أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -المذبوحون باسم الله-














المزيد.....

-المذبوحون باسم الله-


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8481 - 2025 / 9 / 30 - 08:36
المحور: قضايا ثقافية
    


في سفح المدينة التي كانت ذات يومٍ تضيء بالأنهر والأسواق وصوت المآذن المطمئن، صار الليل يسقط منذ الفجر، والظلام يتكاثر في الأزقة كما يتكاثر العفن في أقبية مهجورة. المدينة لم تعد مدينة، بل جرح مفتوح يقطر دمًا، والسماء التي كانت تغطيها بغيومها الرقيقة صارت غطاءً أسود تحرسه عصابات باسم الله، لا تعرف للرحمة بابًا ولا للأخ حرمة ولا للابن حقًا في النجاة.هناك، بين زفرات الغربة التي تستوطن صدر العائد من المنفى، وبين وجع الأهل الذين صاروا غرباء في بيوتهم، تتساقط الأرواح مثل أوراق الخريف. لم يعد البيت مأمنًا، ولا الجار جارًا، كل شيء صار مراقبًا بعينين ملتحفتين بالسواد، ووراء كل كلمة ظلّ سكين مخبأة في جيب عمامة، عمامة تنطق بالشهادة وتخفي الذبح، تتحدث باسم الله وتقتل باسمه، بينما الله بريء من الدماء كبراءة الرضيع من خطيئة العالم.في الأزقة الضيقة، كان الناس يبيعون صمتهم بثمن البقاء، يدفنون وجوههم في جدران رطبة كي لا يلتقطهم صوت أو همسة، ويمشون منحنيين كأن الأرض نفسها تسحق ظهورهم. الليل يمتد طويلًا، حتى إذا أشرقت الشمس، كانت الأبواب تبقى مغلقة، والوجوه لا تجرؤ على النظر إلى الضوء. أما الأطفال، فلم يعودوا يلعبون إلا لعبة الموت: يتظاهرون أنهم يُساقون إلى الإعدام، فيضحكون بضحكة مقطوعة سرعان ما تنقلب إلى بكاء حقيقي حين يسمعون أصوات الطلقات القريبة.الراوي – وهو رجل تائه بين الغربة وذكريات الوطن – يقف على أطلال بيته المهدم، يبحث عن وجوه أهله الذين لم يبقَ منهم أحد. كل واحد قُطعت حياته بسكين مختلفة: الأب قُتل لأنه رفض الانحناء، والأخ اختفى بين السجون ولم يعد، والأم ماتت وهي تهمس بأسماء أولادها الغائبين. وحده بقي ليكتب، ليشهد، ليصرخ بما لم يجرؤ الآخرون على قوله.
في السفح، كان الليل أكثر كثافة، والمدينة تنحدر إلى هاوية لا قاع لها. وجوه العمائم تملأ الشاشات والمنابر، تتحدث عن الجنة بينما تسحب خلفها جثث الأبرياء إلى المقابر. كانوا يضحكون، والدم يسيل على شفاههم مثل نبيذ محرّم. لم يعودوا يخشون شيئًا، فقد تحولت القيم كلها إلى رماد، وصارت الأخوة والرحم والإنسانية مجرد كلمات ممنوعة من التداول.حين اقترب المساء الأخير، وقف الراوي على جسر نصف مهدوم، يتأمل المدينة التي لم تعد مدينته. كان يسمع أنينها في الريح، ورائحة موتها في النهر، ويرى أطفالها يبحثون في المزابل عن بقايا الخبز، بينما عمائم الظلام تجلس على عروش خشبية في قصور من الدم. هناك أدرك أن الغربة ليست في المنفى، بل في أن يعود المرء إلى بيته فلا يجد فيه بيتًا، وأن يبحث عن وطنه فلا يعثر إلا على جثة ملفوفة بكفن أسود.قال الراوي بصوتٍ مبحوح:
"يا مدينة الوجع، لم يبقَ لكِ من النور إلا دمعة، ولم يبقَ لي من الكلمات إلا هذا السطر الأخير: أنتم الذين تقتلون باسم الله، ستسقطون في هاوية لا خروج منها، وستبقى هذه الأرض، ولو بعد مئة عام من الخراب، شاهدةً على خيانتكم".
ثم أغلق دفتره، ومشى في الظلام، تاركًا خلفه مدينة معلّقة بين السماء والجحيم، مدينة تنهشها سكاكين العمامة، وتنتظر فجرًا لا يعرف أحد متى يولد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الطرق التي تبكي تحت أقدام الغائبين-
- دواء الروح بين كأس الحكمة وأفعى المعرفة
- عامل السكراب
- عطر الكتب القديمة… حوار بين الغبار والخلود
- مكتبة الأسرار الكونية
- بغداد حين تعيد للعتمة صوتها.. مسرح الطيب على ضفاف دجلة
- البؤس العربي وفقدان الحياء: صرخة في وجه الرذيلة
- -بين دم الأرض وحديد السماء: تأملات في صراع القوى ومآل الإنسا ...
- نهداكِ… حين يغنّي البنفسج
- تراتيل الرماد فوق معبد اليورانيوم المكسور
- أشباح الموت في وطن الطوائف
- دول المذهب وعرش الدم
- كارثة الأشباح والعبيد في عراق الهدر
- ملحمة السيوف والنار… ذكرى الرد العراقي على العدوان الإيراني
- -مهرجان بغداد السينمائي… احتفال بالصدى الفارغ-
- مأساة المبدع بين حياةٍ يُغتال فيها وموتٍ يُستثمر فيه
- موازنة 2025… لمن ذهبت؟ بجيب الفأر أم بجيب الجار
- رحيل داود الفرحان… حين يغادر القلم وتبقى الذاكرة
- العراق: عبث الوجود وفلسفة البقاء
- إلى المجهول… حيث تُساق إيران وحدها


المزيد.....




- المحكمة العليا ترفض قرار ترامب بإنهاء حق المواطنة بالولادة.. ...
- مجلس السلام بشأن غزة يعقد اجتماعاته في قبرص وسط تعثر وقف إطل ...
- روسيا تغلق عدة معابر حدودية مع فنلندا ولاتفيا وإستونيا
- سياسي بريطاني: المملكة المتحدة تشارك أوكرانيا في المواجهة مع ...
- طاقة وسلاسل إمداد وتقنيات متقدمة.. السعودية تبحث تعزيز الشرا ...
- لماذا تسعى ألمانيا لسيطرة أكبر على قطاع الصناعات العسكرية؟
- ألمانيا تتهم إيران وباكستان والمغرب بممارسة أنشطة تجسس داخل ...
- أرمينيا وإيران تطلقان أعمال بناء النفق الأكبر في طريق أغاراك ...
- مسؤول أمريكي يكشف كم مليار دولار أنفقت بلاده على عملياتها ال ...
- بعد بولندا.. نواب في جمهورية التشيك يطالبون بسحب وسام -الأسد ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - -المذبوحون باسم الله-