أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة














المزيد.....

جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 00:06
المحور: قضايا ثقافية
    


كان العام 1948 عامًا جيليًا مفصليًا؛ وُلد على تخوم الصمت الذي أعقب هدير مدافع الحرب العالمية الثانية في أوروبا، وفي اللحظة ذاتها التي اشتعلت فيها الحرب في الشرق الأوسط ثم انطفأت سريعًا، تاركةً خلفها شعبًا عظيمًا مشرّدًا في الخيام، وذاكرةً مثقلة بالاقتلاع.

ومن على حواف تلك التحولات، تشكّل ما عُرف لاحقًا بـ جيل الطفرة السكانية (Baby Boomers)،جيل البناء وإعادة الإعمار، وتأسيس الدول الحديثة، وترسيخ التعليم النظامي، وصعود الدولة الوطنية في فضاء ما بعد الاستقلال.

كان ذلك جيل الاقتصاد الكلاسيكي بأشكاله المتعددة، حيث لعبت الدولة دورًا مركزيًا في التنظيم والتوجيه، حتى في بلادنا الملكية آنذاك، حين كانت مفاهيم السيادة، والتنمية، والتحديث، والطبقة الوسطى، والمدنية، وصراع الثقافات، تُصاغ للمرة الأولى بلغة المؤسسات، لا بلغة الوقائع العابرة.

جيلنا—مواليد 1948—كان جيلًا يخرج من ظلال الحرب إلى ضوء الأمل. لم نكن نملك الكثير، لكننا كنّا نملك فضاءً واسعًا للانتماء.
اللعب لم يكن عزلة، بل اندماجًا في الجماعة. ولم تكن الطفولة مرحلة محمية بالكامل، بل مشاركة مبكرة في صلابة الواقع.

أجمل ألعاب روضتي كانت ذلك الحوض المليء بالرمل العراقي “الكريستالي” الحر، نبني منه شخصياتٍ وعوالمَ صغيرة. كان اللعب علاقةً مع الآخرين قبل أن يكون تفاعلًا مع شيء.
فحدود اللعبة تُعلّم حدود الذات،
والجسد شريكٌ أساسي في اللعب،
والخيال يولد من النقص، لا من الكمال الصناعي.

لم يكن اللعب تدريبًا على عالم السوق، بل تربية للإنسان.
كان يُشكّل الوجدان والعقل والخيال، ويغرس القيم الإنسانية الأساسية التي تسبق أي وظيفة أو مهنة أو دور اقتصادي. فالمنافسة في بناء نماذج الرمل كانت لعبًا يُنمّي الحرية، والتعاون، والقدرة على الخطأ والتجريب، وبناء المعنى، واكتشاف الذات والآخر.

إنه فضاء يتكوّن فيه الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا وأخلاقيًا وتربويًا، لا مجرد عامل إنتاجٍ مستقبلي.

كانت عيون الست علية، معلمتنا الإنسانية الراقية، تُوجّه مسابقات اللعب في حوض الرمل، لا بوصفه لعبة صفرية، بل تدريبًا على الفوز المشترك. كأنها كانت تقول لنا بصمت:
لا تختزلوا اللعب بوظيفة نفعية، ولا تزجّوا طفولتكم في معركة مبكرة تسبق الإبداع، تتطلّع إلى الكفاءة والاستهلاك والعقل الفردي على حساب الجماعي.
اللعب تدريب إنساني، لا تمرين على قوى العرض والطلب.

لم يكن اللعب تمرينًا على الفوز وحده، بل درسًا في المشاركة:
من يخطئ لا يُقصى،
ومن يفوز لا يحتكر،
ومن يسقط ينهض.

كانت اللعبة تدريبًا مبكرًا على الحياة:
تُعلّم الجسد الصبر،
وتُدرّب الروح على قبول الخسارة،
وتُنمّي حسّ العدالة بلا قواعد مكتوبة.

لم تكن هناك نقاط تُسجَّل، ولا ساعات تُحسب. الزمن كان مفتوحًا، وينتهي فقط حين يُنادى بانتهاء دوام الروضة.

لعبتي كانت كرةً من قماش ملفوف، أو علبة صفيح تُدحرج على تراب الزقاق، أو حصانًا خشبيًا بسيطًا، أو سيارة من سلك وخشب لا تشبه الحقيقة إلا بقدر ما يسمح به الخيال.
لم تكن اللعبة كاملة الصنع، لكنها كانت كاملة المعنى.

اللعب آنذاك كان جماعيًا بالفطرة.
الزقاق ملعب، والشارع مدرسة، والأطفال شركاء لا متفرجين.
كانت الألعاب المصنعة نادرة، تعود إلى العصر الميكانيكي، وكرات اللعب قبل العصر البلاستيكي يغلب عليها القطن والقماش، لكن متعة اللعب الجماعي كانت هي السائدة.

بعد أكثر من سبعة وسبعين عامًا، وأنا أراقب تعاقب الأجيال، وأتأمل أحفادي التسعة، أجد أن معظمهم قد دخل ما يُسمّى بـ جيل بيتا (2026–2040).

