أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - حسام تيمور - اليهودي و الحمار السّامي ..















المزيد.....

اليهودي و الحمار السّامي ..


حسام تيمور

الحوار المتمدن-العدد: 7601 - 2023 / 5 / 4 - 15:02
المحور: كتابات ساخرة
    


بعد مرور عام و خريف على الربيع، يبدو الحمار السّامي مزهوا بالمطر، و بروح الثورة و الثورة المضادة، و بانتصارات حققها على كل أعدائه تقريبا هنا و هناك ..
صادف ذاك اليوم الماطر خروج صحفي ملكي أكثر من الملك، من السجن الذي دخله بسبب كتاباته التي كانت مدافعة عن النظام أكثر من اللزوم ربما، و كان الحمار السامي مزهوا كذلك بهذا، فالصحفي المشاغب لم يخرج الا بعد عقد صفقة الصمت الأبدي، او تجنب ذكر سيرة الحمار في مقالاته الماكرة جدا، و تلقى ثمن الصّمت.
انتصارات الحمار السّامي جعلته سرياليا للغاية، حيث شوهد يمتطي سيارة مرسيديس وردية اللون، و يرتدي "بردعة" ايطالية، عبارة عن معطف رمادي فاتح و قبعة مافيا، تماما كصغار رجال الاعمال المتحلقين حول كورليوني، او غلمان العراب.
غير بعيد ترجل عن سيارته، دون النظر يمينا ولا شمالا، و حيث كان هناك كائن غريب يجلس في مقهى فخم قرب الساحل يتأمل سرمدية الفراغ، قيل بأنه يهودي نافذ.
يمتطي الحمار السامي أحلامه الكبيرة، من كلاسيكيات الغلام الخادم، و معها مظلة لا يخجل من حملها في يده، كأي مومس امريكية ريفية في شوارع منهاتن، حصلت للتو على ثروة كبيرة من احدى اعمالها.
احلام الحمار ضيقة جدا، تماما كمساحة خروجه و هامش تجواله، و لا سبيل له لتحقيقها إلا درب القوادة و التخفي، و لعب تلك الادوار التي تحتفظ بها ذاكرته الكسولة من مسلسل هنا او فلم هناك، يشاهدها مع أمه في ايام العطل القصيرة !
...
تتقدم ثلاثة مومسات الى واجهة المقهى، الأولى تبدو مثقفة عميقة و نحيفة جدا، و جميلة، بينما الوسطى بدينة، و بليدة، يشتبه في كونها ابنة عامل او والي أو شخص باذخ الثراء، كان اليهودي على علم بتفاصيل الملابس رغم بساطة شكلها، و فهم بسرعة أن ذاك القميص العبثي العديم الشكل و اللون، و الذي يظهر تحته حزام سروال منكمش غير انيق، و لا متناسق، يساوي ثمنه أجرة استاذ، بينما الثالثة على اليمين، بدينة كذلك، لكن شكلها انيق و هندامها منتظم و قوامها فاتن، تظهر كقائدة لواء شرموطات، رغم ان كل ما ترتديه باحتساب الساعة و الهاتف لا يساوي ثمن فردة حذاء البدينة، و التي تبدو بمظهر خادمة تائهة، او تلك الكسولة التي يوقظها اهلها من النوم لالقاء التحية على ضيف عابر .
الجالس على حافة المقهى ميزوجين لعين، تأمل من القادمات المؤخرة فقط، مؤخرة بمؤخرة، و عقد مقارنات بنيوية سريعة، و هو يتظاهر بالتامل العميق لكتاب كان امامه، لا يعلم ما فيه غير عنوانه ! يفضل اليهودي عادة قراءة الاسعار على قائمة العرض، ما هو مكتوب على غطاء الطاولة، على الواجهات، تلك الاشياء التافهة، و أحيانا يتأمل هندسة الارضية، او يحادث نملة على الأرض، او قطة تستقصده دون غيره طبعا، و يستفز بذلك وجود الآخرين !
مر الحمار السامي، دون ان يتعرف عليه أحد، حتى نادل المقهى أنكر شكله، و مظهره المثير للانتباه، الكل مشغول بالتفكير في المطر، و بطريقة للعودة الى الديار دون بلل، حتى الجالس لم يتعرف عليه، او تعرف عليه، و تظاهر بالعكس.
اليهودي كائن ذكي اجتماعيا، و الحمار السامي لا يجيد الا غباء القوادة، و هنا ذهب عرض الحمار السامي في رشفة فنجان أخيرة، قبل انصراف اليهودي الى حال سبيله، مشيا تحت المطر، و قبل أن يأتي النادل بابتسامته الكلبية يطلب من اليهودي ولاعة للجميلات، و قبل ان يحدث ذلك المشهد الأزلي للتعارف العبثي داخل مقهى، حيث كان الحمار يملّي النفس بالتفاتة شكر و تقدير على تلك البضاعة او "الوناسة"، قبل أن ينصرف في حال سبيله على أمل عقد صفقة مّا.
...
مرت سنوات .. و سنوات .. نفس اليهودي النافذ يطل من نافذة فندق غير بعيد، ممسكا سيجارته، و يتأمل المارة، او هكذا يتظاهر، حتى لمح نفس السحنة لنفس الشخص، يمضي بسيارة "تويوتا"، و على وجهه و"قرفادته" آثار صفع عنيف جدا، و كان يتمتم بأشياء لا يمكن لأحد سماعها او فهمها، كان ذلك ما يمكن تسميته "حديث المِقْوَدْ"، و هو الأسوء بكثير من أحاديث الوسادة، التي ادمن التلصص عليها عن طريق نخبة من بائعات الهوى، بنات نخبة من المسؤولين من باعة الحشيش و المخدرات الصلبة و الولاء كذلك.
انزعج اليهودي كثيرا و حزن، لأن مرور الحمار كان جافا هذه المرة، اشبه بعقاب أليم له على ذنب اقترفه، و لم يلحظ في المكان الا متسولا يرتدي اسمالا مشكوكا في مصدرها، و سيدة نظافة تجر عربة ازبال كبيرة مملوءة عن آخرها، هي من انتاج الفندق الذي يقطنه.
هو يحب رؤية تلك المؤخرات، و الاجساد "المِتكلفة"، و هو مهووس بذلك، كهوسه باحتقار الطبقات المسحوقة و البروليتاريا، و الشعوب عامّة. هكذا فهم الحمار في البداية، و كذلك، و بوصفه الحمار القويّ، أي الغبيّ، فقد أفهمه صديقه "المخ" في احدى الادارات العليا للانتليجينسيا، أن هذا النوع يعاني من اعاقات و عاهات نفسية بليغة، حيث يمقت الرعاع و يحتقرهم باعراضه عنهم، لكنه يعشق تلك الاجساد المخملية، و يحتقرها كذلك بعدم ابداء رغبة في مخالطتها .."هو معذب في الأرض كما اغلب اليهود"، يضيف العقل الذي فقد عقله بعد أن بدأ بعض المارة يرددون بالضبط ما يدور في رأسه من أفكار، فكان مصيره الاحالة على تقاعد ما ورائي، بدون شهرية تستفيد منها أمه التي ماتت وفق تاريخ سبق ان حدده اليهودي موعدا لمضاجعة نادلة مقهى معروف دون ان يفعل ذلك طبعا !
...
أخيرا، تحول الحمار السامي الى سجين في مكان لا يعرفه هو نفسه، و بدات نوبات "السريسرة"/الاسهال، تجتاحه تماما كما حدث مع ضحيته بالأمس، الصحفي الذي خرج في ذاك اليوم الماطر، و كانت اولى مقالاته بعنوان "السريسرة" .. تحكي عن أيامه الأولى داخل السجن، و اول قهوة بالحليب يشربها هناك، و التي كان عليه رميها في بالوعة الحمام.
اليوم أصيب الحمار بنوع متقدم من الجنون، يفوق حالة "العقل"، ضحية اليهودي الأولى، فهو يفكر في الانتحار، لكنه خائف من اختيار لحظة غير مناسبة، أي ركوب الرحلة الخطأ نحو ذاك العدم ؟!
كذلك، لم يعد يثق في قهوته الصباحية، و يفضل كوب ماء من الصنبور، يغسله جيدا قبل الشرب، كما يفعل أي شخص مريض بهلاوس الاغتيال، من خلفية اليسار او المعارضة،
يفعل هذا كل يوم و كل صباح و يتذكر اليهودي اللعين، الذي كان يشرب السمّ و يبتسم، او هكذا شُبه للحمار السامي، الغبي البليد الى الأبد، و زاد حمقه بعد ان سمع عن متلازمات و أمراض مزمنة اصابت مجمع الآلهة نفسه، و عجز عن تشخيصها او علاجها الطب الامريكي و الصيني معا،

