أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يعلو الصوت وتخفت الروح














المزيد.....

حين يعلو الصوت وتخفت الروح


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8446 - 2025 / 8 / 26 - 11:50
المحور: الادب والفن
    


في أعماق النفس الإنسانية، ثمّة معركة خفيّة تدور كل يوم: معركة بين الرغبة في أن نُسمَع وبين القدرة على أن نُفهَم. كثيرًا ما نرفع أصواتنا، لا لأننا نعشق الصراخ، بل لأننا شعرنا أنّ همساتنا لا تجد من يصغي إليها. وكثيرًا ما نتصرّف بخباثة، لا لأننا نميل للشر، بل لأن البراءة وحدها بدت عاجزة عن حمايتنا في عالمٍ يزدحم بالمخالب.
الفيلسوف نيتشه يقول: “من يصرخ هو من لم يُستمع إليه طويلاً.” وهذا الصراخ، في جوهره، ليس إلا إعلانًا يائسًا عن وجودنا. هو صوت الجرح حين لا يجد دواء، هو احتجاج الروح حين يلتفّ الصمت حولها كقيد.
أما الخباثة، فهي الوجه الآخر للصرخة: التفاف العقل حين تُغلق أمامه الطرق المستقيمة. ليست دائمًا شرًا خالصًا، بل شكل من أشكال البقاء. ماكيافيلي لم يُخفِ هذه الحقيقة حين قال: “من أراد النجاة في عالم لا يرحم، عليه أن يتعلّم كيف لا يكون حملاً دائمًا.” وهكذا، يتعلّم الإنسان أحيانًا أن يستعير من الذئب مكره، ليحمي قلبه من أن يُفتَرس.
لكن السؤال الفلسفي الأعمق:
هل نحن حقًا بحاجة إلى الصوت العالي والمكر كي نثبت وجودنا؟
أم أنّ الحاجة الحقيقية هي إلى إعادة تعريف القوة؟
سقراط علّمنا أن القوة ليست في الانتصار على الآخرين بل في الانتصار على الذات. حين نملك أنفسنا، نصبح أحرارًا، حتى لو كُبلت أيدينا. أما غاندي، فقد جعل من الصمت قوة حين قال: “في اللحظة التي نؤمن فيها بقدرتنا على تغيير العالم باللاعنف، نصبح أقوى من أي جيش.” فالقوة إذًا ليست في العنف اللفظي ولا في الخباثة، بل في الثبات الأخلاقي الذي لا ينكسر.
ألبير كامو يذهب أبعد من ذلك حين يصف عبثية هذا العالم. في نظره، الصراخ والخداع قد يكونان استجابة طبيعية لعبث الوجود، لكن الإنسان الحقّ هو الذي يحوّل العبث إلى فعلٍ إيجابي، إلى تمرّدٍ يثبت المعنى بدل أن يذوب فيه.
نحن إذن أمام خيارين:
• إمّا أن نترك الآخرين يحددون طريقة ردودنا، فنصرخ ونناور وفق ما يفرضونه علينا.
• وإمّا أن نعيد تعريف صوتنا، فنختار الحزم الهادئ بدل الصراخ، والحكمة العميقة بدل الخباثة.
إبكتيتوس، الفيلسوف الرواقي، لخّص هذا بقوله: “من يملك نفسه، يملك العالم.” إنّ السيطرة على انفعالاتنا ليست ضعفًا، بل ذروة القوة. حين نختار أن يكون صوتنا ثابتًا، واضحًا، هادئًا، نحن لا نقلّل من قوتنا، بل نضاعف أثرها.
إنّ الصوت العالي والخباثة قد يمنحاننا انتصارًا لحظيًا، لكنهما يسلباننا السلام الداخلي. أمّا الحزم الواثق، الهادئ، فهو الذي يمنحنا ما هو أبقى: كرامة لا تُباع، وأثرًا يتردّد حتى بعد أن نصمت.

خاتمة وجدانية
أحيانًا، يا صديقي القارئ، نحن لا نحتاج إلى أن نعلو أكثر، بل أن نهدأ أكثر. لا نحتاج أن نكون أذكى من الآخرين بخباثة، بل أن نكون أصدق مع أنفسنا بصدقٍ يوجع لكنه يحرر. الحياة قصيرة جدًا لنضيعها في الصراخ، ومليئة بما يكفي من الجراح لنزيد عليها مكرًا. فلنترك لصوت أرواحنا المجال، ذاك الصوت الهادئ العميق الذي لا يعلو لكنه يبقى، لا يخدع لكنه يوجّه، لا ينطفئ لكنه يضيء.
في النهاية، من يملك صوته الداخلي، يملك نجاته.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصلاة الغامضة
- عامر عودة وتجديد أفق القصة الفلسطينية: قراءة نقدية في «بداية ...
- دراسة تحليلية أكاديمية في كتاب -إبليس في التحليل النفسي- لسي ...
- أمي، هل تخبرينا عن الحياة في السماء؟
- دمعة وابتسامة… سرّ إنسانيتنا
- الأصدقاء… صدى الغياب
- الذاكرة العاطفية… حين يتذكّر القلب ما ينساه العقل بين فرويد ...
- مرايا الروح والجروح
- خيبات
- قراءة ادبية في نص الشاعرة رانية مرجية ألوان الروح القدس ، بق ...
- قراءة أدبية في قصة ” حين مات الإنسان … وأوفى الكلب : وصمة عا ...
- لا يموتون… بل ينبتون
- يا أبيضّ يا أسود
- هل يموتُ الموتُ يومًا؟
- ورقة بيضاء
- “غزة… أسطورة الشهداء التي لا تنطفئ”
- مقدمة لكتابي جدلية الروح والكلمة.
- شمس المعارف: بين وهج الروح وخطر السحر
- حين يختبئ الحلم خلف جناح عصفور
- سجاير


المزيد.....




- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يعلو الصوت وتخفت الروح