أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مقامة حانة الأقدار














المزيد.....

مقامة حانة الأقدار


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8566 - 2025 / 12 / 24 - 03:50
المحور: الادب والفن
    


هذه المقامة مستوحاة من الأفق الرمزي والوجداني لقصيدة «حانة الأقدار» للشاعر طاهر أبو فاشا، التي شدت بها أم كلثوم في دور رابعة العدوية، غانية الألحان وسيدة المقامات الروحية، حيث يتحوّل الخمر إلى معنى، والسُّكر إلى كشف، والحانة إلى مجاز كوني تتقاطع فيه الإرادة والقدر، والعشق والاختبار. وما يأتي ليس شرحًا ولا اقتباسًا، بل محاورة فلسفية مع النص، تُعاد صياغتها في قالب مقامة همذانية، تُنطق بلسان عيسى بن هشام.

قال عيسى بن هشام — وقد طوّح به السؤال، ودوّخه الاحتمال، واستبدّ به المقال —:
دخلتُ حانةَ الأقدار دخولَ من أُدخل، لا اختيارَ له في الوِراد، ولا اعتراضَ له على المُراد،
فإذا هي دارٌ بلا جدار، وسقفٌ بلا قرار،
يُشرب فيها الصحوُ سُكرًا،
ويُسكَر فيها السُّكر فِكرًا،
ويُباع اليقينُ بالشكّ،
ويُشترى الشكُّ باليقين.
فلمحتُ أربعةً قد التفّوا حول مائدةٍ مستديرة،
كأنها فلكٌ يدور،
أو عقلٌ يحتار،
لكلٍّ منهم كأس،
ولكلٍّ منهم قناع،
فدنوتُ، والدهشةُ دليل، والريبةُ رسول.
فقال الأول — وكان العقل في زيه، والاضطرابُ في عينيه —:
اشرب، فإن الفكرة إذا لم تُسكر، لم تُثمر،
وإن العقل إذا لم يضلّ قليلًا، لم يهتدِ كثيرًا.
قلت: أفي العقل سُكر؟
قال: نعم،
سُكرُ الحساب إذا أعياه الحساب،
وسُكرُ البرهان إذا خانَه البيان،
أنا عقلٌ إذا صحوتُ تردّدت،
وإذا سكرتُ تجرّأت،
فاخترتُ الغلط الجريء،
على الصواب الجبان.
وقال الثاني — وكان الإرادة متوشّحةً بالعزم، مفضوحةً بالتردّد —:
لا تُصغِ إليه، فالعقل عبدُ السؤال،
وأنا سيّدةُ الفعل والاحتمال.
أشربُ لأقوى، وأقوى لأختار،
لكنّي كلّما اخترتُ،
اكتشفتُ أن الاختيار كان مختارًا قبلي!
قلت: أفأنتِ حرّة؟
قالت:
حرّةٌ في الوهم،
مقيّدةٌ في الرسم،
أسيرُ حيث أظنّ أنني أسير،
وأقف حيث أزعم أنني أُخيّر.
وقال الثالث — وكان القدر جالسًا في صمتٍ مهيب، لا يشرب ولا يرفض —:
دعوهما، فقد أكثرا اللغط وقلّ الفهم،
أنا الذي إذا سقيتُهم ظنّوا أني أغويت،
وإذا منعتُهم زعموا أني ظلمت.
لا أُخاصم، ولا أُجامل،
أمضي… فيُسمّى مضيي حكمًا،
وأصمت… فيُسمّى صمتي جبرًا.
قلت: أأنت خصمنا؟
قال:
أنا مرآتكم،
إن كنتم عدولًا كنتُ عدلًا،
وإن كنتم ميّالين كنتُ ميلًا،
تلعنونني إذا خذلكم الفهم،
وتسبّحونني إذا وافقكم السهم.
ثم قام الرابع — وكان العشق، لا كأس له ولا فم، بل نارٌ تكلّم — فقال:
كفّوا، فقد أكثرتم البيان وأضعتم المعنى،
أنا لا أُشرب،
بل أُحرِق،
ولا أُفهم،
بل أُعاش.
من ذاقني احترق،
ومن احترق عرف،
ومن عرف سكت.
قلت: أأنت الخلاص؟
قال:
أنا الفتنة،
فإن نجوتَ بي كنتَ وليًّا،
وإن غرقتَ فيّ صرتَ شقيًّا،
لا أهبُ أحدًا السلامة،
ولا أقبل القسمة.
فعلا اللغط،
واشتدّ السجع،
وتقابل اللفظ باللفظ،
والنار بالنور،
والسكر بالصحو،
حتى خُيّل إليّ أن الحانة منبر،
وأن المنبر محكمة،
وأن الحكم مؤجَّل إلى ما بعد الفهم.
فقمتُ — وأنا عيسى بن هشام —
وقد ثقل لساني، وخفّ يقيني،
وعلمتُ أن العقل حائر،
وأن الإرادة متأرجحة،
وأن القدر غالب،
وأن العشق قاهر.
وأن من دخل حانة الأقدار بعقله وحده ضلّ،
وبإرادته وحدها تاه،
وبخصومته للقدر شقي،
وبالعشق وحده…
إمّا أن يفنى،
وإمّا أن يُبعث.
فانصرفتُ،
وأذني ما تزال تسمع،
وقلبي ما يزال يسكر،
وعقلي ما يزال يسأل:
أكان الشراب خمرًا؟
أم كان نحنُ الخمر؟



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمة المثلى والأخلاق المفقودة
- رحاة الضياء
- حين تنعكس الشمس على ملامحها
- المقامة الهمذانية في الزمنِ المهزوم
- **الزمن بوصفه قدرًا: قراءة في مأساة الوعي والاغتراب في «أهل ...
- «حين يتحرّك السكون»
- النيجر: قلب الصحراء الذي يمشي بين ضوءين
- – ليبيا: الأرض التي تمتدّ من زرقة المتوسط إلى قلب الصحراء ال ...
- مالي: المملكة التي مشت فوق الذهب، ونامت على ضفاف النيجر، وظل ...
- موريتانيا: بلاد البيضان والمحيط والرمل الذي يتكلّم
- الجزائر: أنغام الماضي، إبداعات الحاضر، ونكهات الحياة
- الجزائر: الطبيعة الصامتة، الصحراء الذهبية، وواحات الحياة
- الجزائر: أنفاس الإبداع وروح الجمال
- الجزائر: وجه البحر، ذاكرة الجبال، وأنفاس المدن التي لا تنام
- – الجزائر: القلب العميق للصحراء الكبرى
- الطلاق كدرس… الرحلة نحو الوعي والحكمة
- بعد الانفصال… أثر الطلاق على قلب الإنسان ومستقبله
- العائلة والمجتمع بين الانفصال والوحدة
- الأطفال بين شظايا الحب
- حين يتحول الحب إلى صمت


المزيد.....




- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - مقامة حانة الأقدار