أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إياد الطائي.. حين يترجّل المسرح عن صهوته














المزيد.....

إياد الطائي.. حين يترجّل المسرح عن صهوته


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8484 - 2025 / 10 / 3 - 11:43
المحور: قضايا ثقافية
    


كأن العراق حين ينعي فنانًا، ينعي جزءًا من صوته الداخلي، يشيّع قطعة من ذاكرته، ويودّع مرآة كانت تعكس وجعه وجماله في آن. رحل إياد الطائي، الممثل الذي لم يكن مجرد وجه على شاشة أو جسد فوق خشبة، بل كان روحًا تمشي متعبة بين شخصياته، تنقل ملامح الناس، وتكسّر صمت الأزمنة بصوتها الجهوري وإيماءاتها الصادقة.إياد الطائي، المولود في بغداد في العشرين من تشرين الثاني عام 1965، لم يكن فنانًا عابرًا في سجل المسرح والتلفزيون العراقي، بل كان واحدًا من أولئك الذين علّمونا أن الفن ليس مهنة، بل قَدَرٌ يتجذّر في الروح. بدأ أولى خطواته من المسرح المدرسي، ذلك المعبر الطفولي الذي يأخذ الحلم من الطفولة إلى الرجولة، ومن اللعب إلى الجدية، حتى بلغ العام 1990، حيث صعد إلى الضوء عبر المهرجان الأول للشباب بدعوة من المخرج عماد محمد، وهناك توّج بجائزة أفضل ممثل، وكأن الجائزة لم تكن ورقة تكريم بقدر ما كانت عهدًا بينه وبين الحياة: أن يسير في درب طويل لا يتوقف عند محطة واحدة.سنواته التي أعقبت ذلك لم تكن مجرد محطات مهنية، بل كانت سيرًا على جمر المسرح، وارتشافًا من مرارة الحياة اليومية للعراقيين، ليصوغ منها حكايات على الشاشات، من "وكر الذيب" حيث كان "الشيخ سلام" رجلًا لا ينهزم، إلى أدواره التاريخية في "الإمام الشافعي" و"الحسين ثائراً وشهيداً"، إلى أعماله الاجتماعية التي عكست ملامح المجتمع ووجعه. لم يكن ممثلًا فقط، بل كان مؤرخًا عاطفيًا، يسجّل بدموع شخصياته وابتساماتها ذاكرة شعب بكامله.لكن القدر، الذي يعشق أن يختبر أكثر القلوب إشراقًا، قرر أن يبتليه بمرض لم يمهله طويلًا. منذ مطلع أيار 2025 بدأت رحلة العذاب الصامت، حين خانته الكليتان، وتغلغل الورم في الكبد، ليترك بغداد ويتجه إلى الهند طلبًا للعلاج. هناك لم يكن الممثل يواجه مرضًا عضالًا فحسب، بل كان يواجه فكرة الرحيل نفسها. أيُعقل أن يترجّل من على الخشبة فجأة؟ أن يسدل الستارة على مشهد لم يكتمل بعد؟..الدولة تكفّلت بعلاجه، وزملاؤه أحاطوه بالدعوات والوفاء، لكنه كان يسير في طريق لا عودة منه. جسده ينطفئ شيئًا فشيئًا، فيما روحه كانت تحترق بالشوق للعودة إلى المسرح، إلى جمهوره، إلى الحياة التي لم تشبع منه بعد. وفي صباح الجمعة، أغمض عينيه على آخر فصل، تاركًا للعراق جرحًا مفتوحًا، وذاكرة ممتلئة حتى التخمة بما قدّمه من فنّ.إن الحديث عن إياد الطائي ليس حديثًا عن إنسان رحل فحسب، بل عن مدرسة كاملة في الصدق الفني. لقد عاش من أجل أن يكون الفن مرآةً للحياة، ومات وهو يحمل في قلبه همّ الوطن والإنسان. وما أكثر ما يشبه العراقُ أبناءه الذين يشبهونه في المحنة والصبر، في الشموخ والانكسار.رحم الله إياد الطائي، الممثل الذي لم يخن نفسه يومًا، ولم يتصالح مع الرداءة، بل ظل يسير على خيط رفيع بين الألم والإبداع، حتى صار موته نصًا آخر من نصوصه: نصًا كُتب بالدمع والوجع، وسيبقى في ذاكرة العراقيين ما بقيت بغداد تتنفس المسرح وتضيء الشاشات.إنه رحيل يوجع الروح، لكنه أيضًا ولادة أخرى، لأن الفنان الحقيقي لا يموت، بل يتحوّل إلى طيفٍ يسكن في ذاكرة وطنه، ويظل حاضرًا في كل كلمة، في كل مشهد، في كل لحظة نحتاج فيها إلى صوته لنذكّر أنفسنا أن الجمال قد ينهزم جسديًا، لكنه لا ينهزم روحيًا أبدًا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة-
- أساطيل الحديد وأشباح البحر
- أتعس الخونة من يبيعون الوطن باسم الوطنية
- العراق بين عقدة الماضي وامتحان المستقبل
- انحنى الحجر وظل النور قائماً
- -المذبوحون باسم الله-
- -الطرق التي تبكي تحت أقدام الغائبين-
- دواء الروح بين كأس الحكمة وأفعى المعرفة
- عامل السكراب
- عطر الكتب القديمة… حوار بين الغبار والخلود
- مكتبة الأسرار الكونية
- بغداد حين تعيد للعتمة صوتها.. مسرح الطيب على ضفاف دجلة
- البؤس العربي وفقدان الحياء: صرخة في وجه الرذيلة
- -بين دم الأرض وحديد السماء: تأملات في صراع القوى ومآل الإنسا ...
- نهداكِ… حين يغنّي البنفسج
- تراتيل الرماد فوق معبد اليورانيوم المكسور
- أشباح الموت في وطن الطوائف
- دول المذهب وعرش الدم
- كارثة الأشباح والعبيد في عراق الهدر
- ملحمة السيوف والنار… ذكرى الرد العراقي على العدوان الإيراني


المزيد.....




- ازدهرنا في أيام الحرب مع أوكرانيا وهذا أزعج التنين الورقي
- نتنياهو يتوعد بتوسيع الحرب في لبنان.. ومجلس الأمن يتحرك
- الأول له في تركيا.. كانيي ويست يحيي حفلا جماهيريًا بإسطنبول ...
- فيديو متداول بزعم ارتباطه بـ-هجوم إيراني على قواعد أمريكية-. ...
- -جيل كامل في خطر-.. اليونسكو تحذر من انهيار التعليم في كوبا ...
- جزيرة يونانية تقدم فرص إقامة مجانية.. بشرط رعاية القطط!
- سفينة -هونديوس- تستأنف رحلاتها بعد تفشي فيروس هانتا على متنه ...
- بعد آلاف الضحايا والدمار.. لماذا لا تزال حماس متمسكة بالاتفا ...
- شهيدان و24 مصابا بغارات إسرائيلية على معظم أنحاء غزة
- مسؤول أممي: نقص التمويل يهدد حياة 64 ألف لاجئ باليمن


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إياد الطائي.. حين يترجّل المسرح عن صهوته