وحين أتأمل لعب الأطفال اليوم—الشاشات، العوالم الافتراضية، الألعاب الذكية—لا أراها مجرد تطور تقني، بل تحولًا في معنى الطفولة.
اللعبة صارت فردية، مبرمجة، دقيقة الإيقاع، غنية بالصور، وأحيانًا فقيرة بالتجربة الجسدية.
الطفل يلعب جالسًا، ونحن كنا نلعب ونحن نركض، نسقط، ننهض، ونعود بملابس متربة وذاكرة عامرة.

ومع ذلك، لا يحمل هذا التأمل حنينًا معاديًا للحاضر، بل مقارنة هادئة بين زمنين.
فلكل جيل لعبته التي تشبهه:
جيلنا لعبته تصنع الإنسان،
والأجيال اللاحقة لعبتها تصنع المهارة والمعرفة.

وسيظهر ما يمكن تسميته بـ “الصديق الاصطناعي”:
كيان ذكي يرافق الطفل، يلعب معه، يتعلم منه، ويحاوره.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير: من يربّي من؟

في المقابل، تبرز ألعاب الإبداع لا الاستهلاك؛
ألعاب بلا سيناريو جاهز،
حيث يصمم الطفل عوالمه، شخصياته، وقوانينه.
الطفل هنا منتِج للّعبة لا مستهلك لها.

كما ستنشأ ألعاب بلا نهاية؛
لا مراحل تُغلق، بل مسارات تتشعّب،
واللعبة لا تنتهي، بل تتحوّل.

لكن المخاطر تبقى حاضرة:
• ذوبان الحدود بين اللعب والواقع،
• التعلّق العاطفي بالصديق الاصطناعي،
• إضعاف اللعب الجسدي الجماعي، ما لم تُحمَ الطفولة بقوانين واضحة لحمايتها رقميًا.

ختامًا، تبقى لعبتنا الأولى—المتواضعة، الترابية، الجماعية—هي التي غرست فينا الإحساس بالحدود، وبالآخر، وبقيمة الجهد.
كانت لعبة بلا خوارزمية، لكنها صنعت بوصلة داخلية لا تزال تعمل.

وحين نتحدث عن تعاقب الأجيال، لا نعدّد السنوات فقط، بل نقرأ كيف لعبنا… فصرنا ما نحن عليه.
فبين لعب الأزقة الترابية وألعاب الذكاء الاصطناعي، يبقى جوهر اللعب واحدًا:
أن يتعلّم الإنسان كيف يكون إنسانًا… وهو يضحك.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سرق كلبنا؟!
- سلوك الشراء عند 39 درجة تحت الصفر
- الجيران في زمن التحوّل الرقمي
- تماثيل الثلج: حين تتكسّر رتابة الحياة وجمودها
- شقاء الطبقة الوسطى: حكاية أمّ وابنتيها حين خانتهنّ الحياة
- جين أوستن: حياة قصيرة… وعاطفة طويلة لا تنطفئ (في الذكرى الـ2 ...
- بين الدفع النقدي والدفع الرقمي: امتحان الكرامة خارج الوطن
- علم اقتصاد المعنى…بين القلم والممحاة
- زلزال في اليابان… أم رسالة انتظار خُطّت بالدموع
- أنثروبولوجيا الديمقراطية في العراق
- إفطار في نيويورك وصداه في بغداد
- السعر وصراخ الحرية : زوربا من جديد
- ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين
- ثلاثية تتناسل في معارك الشرق: التواطؤ… السلطة… التبرير
- عاصفة عيد ميلادي: الخريف الضائع
- الطبيب حميد تاج الدين رجالٌ عظامٌ من بلادي
- خطاب الصمت في الفضاء الرقمي السائل
- منظر دجلة بين طفولتي وكهولتي: الخوف والخجل
- علم النفس التربوي يوم تعثّرت أيديولوجياته في ذاكرة طفولتي
- رغيف الخبز: الأم والوطن والطفولة (من ذاكرة الجمر والقمح)


المزيد.....




- ترامب لـCNN: -الجميع سعداء للغاية- بإطار الاتفاق بشأن غرينلا ...
- السخرية من ماكرون وأهم 3 كلمات عن غرينلاند.. خطاب ترامب في د ...
- سوريا.. رد رسمي بعد دعوات التكبير بالمساجد عند تحرير مناطق ش ...
- ماذا نعرف عن -مجلس السلام- الذي سيعلنه ترامب رسميا اليوم في ...
- زيارة مرتقبة لرئيسة فنزويلا بالوكالة إلى واشنطن هي الأولى لم ...
- أرملة شاه إيران: -لا عودة إلى الوراء- والمواطنون سينتصرون في ...
- أمين عام الناتو: لم أناقش مع ترامب -السيادة على غرينلاند-
- منظمة دولية: السودان يسجل أطول فترة إغلاق للمدارس في العالم ...
- ترامب: لن نسمح لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا
- تمويل الناتو وملكية غرينلاند وانتخابات 2020.. ما حقيقة أقوال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - جيل بيتا (2026 فصاعدًا): الطفل الشريك للآلة