|
|
تحت قبة الشقلقليعة
علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 8511 - 2025 / 10 / 30 - 01:31
المحور:
الادب والفن
تفحّص بريده الإلكتروني، فوجد بين الرسائل الواردة رسالةً تخبره بأنّ زميلاً له في الجامعة سيحتفل بعيد ميلاده السبعين، وما زال على رأس عمله في اختصاص التحكم والقياسات. وعلم من الرسالة أن الزملاء يجمعون مبلغًا من المال لشراء الهدية التي يرغب بها الرجل السبعيني أولريش، وهي: المبيت لليلتين في برميل نبيذ! كانت أمنية البروفيسور هذه مفاجأةً حقيقية له. فقد ظنّ في البداية أن الأمر رمزيّ، وربما يعني أنّ الرجل يرغب في احتساء النبيذ على مدار يومين. لكنّه اكتشف — بعد أن بحث في الإنترنت — أنّ الأمنية لا علاقة لها بالشرب، بل تتعلق بالنوم فعلاً داخل غرفة صُمّمت على هيئة برميل نبيذ، وتبلغ تكلفة الليلة الواحدة نحو مئتي يورو، بحسب الموقع ونوعية الخدمة. تمتم وهو جالس خلف مكتبه: "ولله في خلقه شؤون!" ثم شبك يديه خلف رأسه وحدّق في السقف متفكّرًا: لو كان مكان أولريش، فبماذا كان سيحلم هو؟ ما الهدية التي قد يختارها لنفسه؟ لم يطل به التفكير حتى وجد الجواب. ابتسم وهمس لنفسه: "المبيت لليلتين تحت قبة الشقلقليعة."
**
"الشقلقليعة" كلمة محكية في اللهجة العامية، يُراد بها الإشارة إلى ضريح الوليّ الصالح الشيخ حسن قليعة الحكيم، الواقع في قرية كفرية التابعة لمدينة اللاذقية. تحكي الرواية الشعبية أن الشيخ قليعة قُتل مظلومًا قبل مئات السنين، وأن قاتله أُصيب بالحمّى، فرأى الشيخ في منامه منذرًا إياه، واعدًا إيّاه بالمغفرة إن هو أقرّ بفعلته أمام الناس، وبنى قُبّةً على قمة الجبل المنعزل حيث ألقى بجثمانه بعد قتله. واشترط عليه الشيخ أن تكون القبة على ارتفاعٍ يساوي عمق اللحد، وأن يُزيَّن الضريح بالأغطية الملونة المحبّبة إلى قلب النبيّ محمد ﷺ، وأن يُشيَّد بجوارها مجلس للفقراء والزائرين — ملاذًا لطالبي الخير والشفاء والرزق، والباحثين عن الأمان والمعرفة والخلاص. يقول أهل القرية: إذا لم يأتِ الأولياء الصالحون إلى جبال الفقراء وقراهم، فإنّ الفقراء يأتون، برفقة جبالهم وقراهم، إلى قمم الأولياء ومقاماتهم ليكونوا أقرب إلى الله. فالأولياء هم حرّاس أبواب السماء، وسعاة بريد الفقراء إلى الله. كما قال الإمام أبو الحسن (عليه السلام): "من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي موالينا، يُكتب له ثواب زيارتنا."
**
في هذا المكان الصغير، كان له — في مرحلة الطفولة — ذكرياتٌ وصورٌ ومشاهدُ كثيرة، يعجز قلمه اليوم عن استحضارها كما يشتهي. كانت حياته في الماضي أشبه بعطلةٍ سعيدةٍ ملبَّدةٍ بالفقر الدائم، ولم يبقَ له منها إلا مثلُ هذه الذكريات، يداوي بها جراح الأحلام السيئة التي عاشها في المستقبل.
