أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة-














المزيد.....

-الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة-


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8483 - 2025 / 10 / 2 - 21:44
المحور: قضايا ثقافية
    


البيوت ليست مجرد حجارة وأسقف وأبواب، بل أرواحٌ متجسدة في الحجر والخشب. كل بيت مهجور يحمل أحلامًا لم تتحقق، خطوات لم تُخطَ، ضحكات لم تُسمع، أحاديث لم تُدار. حين تترك الأسرة منزلها قسراً، لا يتركون المكان فقط، بل يتركون معه المستقبل كله: الذكريات، الوجوه، الضحكات، وحتى الخيبات التي كانت لتصبح جزءًا من الحياة.البيت المهجور يظل يئن في صمت، لكنه يصرخ في كل زاوية مهجورة. الأرضية التي كان يركض عليها الأطفال تحمل آثار خطواتهم الماضية، الحائط الذي كتب عليه الحبّ كلمات لم تُقرأ بعد، النوافذ التي كانت تطل على الشارع القديم صارت عيونًا تبكي الغياب. كل شيء في هذا البيت يذكّر بأن الحياة توقفت فجأة، وأن الأحلام التي كانت تُبنى فيه لم تُستكمل.
المطر الذي يتساقط على سقف مهترئ، الريح التي تعبر النوافذ المكسورة، الشمس التي تتسلل بين شقوق الجدران، كلها تحاول إحياء ما تبقى من روح البيت. لكنها لا تستطيع أن تُعيد الحياة كاملة، فهي تقتصر على همسات، على لمحات، على ظلالٍ تتنقل بين الغرف. كل غرفة كانت شاهدة على لحظةٍ من العمر، كل زاوية كانت مخبأً لأملٍ صغير، وكل سلمٍ مهدم كان طريقًا إلى مستقبلٍ لم يحن بعد.النازحون الذين تركوا بيوتهم يحملون معهم هذه الأحلام الممزقة، ولكنهم لا يستطيعون الوصول إليها سوى في الذاكرة. كل مرة يعود فيها الإنسان في الحلم إلى بيته القديم، يرى ما كان يمكن أن يكون، يلمس ضحكات أولاده، يسمع همسات أهله، يشعر برائحة الخبز الطازج في الصباح. لكن عند الاستيقاظ، تتفتت الصورة، ويكتشف أنّ البيت المهجور قد صار أطلالًا، وأن الأحلام لم تعش بعد.
وهنا يكمن الألم الحقيقي: أن الحياة توقفت فجأة، وأن الزمن الذي كان يُبنى فيه المستقبل اختفى. البيت المهجور ليس مكانًا فقط، بل شهادة على ما فقد، على قصص لم تُروى، على أملٍ تأخر أو قُتل قبل أن يولد. كل حجر في هذا البيت، كل سقفٍ مهدوم، كل بابٍ مغلق، يحمل صدى الأحلام الضائعة، مثل جرحٍ مفتوح لا يندمل.والأشد وجعًا، أن هذه الأحلام لا تنتمي فقط إلى من رحل، بل إلى المكان نفسه. فالبيت كان يحلم، كما كان سكانه يحلمون. كان يخطط للحياة، ينتظر الضحكات، يتوقع الفرح، ويتهيأ لأيامٍ كاملة من الوجود. ومع الرحيل، توقفت هذه الأحلام أيضًا. صار البيت مهجورًا، لكن روحه ما زالت حاضرة، تعيش في شبح المستقبل الذي لم يأتِ بعد.المنافي، المخيمات، المدن الغريبة، كلها تكرر هذا المشهد: أحلامٌ لم تُعش، بيوتٌ لم تُكتمل، حياةٌ توقفت عند نقطةٍ محددة في الزمن. والمطر الذي يسقط على هذه البيوت يكتب عليها حكايات الضياع، الريح تعزف على أبوابها المهجورة أنشودة الفقد، والشمس تتسلل بين الشقوق لتعلن أن هناك حياةً كانت لتكون، لو لم يُجبر الناس على الرحيل.
الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة تعلمنا أن الحنين ليس مجرد شعور، بل هو تجربة وجودية. هو إدراك بأن الحياة كانت يمكن أن تكون مختلفة، وأن الألم الذي نحمله ليس فقط لفقدان الأشخاص، بل لفقدان الأماكن التي كانت ستحملنا إلى مستقبلٍ لم يكن متاحًا بعد.
وهكذا، كل بيت مهجور ليس مجرد أطلال، بل نص حيّ، موسيقى صامتة، لوحة مشقوقة، تحمل في داخلها أحلامًا ما زالت تنتظر من يستمع إليها، من يراها، من يتذكرها. الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة ليست فقط قصصًا عن الماضي، بل دعوة للانتباه إلى ما فقدنا، وإلى ما يمكن أن نحمله معنا في الداخل، حيث تبقى حية رغم الدمار والغياب.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أساطيل الحديد وأشباح البحر
- أتعس الخونة من يبيعون الوطن باسم الوطنية
- العراق بين عقدة الماضي وامتحان المستقبل
- انحنى الحجر وظل النور قائماً
- -المذبوحون باسم الله-
- -الطرق التي تبكي تحت أقدام الغائبين-
- دواء الروح بين كأس الحكمة وأفعى المعرفة
- عامل السكراب
- عطر الكتب القديمة… حوار بين الغبار والخلود
- مكتبة الأسرار الكونية
- بغداد حين تعيد للعتمة صوتها.. مسرح الطيب على ضفاف دجلة
- البؤس العربي وفقدان الحياء: صرخة في وجه الرذيلة
- -بين دم الأرض وحديد السماء: تأملات في صراع القوى ومآل الإنسا ...
- نهداكِ… حين يغنّي البنفسج
- تراتيل الرماد فوق معبد اليورانيوم المكسور
- أشباح الموت في وطن الطوائف
- دول المذهب وعرش الدم
- كارثة الأشباح والعبيد في عراق الهدر
- ملحمة السيوف والنار… ذكرى الرد العراقي على العدوان الإيراني
- -مهرجان بغداد السينمائي… احتفال بالصدى الفارغ-


المزيد.....




- كاراكاس تحت النار والظلام.. ترامب: تم القبض على مادورو وزوجت ...
- هل تشكل العملية الأمريكية في فنزويلا تهديدا مبطنا لكل من يسي ...
- ترامب يؤكد أن الولايات المتحدة لن تسمح لأحد بـ-استكمال مسار- ...
- قطر ترحب بجهود الحكومة اليمنية واستضافة الرياض لمؤتمر معالجة ...
- وزيرة العدل الأميركية: مادورو يواجه تهما تتعلق بالمخدرات وال ...
- -جيناتي ممتازة-.. هكذا أجاب ترامب على أسئلة صحيفة بشأن صحته ...
- ما أسباب تأخير تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب السوري؟
- مقتل 11 في حادث تصادم حافلة وشاحنة في جنوب البرازيل
- مراقبون: تمسك قيادة الجيش بالحل العسكري يفاقم مأساة السودان ...
- بعد غارة أمريكا التي هزت كاراكاس بفنزويلا.. ماذا سيحدث بعد ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -الأحلام التي لم تعشها البيوت المهجورة-