاة ليست انعكاس الواقع، بل إنتاجه، إعادة ترتيب دلالاته، كشف أن الواقع ليس ثابتاً بل متعدد، متغير، خاضع للظروف التاريخية والاجتماعية.
المنظر المسرحي ليس مشرعاً للمعرفة، بل قارئ أول، مشارك في إنتاج المعنى عبر التأويل، الدال ممارسة للهوية، والمدلول مسار ذهني مستمر، دلالته تولد مع كل استقبال، كل تفاعل، كل تغيير في العلاقة بين الفعل والجسد والوعي. المسرح يصبح حقل إنتاج معرفي، ليس لتمثيل الحقيقة بل لتفكيك شروط إنتاجها، التمثيل كتابة بالجسد، والإخراج فعل إبستمولوجي يحافظ على حركة المعنى وتدفقه الدائم.
العرض المسرحي ليس محصوراً في القاعة أو الزمان المحدد، بل مزدوج: عرض دائم خارج القاعات، عرض مؤقت داخلها. العرض خارج القاعات تدفق مستمر، لا يمكن تحديده أو إيقافه، يمتد في الحياة نفسها، حيث يتداخل الفعل مع المحيط، الحركة مع شروطها الوجودية. العرض داخل القاعة هو اقتطاع من هذا التدفق، لحظة مؤقتة، تعكس الحركة لكنها لا تحصرها، حيث الشخصيات تظهر كآثار لا ككيانات مكتملة، والنص طبقة من الكتابة الجسدية، يرتجف في حركة وعاطفة وإيماءة، غير مقصودة أحياناً، لكنها تولد نصاً آخر، غير مكتوب، يسكن دواخل المؤدي، يتقاطع فيه الوعي مع اللاوعي، القصد مع اللانواعي، في حالة تشظّ دائم.
الإخراج لا يقتصر على ضبط العرض داخل القاعة، بل يتتبع العرض خارجها، يتدخل في لحظات التشكيل، يلتقط الدلالات المتشظية، ينقلها إلى فضاء محدود، مع إدراك أن العرض دائماً مفتوح، منزاح، ناقص، متجاوز للثبات. الممثل مراقب، متأمل، ينساب في تدفق دواخله وجماعة الحياة، لا يقدم شخصيات مكتملة أو إجابات جاهزة، بل يعيش السؤال، المسافة بين ما يُرى وما لا يمكن تمثيله. الأداء المسرحي كشف للغياب الحاضر، استدعاء مستمر لعدم الاكتمال، ولحظة الفعل كحقل معرفي متحرك.
العرض المؤقت والعرض الدائم ليسا كيانات منفصلة، بل شبكات تداخل، استمرار، امتداد؛ الأول مرآة للثاني، والثاني امتداد للعرض خارج الزمان والمكان. المسرح إذن ليس مجرد أداء، بل إنتاج معرفي مستمر، مسرحية في الاستمرارية، مكان للمعرفة التي تتحقق في الحركة، لا بالوصول.
إذا كان المسرح حقلًا معرفيًا مستمرًا، فإننا أمام شبكة من التدفقات المتوازية، حيث كل فعل يفتح امتدادًا جديدًا، كل حركة جسدية تولد إحساسًا معرفيًا لم يكن موجودًا من قبل. الزمن في المسرح ليس خطًا مستقيمًا، بل طبقات متداخلة، توازي التجربة، تتقاطع فيها الذاكرة مع اللحظة الراهنة، ووعي المؤدي مع وعينا نحن كمتلقين. هنا، لا نملك حدثًا، بل امتدادًا للحدث، لا نصًا نهائيًا، بل شبكة من الإشارات والمعاني التي تتولد في التفاعل، تختفي، ثم تعاود الظهور في نسق آخر.
الفعل المسرحي يشتغل كماشة تلتقط الفعل والمعنى معًا، ليس ليحول أحدهما إلى الآخر، بل ليبقيهما في حالة حركة، في حالة استمرارية إنتاجية. الاختلاف هنا ليس فرقًا بين شيء وآخر، بل إنتاج متعدد للواقع ذاته: الواقع لا يُعاد إنتاجه كما هو، بل يُعاد تشكيله عبر الانزياحات، التحولات، التداخلات. المسرح إذن ليس انعكاسًا، بل آلية إنتاجية للواقع، للجسد، للمعنى.
الوعي بالمسرح ليس معرفة مسبقة، بل هو حساسية للامكانات المحتملة، إدراك لتشابك الاحتمالات، قدرة على الامتداد إلى اللحظة التي لم تحدث بعد. الممثل ليس منفذًا لشخصية، بل محور تدفقات: الجسد والوقت والحركة والأثر يتداخلون في شبكة متشابكة، حيث كل حركة جسدية تتقاطع مع حركة الحياة خارج المسرح. الإخراج يصبح إذن فعل إنتاجي متحرك، ليس لحصر المعنى أو ضبطه، بل لإتاحة المجال لتقاطع تدفقات جديدة، لإبقاء المعنى في حالة انبثاق مستمر، متغير، متشظٍ، قابل لإعادة الاختراع في كل لحظة.
الحدث المسرحي نفسه ليس مقطعًا محددًا، بل امتداد دائم خارج القاعة، امتداد يتصل بالزمن والمكان والحياة اليومية، حيث الجمهور جزء من التدفق، ليس كمتلقي سلبي، بل كشريك في إنتاج المعنى، في حركة مستمرة بين الداخل والخارج، بين النص والفعل، بين الجسد والزمان. العرض المؤقت يصبح إذن نقطة تقاطع مؤقتة في شبكة لا متناهية من التدفقات، نقطة يمكن الانزلاق منها إلى لحظات أخرى، إلى احتمالات لم تتحقق بعد، إلى أشكال جديدة للمعرفة.
المسرح، بهذه الطريقة، يتجاوز حدود الأداء، ليصبح حقلًا للإبداع المعرفي المفتوح، للحركة المستمرة، وللوعي المنتج للفعل والمعنى معًا. لا يوجد نص نهائي، لا شخصية مكتملة، لا معنى ثابت؛ كل شيء في حالة انتقال مستمر، تدفق دائم، إنتاج معرفي بلا توقف. التمثيل والإخراج هنا هما أدوات لإطلاق هذه التدفقات، لإعادة ترتيب الفعل والمعنى، لخلق مساحات جديدة من التفاعل بين الجسد والمعرفة والزمن.