**
كان الفقر حاضرًا دائمًا في حياة كثيرٍ من السوريين الشرفاء؛ أولئك الذين لم تمنحهم الحكومة فرصة السرقة، أو لعلّ الفرصة سنحت لهم لكنهم لم يجرؤوا على استثمارها خوفًا من عقوبةٍ أو فضيحة. لم يمرّ عقدٌ من الزمن إلا وكان الفقر مخيّمًا على قرى البلاد وجبالها. إنه هناك، متجذّرٌ ومتأصّلٌ منذ عشرات السنين، ولولا ذلك لما تشكّلت الأحزاب، ولما بُنيت الجوامع والسجون على حساب المدارس، ولما تأسست فروع التلصّص والتجسّس والمخابرات بهذه الكثافة، ولما خُنقت الحريات العامة وتبهدلت حياة الناس. وإذا ما مرّ عقدٌ آخر انخفض فيه منسوب الفقر مؤقتًا، بفعل تطوراتٍ اقتصادية عالميةٍ انعكست جزئيًا على الشعوب الفقيرة، ثم تلاه عقدٌ جديدٌ عاد فيه مستوى المعيشة إلى الحضيض، فهذا لا يعني أنّ الفقر غاب يومًا، بل إنه تغيّر شكلاً لا جوهرًا. من كان في الماضي قادرًا على اقتناء دراجةٍ هوائية؟ من استطاع شراء بوط رياضة من ماركةٍ معروفة؟ من امتلك رفاهية اقتناء آلةٍ موسيقية، أو الانتساب إلى نادٍ فنيّ؟ من كان يقدر على شراء حقيبةٍ مدرسية جميلة، أو حتى علبة سردين يأكلها بمفرده؟ التساؤلات ذاتها ما زالت صالحة اليوم، وإنْ تغيّرت معايير الفقر بتغيّر الزمن والتطوّر التقني والعلمي في العالم. لكنّ الفقر، مهما تبدّلت وجوهه، يبقى فقرًا ملوّنًا بالسواد، يجب محاربته.
**
وكان في قريته عددٌ من الصيّادين الحاذقين. وذات يومٍ خريفي، وبينما كان أحدهم يقف على رصيف الشارع عند شجرات السروّ الموزَّعة على طريق القرية، يحمل بندقيته محاولًا إصابة أهدافٍ يرميها له أحد الجيران باتجاه الغيوم، مرَّ فوق بيوت القرية سِربُ بطٍّ بحريٍّ يحلّق عاليًا. توقّف الصيّاد عن اللعب، وراح يطلق نيران بندقيته نحو الوفد الزائر للقرية. هطلت السماء بطًّا بحريًّا أخذ كلبه الوفيّ يجمعه واحدًا تلو الآخر. وحين تمكَّن بعض البط من النجاة، هدأت ضجة النيران، وتجمّع الأطفال حول غنائم لحم الطيور. من أحد البيوت القريبة صدح صوتُ الشيخ إمام المصريّ يغنّي: "هتقولّي الفقرا ومشاكلهم، دي مسائل عايزة التفانين، أنا رأيي نحلّها ربّاني... ونموّت كل الجعانين!" كانت أيادي الأطفال تمتدّ نحو الطيور المُدمّاة بخجلٍ واشتهاء، وفي الوقت نفسه، امتدّت يد الصيّاد إلى غلّة محصوله، يناولهم بعضًا منها. وفي القرية، كانت هناك عائلة فقيرة كثيرةُ العدد، هاجرت من قريةٍ بعيدة، وكان أحدُ أولادها حاضرًا لحظةَ توزيع الغنائم. ناولَه الصيّاد بطّتين وقال له: "اذهب إلى أمّك واسألها إن كان مسموحًا لكم بأكل هذا النوع من البط الغريب الذي لا يُنتف ريشُه بل يُسلخ الجلد عنه. وإذا وافقت، عُد إليّ لأعطيك واحدةً إضافية... أو أكثر." قبض الولد على حصّته بأصابعه القويّة وهرع إلى البيت يسأل أمّه. وحين فهمت الأمّ فحوى السؤال، قالت له: "ارجع بسرعة إلى الصيّاد، اشكره، وأخبره أنّ أمّك لا تقرف أبدًا من لحم هذا البط." لكن حين عاد الولد إلى الجوقة، كان الصيّاد قد فرغ لتوّه من توزيع غلّته.
**
رغم هذا الفقر، كانت كل أسرة مُدانة — سرًّا أو علنًا — بأداء نذر، كبير أو صغير، لأحد المزارات المنتشرة بالمئات في أماكن هادئة ومدهشة على قمم الجبال والهضاب.
**
يتبع
#علي_دريوسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تعليمات الشركة
-
في مخبز دريهر
-
ماذا لو كنت أنا السبب؟
-
مزار فاطمة الألماني
-
خارج المتاهة
-
طقطقة أطباق
-
الخراء اللذيذ
-
الجمل
-
الحزام الأسود في الهندسة
-
رجال الدين والفيدرالية
-
الشحادة الفيسبوكية
-
بين الكبرياء والتحدي
-
حنين الروح
-
بين لغتين
-
حين خانني الصمت
-
شريط ذكريات مفقود
-
الإبداع والكفاح
-
التوازن
-
الرجل الذي أخضع الكبرياء
-
حديقة التفاهم
المزيد.....
-
حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
-
ياسين طه حافظ
-
بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج
...
-
هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا
...
-
رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
-
انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول
...
-
تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل
...
-
-العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
-
نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح
...
-
المثقف العربي بين حصار النظرية وميادين الفعل الغائبة
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|