خلدون النبواني - فيلسوف ومفكر - في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: هل لعبت الفلسفة دوراً ما في الربيع العربي؟ الفلسفة من تأويل العالم إلى تغييره.


خلدون النبواني
الحوار المتمدن - العدد: 3999 - 2013 / 2 / 10 - 17:40
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا -98- سيكون مع الأستاذ د. خلدون النبواني - فيلسوف ومفكر - حول: هل لعبت الفلسفة دوراً ما في الربيع العربي؟ الفلسفة من تأويل العالم إلى تغييره.
 


ماذا يمكن للفلسفة أن تُقدِّم للسياسة؟

ماذا يمكن للفلسفة أن تُقدِّم لعالمها أو لعصرها؟ وإذا كان الجواب: لا شيء، فإن السؤال يُصبح عندها: ما الفائدة من الفلسفة إذن؟ كما كان الحال عليه دائماً في تاريخ الفلسفة، وحدهم كبار الفلاسفة هم من يُقدِّمون أجوبة مختلفة على نفس السؤال. هكذا فقد أجاب هيغل مثلاً على مسألة دور الفلسفة في مؤلفه الشهير "مبادئ فلسفة الحق" بما يلي: " إن بومة منيرفا لا تفرد جناحيها إلا بعد أن يرخي الليل سدوله". بهذه النظرة يصور هيغل الفلسفة بوصفها تأتي لاحقة على الحدث، بل وبعد فوات الأوان وهو يؤكد ذلك باستطراده أن الفلسفة لا تظهر " إلا بعد أن يُكمل الواقع سيرورة تعيُّنه". الآن لو قبلنا بما طرحه هيغل من لاحقية الفلسفة على الواقع فإن السؤال يظل مطروحاً: إذا كان الحال كذلك فماذا يمكن للفلسفة أن تُقدِّم لعصرها وعالمها الذين تأتي متأخرة عنهما بخطوة؟ يجيب هيغل على هذا السؤال بقوله إن الفلسفة بوصفها "فكرة العالَم" لا تستطيع أن تقدِّم أكثر من وصفٍ وفهمٍ وتأويلٍ للعصر الذي وجدت فيه.
لن تروق فكرة هيغل هذه عن دور الفلسفة كثيراً لماركس الذي لم يكن مقتنعاً بأن هذا الدور يقتصر على محاولة فهم العالَم فلقد كان ماركس يريد للفلسفة أن تضطلع بدورٍ أكثر عملية. لقد كان في الواقع مؤمناً بأن على الفلسفة أن تساهم في تغيير العالم أيضاً لا الاقتصار على فهمه. في أطروحته الحادية عشرة حول فيورباخ يوضح ماركس فكرته هذه بالقول: "لقد قصر الفلاسفة دورهم على تفسير العالم بطرق عدّة، بينما المهم هو تغييره".
في حين تلحق الفلسفة بالواقع وفقاً لهيغل وتلتزم بتغيير عالمها وزمانها الحاضر وفقاً لماركس، فإنها تأتي دائماً في غير أوانها بالنسبة إلى هيدغر. في كتابه "مدخل إلى الميتافيزيقا" يؤكد هيدغر على أن "أي تساؤل جوهريّ للفلسفة يكون بالضرورة في غير أوانه. وهذا إما لأن الفلسفة تجد نفسها مُلقاة أمام حاضرها الخاص، وإما لأنها تربط هذا الحاضر مع ما برح كائناً في البداية وفي الأصل."
بالإضافة إلى هذه الوظائف الثلاث للفلسفة: نظرية (هيغل)، وعمليّة (ماركس)، وتبشيريّة صوفيّة (هيدغر)، فإنه يمكن لنا أن نستشهد أيضاً بوظيفة أو بالأحرى بلا وظيفة الفلسفة التي يقدمها لنا الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتجنشتاين. إن الفلسفة وفقاً لهذا الفيلسوف تظل بلا حول ولا قوة إزاء عالمها وزمنها. من هنا فهو يُصرّح في كتابه "بحوث فلسفية" : " إن الفلسفة ببساطة تضع كل شيء أمامنا وهي لا تُفسِّر ولا تستنتج شيئاً؛ وبما أن كل شيء ملقىً أمام ناظرينا، فليس هناك شيء ليُفسِّر". ولأن فتجنشتاين يؤمن أن الفلسفة "تترك كل شيء على حاله"، فإنه ينصحنا بالقول: " لا تفكروا، ولكن انظروا".