بينما مازال اليهودي مبتسما، يتأمل تلك المؤخرات التي لا تأتي ..



#حسام_تيمور (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنة حلوة يا جميل
- المنشار و البرميل، أو البرميل و المنشار
- من فوضى الى زوال ..
- المغرب بين ثلاث تجارب حكومية
- حملة التضامن مع الحركة الاجتماعية الفرنسية
- أولى مآلات و متاهات التطبيع
- مواقف و تقاطعات
- الدولة اليهودية و أزمة الوجود او قرب النهاية
- تاملات كوخافي في حضرة النجمة الخماسية
- بدايات
- -وزارة الثقافة و مصادرة كتاب -مذكرات مثلية- من معرض الكتاب ا ...
- كلام حول لاءات و مآلات جماعة -العدل و الاحسان-
- نظمات الحرب الحديثة و الحرب النووية / محددات الصراع النووي ب ...
- بين موسكو و تل ابيب ..
- نقاط اساسية في فهم التحولات الطارئة، من الشرق الاوسط الى شما ...
- مواقف و قضايا
- حول الموقف الاسباني الجديد من نزاع الصحراء
- حلف الناتو و محاذير النذالة
- نهاية الاسبوع، بداية الاسبوع
- منطق و مآلات الصراع بين روسيا و منظومة حلف الناتو


المزيد.....




- خبراء: مقابر غزة الجماعية ترجمة لحرب إبادة وسياسة رسمية إسرا ...
- نقابة المهن التمثيلية المصرية تمنع الإعلام من تغطية عزاء الر ...
- مصر.. فنان روسي يطلب تعويضا ضخما من شركة بيبسي بسبب سرقة لوح ...
- حفل موسيقى لأوركسترا الشباب الروسية
- بريطانيا تعيد إلى غانا مؤقتا كنوزا أثرية منهوبة أثناء الاستع ...
- -جائزة محمود كحيل- في دورتها التاسعة لفائزين من 4 دول عربية ...
- تقفي أثر الملوك والغزاة.. حياة المستشرقة والجاسوسة الإنجليزي ...
- في فيلم -الحرب الأهلية-.. مقتل الرئيس الأميركي وانفصال تكساس ...
- العربية والتعريب.. مرونة واعيّة واستقلالية راسخة!
- أمريكي يفوز بنصف مليون دولار في اليانصيب بفضل نجم سينمائي يش ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - حسام تيمور - اليهودي و الحمار السّامي ..