أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - خلل التقسيم المنطقي في تصنيف الواقعية ملاحظة منهجية في البحث الأكاديمي














المزيد.....

خلل التقسيم المنطقي في تصنيف الواقعية ملاحظة منهجية في البحث الأكاديمي


ميشيل الرائي

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 14:20
المحور: الادب والفن
    


دائما ما أؤكد على أن المنطق ليس مادة تكميلية في البحث العلمي بل هو شرط تأسيسي لأي بناء معرفي رصين ومن خلال متابعتي لما يكتب من قبل بعض حملة الشهادات العليا في أكاديميات الفنون الجميلة تتكرر ممارسات منهجية تستوقف الباحث الجاد لكونها تمس جوهر التفكير العلمي لا شكله الخارجي من أبرز هذه الإشكالات ما يتعلق بسوء استخدام التقسيم المفاهيمي وتحديدا الإخلال بشرط التباين بين الأقسام وهو شرط أساسي من شروط القسمة المنطقية ففي إحدى الحالات المتداولة ينقل الباحث تقسيم عبد الرزاق الأصفر في كتابه المذاهب الأدبية حيث قسّمت الواقعية إلى واقعية أم وواقعية طبيعية وواقعية اشتراكية وهو تقسيم في أصله تصنيفي وصفي يهدف إلى عرض اتجاهات تاريخية وفكرية داخل الواقعية لا إلى إقامة علاقة أصل وفرع من الناحية المنطقية الصارمة
غير أن الباحث يتجاوز هذا السياق ليقرر أن الواقعية الأصلية هي الأصل وما عداها تفريعات عنها وهنا يبرز السؤال المنهجي الحاسم هل يجيز المنطق مثل هذا التحويل
إذا عدنا إلى القسمة المنطقية فإن أول شروطها هو التباين أي أن تكون الأقسام مختلفة في معيار التقسيم وغير متداخلة ولا يصدق أحدها على الآخر في الوقت نفسه فالأقسام المنطقية لا تبنى على التسلسل التاريخي ولا على التقدم الزمني بل على معيار واحد ثابت
وعندما نقول إن الواقعية الطبيعية والواقعية الاشتراكية تفريع عن الواقعية الأم فإننا نخلط بين الأصل التاريخي والتقسيم المنطقي وهو خلط غير جائز منهجيا لأن الواقعية الطبيعية والاشتراكية ليستا حالات جزئية داخل الواقعية الأم بل اتجاهات مكتملة لها محدداتها الفلسفية والجمالية الخاصة وقد تشترك مع الواقعية الأم في بعض السمات لكنها لا تندرج تحتها منطقيا بوصفها فروعا
ولتوضيح الخلل يمكن الاستعانة بالمثال المنطقي المعروف تقسيم الحيوان إلى ذو رئتين وذو خياشيم تقسيم صحيح لأن الأقسام متباينة أما تقسيم الحيوان ذي العمود الفقري إلى له رئتان وله ثدي فهو تقسيم باطل لأن هناك تداخلا إذ إن الثدييات تمتلك رئتين بالفعل
وبالمنطق ذاته فإن جعل الواقعية الطبيعية أو الاشتراكية تفريعا عن الواقعية الأم يوقعنا في تداخل مفهومي لأن هذه الاتجاهات تشترك في الخصائص الواقعية العامة لكنها تختلف في الأسس الفلسفية والمرجعيات الإيديولوجية وليس في الدرجة أو الرتبة المنطقية
إن تمرير مثل هذه الإشكالات لا يعد خطأ بسيطا في الصياغة بل هو خلل في البنية الاستدلالية للبحث ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الباحث وحده بل تمتد إلى الأساتذة المشرفين واللجان العلمية الذين يفترض أن يتحققوا من سلامة الأدوات المنهجية قبل الإقرار بمنح شهادة ماجستير أو دكتوراه
فالشهادة العلمية ليست توثيقا للجهد فحسب بل هي ضمانة لجودة التفكير ولا يمكن أن تمنح في ظل تصنيفات تفتقد إلى الحد الأدنى من الانضباط المنطقي
إن استخدام التصنيفات النقدية والأدبية يقتضي وعيا بالفارق بين العرض التاريخي والتقسيم المنطقي والتفريع المفهومي وأي خلط بين هذه المستويات يفرغ البحث من قيمته العلمية مهما بدا غنيا بالمراجع أو المصطلحات فالمنطق في النهاية ليس ترفا أكاديميا بل ميزان البحث العلمي ومن دونه تتحول الدراسات العليا إلى تراكم لغوي بلا أساس معرفي متين
إن توصيف الخطأ المنهجي بوصفه خطأ شائعا ومن ثم اعتباره مسامحا فيه يكشف عن خلط إبستمولوجي بين التداول والاستدلال فالشيوع في المنطق العلمي لا ينتج معيارا للحقيقة بل قد يكون علامة على ترسخ انحراف تأويلي داخل النسق المعرفي ذاته العلوم الآلية وفي مقدمتها المنطق لا تعمل وفق اقتصاد الأعراف بل وفق بنى ضبط صورية تحدد شروط الصحة قبل نتائجها وعليه فإن تعليق المساءلة بحجة الانتشار يحول المنهج إلى ممارسة وصفية فاقدة لصرامتها ويستبدل البرهان بالتواطؤ التداولي
من منظور سيميائي لا يقاس صدق العلامة بانتشارها بل بتماسكها داخل نظام القواعد الذي يمكن من تأويلها تأويلا مضبوطا إن المسامحة هنا ليست قيمة معرفية بل إجراء بلاغي يقنن الخطأ عبر تحويله إلى عرف والبحث الأكاديمي إذا سمح بهذا التحويل يخاطر بأن يستبدل قابلية التفنيد بقابلية التداول فتغدو المعرفة رأيا معاد إنتاجه لا بنية قابلة للاختبار إن النقد المنهجي وفق هذا التصور لا يلغي الخطأ ولا يعتذر عنه بل يعيد إدراجه داخل شبكة شروطه الصارمة حيث لا مكان لتبرير خارج القاعدة
يمكن النظر إلى تبرير الخطأ بوصفه شائعا بوصفه عرضا لخلط أعمق بين التعليم بوصفه نقلا للمعرفة والتعليم بوصفه إنتاجا لشروطها فحين يُقدَّم المنطق كمجموعة صيغ محفوظة لا كبنية استدلالية يصبح الخطأ نتيجة طبيعية لطريقة التلقين لا استثناء فيها وفي هذه الحالة لا يكون الخطأ مسامحا فيه بل متوقعا ومؤشرا على خلل في تصور العلم نفسه
كما أن هذا النوع من التسويغ يكشف عن انتقال خفي من مبدأ الضبط إلى مبدأ الملاءمة أي من سؤال هل هو صحيح إلى سؤال هل هو مستخدم وهذا الانتقال لا يُعد تبسيطا تعليميا بل تفريغا للمعرفة من بعدها النقدي لأن العلم لا يُقاس بقدرته على التكيف مع الضعف بل بقدرته على مقاومته عبر التوضيح والتقويم
وفي السياق الأكاديمي تتحول عبارة خطأ شائع إلى آلية دفاع مؤسسية تُستخدم لوقف السؤال لا لفتحه فهي لا تفسر الخطأ بل تُغلق إمكان مساءلته وتمنحه استقرارا زائفا داخل المقررات والبحوث ومع الزمن لا يعود الخطأ بحاجة إلى تبرير لأنه يتحول إلى جزء من اللغة المتداولة نفسها
هنا بالضبط تظهر الحاجة إلى وعي نقدي يميز بين التيسير المنهجي والتنازل المعرفي لأن الأول يهدف إلى كشف البنية وتبسيط مساراتها أما الثاني فيفضي إلى إلغاء البنية ذاتها وتالياً إلى فقدان المعنى الذي من دونه لا يبقى من البحث العلمي سوى شكله الخارجي دون جوهره