الربيع العربي وأطياف ماركس...|

قبل الربيع العربي ومنذُ سقوط جدار برلين أُصيب اليسار بالعموم والفكر الماركسي بالخصوص بحالة تفكك وضياع للبوصلة فراح يعيد بناء نفسه من جديد، ليس بوصفه يساراً ماركسياً بالضرورة وإنما راح يعمل على إعادة ترتيب أفكاره مع متغيرات العالم التي صارت تشهد تحوّلاً مُتسارعاً لا يستجيب لتنبوءات الماركسية دائماً. لم يكن هذا التحول برأيي الشخصي سلبياً، بل هو ماركسيّ أصيل بأحد وجوهه وذلك بإعادة قياس الفكر على الواقع الجديد. لا شك أن بعض توجهات الماركسية ما بعد ماركس قد سبقت في نقدها له عملية تفكك الاتحاد السوفييتي بزمن طويل بل وكانت معادية للماركسية الستالينية أو الماركسية الأرثوذوكسية. لقد قامت بتلك المراجعة، على سبيل المثال لا الحصر، مدرسة فرانكفورت وقبلها فعل جورج لوكاتش "في التاريخ والوعي الطبقي" وكارل كورش في "الماركسية والفلسفة" وسارتر الذي شهدت علاقته مع الفكر الماركسي تقارباً وتنافراً غزلاً ونقداً ثم لوي ألتوسير في قراءته التجديدية لرأس المال. على عكس رأي صادق جلال العظم في كتابه "دفاعاً عن المادية والتاريخ" الذي انتقد فيه هذه الحركات والتوجهات لابتعادها عن فلسفة ماركس، فإنني أجد فيها غنىً وثراءً وفهماً لحركة التاريخ وكسراً لقداسة أي فكر يمكن أن يتحول إلى دين دوغمائي وتغدو كتبه نصوصاً مُقدّسةً لا تُناقش ويمسي مفكريه أنبياءً أو ربما آلهةً معصومة عن الخطأ.
أياً يكُن فقد تراجعت ومنذ الحرب الباردة الكثير من الأفكار الماركسية كفكرة الثورة إلى التي رُكنت على رفوف التاريخ وصارت كما لو أنها من مفردات زمنٍ مضى ولن يعود فالتاريخ قد انتهى كما أدلج لذلك فوكوياما مثلاً وصارت توجهات الفلسفة العملية تُركز أكثر على مفاهيم السياسة في مرحلة العولمة وفلسفة القانون ومفاهيم الديمقراطية التي لم تكن مطروحة فعلاً في الفكر الماركسي عموماً.
في العالم العربي كان الوضع أكثر تراجيدية فاليسار صار مع سقوط المنظومة الاشتراكية بمجمله يميناً وهامش التفكير في ظل أنظمة الاستبداد جعلته يؤمن بأن فكرة تغيير الأنظمة عبر الثورات ما هو إلا مُعجزةٌ إلهية وزمن المعجزات قد انتهى. مع حالة الانكسار السياسي وغياب أي مشروعٍ قومي عربي والإحساس اللإنسان العربي بالمهانة والذل لم يبقَ أمامه سوى القاع الديني الشعبي وفعلاً كما قال ماركس ازدهرت السماء عندما ابتأست الأرض. وقد صار (ما وصفته في أحد كتاباتي بتلميح لماركس) شبحاً للسلفية الدينية يهيمن على العالم العربي وبعد أن كان سباق التسلُّح هو السائد في فترة الحرب الباردة صار (ما وصفته في نص آخر) سباق التديُّن هو المهيمن وبخاصة في عالمنا العربي اليائس آنئذ.

ولكن فجأةً حدثت المُعجزة، ولكن ليست الإلهية وإنما الشعبية عندما قامت ثورة الياسمين في تونس لتفتح الباب على مصراعيه أمام المُضهدِين والمهمَشين والمسحوقين والمُهيمن على مُقدراتهم والمسلوبين نتاج عملهم على يد عائلات مافيويةعسكرية تدير البلاد العربية كما لو كانت مزارع لها. مع الربيع العربي تُطلُ مفردات ماركس من جديد كما لو أن هذا الربيع قد أعاد الروح فيها وإليها. ليس ماركس القرن التاسع عشر من يعود وإنما أطيافه أو أشباحه (لو استعرنا مفردات دريدا) لتسكُن الخطاب الفلسفيّ. ليس شبح ماركس العائد إلى الخطاب الفكري العربي بشكل مقصود أو غير مقصود واعٍ أو لا واعٍ هو شبح الأب بمفهومه الفرويدي أي الأب المقتول، ولكن الذي يستمر بفرض قوانينه عبر إحساس أبنائه بالذنب نتيجة قتله وإنما شبح ماركس بالمعنى الذي أعطاه شكسبير لهاملت الأب الذي تعود أشباحه متفلتة من الزمن لتُذكِّر هاملت الابن بضرورة الانتقام لقتله. إن المعنى الرمزي الذي أقصده هُنا هو قتل الشعب الأب في السياسة الديمقراطية: مصدر السُّلطات والتشريع. انتقام هاملت الابن لأبيه مِن قاتِله ما هو إلا شبح الشعب المقتول العائد ليقتص من الطغاة الذين تآمروا عليه وقتلوه في حالة الربيع العربي. مع الثورات العربي نُدرك من جديد أنه ليس هناك فكر يُمكن أن يُعبِّر عن الشعوب المقهورة بقدر ما تستطيعه مفردات ماركس والماركسية. ولكن لننتبه فالعودة إلى ماركس يجب أن تكون كالثورة انتقالية ومرحلية وجسر نعبر عليه لا أن نستوطن فيه. أطياف ماركس العائدة هي أطياف عودة الروح للفكر الفلسفي العربي ليس بصيغته الماركسية فقط وإنما استعادة الثقة بقدرة الفلسفة على تغيير العالم وقدرتنا كعرب على الثورة وعلى الفلسفة أيضاً من هنا دفاعي عن لقب فيلسوف وعدم الخوف منه.
الفلسفة العملية، كالفلسفة الماركسية مثلاً، لا تحتزل برأيي الفلسفة وإنما هي القدم الأُخرى للفلسفة التيي تسير برجلين اثنتين: عملية ونظرية وهي إن تخلّت عن أحداهما لعاشت عرجاء أو عاجزة. وعليه، لم يكن هيغل مُحقاً تماماً بقصره دور الفلسفة على فهم العالم، ولم يكن ماركساً على صواب كُلياً عندما وافق على فكرة نهاية الفلسفة مع هيغل وطالب بدورها فقط في تغيير العالم.


