محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8547 - 2025 / 12 / 5 - 02:49
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
بين الصمت والغضب، هناك أعين صغيرة تراقب كل شيء.
أطفال لم يطلبوا شيئًا سوى دفء وابتسامة صادقة، يجدون أنفسهم فجأة وسط بركان، حيث الكلمات القاسية تتساقط كرماد على أحلامهم الصغيرة.
في هذا العالم، يتعلم الطفل منذ الصغر أن الحب ليس دائمًا ملاذًا آمنًا. يتعلم أن الغضب قد يكون أقوى من العطف، وأن الصمت أحيانًا أخطر من الصراخ. تمتلئ الأجساد الصغيرة بحركة، بينما تبقى الأرواح معلقة، تبحث عن الأمان الذي لم يعد موجودًا.
دراسات علمية عديدة توضح أثر الصراع الزوجي على الأطفال. وفق أبحاث جون بولبي في نظرية التعلق، الأطفال الذين ينشأون في بيئة متوترة ومليئة بالخلافات المستمرة يكتسبون شعورًا متأصلًا بعدم الأمان، مما يؤثر على قدرتهم لاحقًا على بناء علاقات صحية وثقة بالآخرين.
كما تشير دراسات علم النفس التطوري والاجتماعي إلى أن الأطفال من أسر مفككة يظهرون مستويات أعلى من القلق، الانسحاب الاجتماعي، وحتى الأداء الأكاديمي المتأثر، مقارنة بأقرانهم في أسر مستقرة.
لكن التأثير لا يقتصر على العلم فقط؛ هناك حكمة فلسفية في كل حالة طلاق. سيمون دي بوفوار كانت ترى أن الفردية المطلقة دون مراعاة الآخر تؤدي إلى تمزق الروابط الإنسانية، وأن الحرية بلا مسؤولية قد تكون قاسية على الأكثر ضعفًا.
من هذا المنظور، الأطفال ليسوا مجرد ضحايا حظ، بل مرآة لحسابات الحرية والالتزام التي فشل البالغون في موازنتها.
والدين يوجه القلب نحو الرحمة والحماية.
القرآن الكريم يحث الوالدين على الرحمة والرعاية:
"وَقُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" (التحريم: 6)
فالبيت الذي تتحول فيه العلاقة الزوجية إلى صراع مستمر يصبح مصدر خطر للأطفال، ويخالف روح هذه التعاليم، التي تؤكد على حماية الأبرياء من نار الغضب والخلاف.
الصور الرمزية تتراكم:
• طفل يجلس على أريكته الصغيرة، يحاول أن يسمع صوت والديه قبل أن يغلق أبواب غرفته.
• طفلة تمسك بدميتها، كأنها تحاول أن تمسك بشظايا قلبها الذي انقسم نصفين.
• شقيقان يتبادلان النظرات بصمت، كأنهما يقولان لبعضهما: "لم نطلب هذا الحرب".
ومع ذلك، هناك فرصة للتعلم والنمو. يمكن للوعي أن يحمي الأطفال، يمكن للحوار أن يخفف الألم، ويمكن للإدراك العميق بأن الطلاق ليس الحل الأمثل أن يغير مجرى الأمور قبل فوات الأوان.
هنا يظهر دور الاستثارات العاطفية: كل نظرة، كل كلمة، كل محاولة لتقريب المسافات بين الزوجين يمكن أن تكون حصنًا يحمي النفوس الصغيرة، ويمنع تحويل الحب إلى بركان يحرق أحلامهم.
إذا كنت أبًا أو أمًا، تذكر أن أعين الأطفال تراقب كل حركة. كل خلاف يُرى، كل غضب يُسمع، كل صمت يُشعر به. الطلاق ليس حلًّا سحريًا؛ إنه نهاية لعالم صغير من الأمان، وقد يكون بداية لجروح لا تلتئم بسهولة.
حافظ على الحوار، على الحنان، على الاهتمام الصادق، قبل أن يتحول الصمت بينكما إلى صراخ داخلي يترك أثرًا لا يُمحى في أرواح من تحب أكثر من نفسك.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