#ميشيل_الرائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عُنْفُ اللُّغَةِ / ضِدَّ اِمْتِلاَكِ المَعْنَى
- الهوية المسرحية
- إيما
- الجنرال الميت في المصحّ
- الانتحار كفعل مسرحي وفلسفي
- أرشفة الغامض
- ما قبل الفراغ المسرحي
- ما قبل الفراغ المسرحي / سيرة الفراغ المسرحي
- صيغ التغير واللايقين المعرفي في الظواهر الاجتماعية والفردية
- هوامش فلسفية II
- برج بابل
- الفضاء الأبيض (المسرح الداخلي)
- عن هوامش الرحلة
- عن زيارتي الأخيرة إلى جزر القمر
- القراءة بوصفها تحريضًا فلسفيًا – I
- ملحوظات أولية حول المسرح
- كولاج
- بريخت بين الاستهلاك الأكاديمي وسوء الفهم المعرفي
- تمارين في ميتافيزيقا الشعر
- في خطأ التقسيم وأوهام التصنيف في الخطاب المسرحي


المزيد.....




- -تحرش وفصل تعسفي-.. عازف يقاضي ويل سميث وشركة تدير أعماله
- -بي تي إس- تعلن رسميا موعد ألبومها الجديد بعد 4 سنوات من الغ ...
- اعتقال -سينمائي- للرئيس وترامب يؤكد أن بلاده تولت إدارة الأم ...
- المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقو ...
- -الأقنعة- للسعودي محمد البلوي.. الحرية ليست نهاية سعيدة
- تطورات الحالة الصحية للفنان محيي إسماعيل عقب تعرضه لجلطة وغي ...
- جميل عازر... من صانع الهوية إلى إرثٍ لا يُنسى
- المعايير العلمية في لغة الخطاب الإعلامي) في اتحاد الأدباء... ...
- -?ي?ا لا ?يتا-.. بسام كوسا بطل مسرحية جديدة في موسم الرياض
- -متحف لا يُنهب-.. قصة إعادة بناء الذاكرة السودانية في العالم ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميشيل الرائي - خلل التقسيم المنطقي في تصنيف الواقعية ملاحظة منهجية في البحث الأكاديمي