دور الفلسفة التراكمي:

ولكن لننتبه أنه حتى ولو أرادت الفلسفة تغيير عالمها فإنها لا تحققه بشكل ثوري وإنما تراكمي. الثورة بوصفها مكوِّن من مكونات ثقافة أية أُمة بل وبوصفها، رُغم خصوصيتها، مكوّن عالمي كالرياضيات مثلاً لا تقتصر على شعب دون غيره فهي تُساهم مع الزمن في التمهيد للتغيير وتمكين المجتمع بشكلٍ أو بآخر من أدوات الفكر النقديّ. فلو أخذنا مثلاً الشعارات التي سمعناها في الشوارع التي قامت بها الثورات العربية من أُناس "عاديين" أو اللافتات التي رفعوها أو حتى آراء الناس "البُسطاء" الذين لم يحترفوا الثقافة لوجدنا أنهم يتحدثون بمفرداتٍ عملت الفلسفة على تأسيسها عبر الزمن وبطرُق مختلفة. فمثلاً شعارات الحرية والديمقراطية والدولة المدنية والمساواة وسيادة الشعب والدستور والانتخاب وسيادة الدولة والشرعية والبرلمان وانفصال السلطات والتداول السلمي للسُلطة والأمم المتحدة والثورة الخ الخ تُرفع كلافتات في الشوارع ويتكلم بها الناس غير المختصين بالفلسفة ولكن هذه المفردات الفلسفية الأصل التي صارت بوصلة ومعياراً وموجهاً في الربيع العربي هي نتاج فلسفي أصيل نطق بها الفلاسفة وحلموا بتحقيقها يوماً في مدُن فاضلة صارت واقعية بحدود المُمكن في هذا البلد أو ذاك وفي تلك الحضارة أو ذلك الزمن.
إنها أشباح الفلاسفة التي تسكن لا وعينا منذ ديمقراطية الأغريق وصولاً إلينا. إنها ليست فقط أشباح ماركس ـ وإن كان شبحه هو الأكثر حضوراً في التنظير الفلسفي للربيع العربي ـ وإنما أشباح مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وكانط، ونيتشه، وماركس، وفوكو، وهابرماس ودريدا. وهي كذلك أطياف ابن رشد، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، وفرح انطون، ومحمد عبده، وطه حسين، وشكيب أرسلان، وعبد الله العروي، وصادق العظم، وطيب تيزيني، ونوال السعداوي، وفاطمة المرنيسي ورجاء بن سلامة وعزمي بشارة الخ من هذه القائمة.
كل هؤلاء كانت أشباحهم تطوف الشوارع الخارجة على الطغيان وكانت تُشارك في كتابات اللافتات وصوغ التوجهات وإدارة الحوارات...

كلمة أخيرة. كلامي هذا يرى بلا شك بعين واحدة، ولكنني أردتُ أن أشير إل الدور الخفي، ولكن الأساسي للفلسفة في الربيع العربي. العين التي لم أتحدث هنا عمّا تراه فهي تلك العين التى ترى أشباح الماضي السلفيّ وقد اكتست لحماً ودماً واكتسحت الشارع...
يظل السؤال هل سيكسب من جديد الغزالي السلفي معركته ضد ابن رشد العقلاني؟ ربما في الجولات الأولى فقط فربيعنا سيزهر مع الزمن وعندها لن تعود الفلسفة مرذولة في ثقافتنا فبدونها ليس للسفينة من شراع...