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلل التقسيم المنطقي في تصنيف الواقعية ملاحظة منهجية في البحث ...
- عُنْفُ اللُّغَةِ / ضِدَّ اِمْتِلاَكِ المَعْنَى
- الهوية المسرحية
- إيما
- الجنرال الميت في المصحّ
- الانتحار كفعل مسرحي وفلسفي
- أرشفة الغامض
- ما قبل الفراغ المسرحي
- ما قبل الفراغ المسرحي / سيرة الفراغ المسرحي
- صيغ التغير واللايقين المعرفي في الظواهر الاجتماعية والفردية
- هوامش فلسفية II
- برج بابل
- الفضاء الأبيض (المسرح الداخلي)
- عن هوامش الرحلة
- عن زيارتي الأخيرة إلى جزر القمر
- القراءة بوصفها تحريضًا فلسفيًا – I
- ملحوظات أولية حول المسرح
- كولاج
- بريخت بين الاستهلاك الأكاديمي وسوء الفهم المعرفي
- تمارين في ميتافيزيقا الشعر


المزيد.....




- ثماني حلويات أمريكية شهيرة تستحق التجربة
- وزير خارجية لبنان لنظيره الإيراني: هل تقبل بلدكم تنظيما مسلح ...
- مصدر يوضح لـCNN سبب عدم تعليق المسؤولين الإسرائيليين علنا عل ...
- -الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى النفط الفنزويلي- – واشنطن ب ...
- روسيا تضرب أوكرانيا بصواريخ فرط صوتية.. ودعوة لمغادرة كييف - ...
- غارة جوية روسية على عدة مبان سكنية في كييف تسفر عن مقتل 4 وإ ...
- سقوط 13 قتيلا في قطاع غزة بينهم 5 أطفال جراء ضربات إسرائيلية ...
- فنزويلا تفرج عن -عدد كبير- من السجناء بينهم أجانب
- الجيش الروسي يطلق 36 صاروخا و242 طائرة مسيّرة على أوكرانيا
- باريس سان جيرمان يتوج بكأس السوبر الفرنسية بعد فوزه على مرسي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - ميشيل الرائي - تأملات في المسرح: الفعل والمعنى كتدفق معرفي