أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .














المزيد.....

مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


كتبت الروائية الفرنسية لوسي فور : (( أخطر أنواع الخداع هو ذلك الذي نمارسه على أنفسنا لكي ننسجم مع أوهام الآخرين , لأننا حينها نفقد جوهرنا الحقيقي )) , تُسلّط هذه المقولة الضوء على أزمة الهوية والانفصال عن الذات , حيث يضطر الإنسان أحياناً لتغيير ملامحه الداخلية إرضاءً للآخرين , ان أبعاد هذه الفكرة هو التكيف الزائف في محاولة إرضاء المحيطين على حساب القناعات الشخصية , وضياع الهوية عند فقدان الإنسان لمعالم شخصيته الحقيقية وفرادة روحه , والوهم والحقيقة بالعيش في ظل توقعات مزيفة بعيدة عن الواقع .

تلمس المقولة جوهر الأزمة الأخلاقية والفكرية التي عاشها العراق ما بعد عام 2003 , إذ إن (( الخداع الذاتي للانسجام مع أوهام الآخرين )) لم يكن مجرد حالة فردية , بل تحول إلى سلوك جمعي , وكانت خسارته الأكبر تتمثل في استقالة النخب الفكرية والمثقفين عن دورهم الحقيقي , والانجراف وراء (( أوهام الآخرين )) أو الوهم المترجم , فبعد سقوط النظام الوطني دَخَل العراق مرحلة عارمة من الأوهام المستوردة والمحلية , وهم الديمقراطية الجاهزة و التكيف السريع مع الشعارات الخارجيّة دون بناء أرضية مؤسساتية وثقافية تحمي المجتمع من التفتت , ومن ثم وهم التمترس الطائفي والحرية الزائفة بالتماهي مع أوهام القوى السياسية الجديدة التي قسمت المجتمع إلى مكونات مغلقة , واعتبرت الهويات الفرعية بديلًا عن الهوية الوطنية.

بدلاً من أن يلعب المثقف دور (( الناقد المستقل )) والمفكك للأوهام , وقع قطاع واسع من النخب في فخ التكيف الزائف وخيانة الدور , وانزلق العديد من الكتاب والأكاديميين الى التبرير والمساومة , تبرير المحاصصة والفساد تحت ذرائع (( الواقعية السياسية )) أو (( التمثيل الطائفي )) , متنازلين عن مبادئهم في مواجهة السلطة , واختار فريق آخر الانكفاء والصمت , والانسحاب التام والموقف (( الباهت )) , وهو نوع آخر من الخداع الذاتي لإيهام النفس بالسلامة , بينما كان الصمت في حقيقته شهادة زور على تدمير البنية الاجتماعية والثقافية.

أدى هذا الخداع المتراكم إلى نتيجتين كارثيتين , وهما ضياع الهوية وفقدان التماسك الجمعي , وتفصيص الهوية الوطنية , عندما تخلت النخبة عن جوهرها الحقيقي (( البحث عن الحقيقة والتنوير )) , فقد العراق روحه الجامعة , وحلت محلها هويات هشة ومصنعة , واتسعت الفجوة مع الشارع , وأدى الخمول الفكري إلى فقدان الشارع الثقة بالمثقفين , مما خلق فراغًا ملأته الخطابات الشعبوية والدينية المتطرفة , ولم يكن الموقف الباهت للمثقف العراقي مجرد تقاعس , بل كان عملية (( تزييف للوعي )) , إذ أقنع الكثيرون أنفسهم بأن مجاراة الواقع الجديد هي الحل , فخسروا استقلاليتهم (( جوهرهم الحقيقي )) , وتُرك المجتمع يواجه أوهامه بنفسه دون بوصلة تنويرية حقيقية.

تُشخّص مقولة الروائية الفرنسية لوسي فور أعمق أشكال الهزيمة الذاتية , فهي لا تتحدث عن المكر الذي يمارسه الإنسان ضد أعدائه , بل عن ذلك التدليس الداخلي الخفي الذي يصنعه المرء لنفسه لكي يجد لنفسه مقعداً دافئاً في حفل أوهام الجماعة , وعند إسقاط هذا الفهم على التحول التاريخي والاجتماعي الذي شهده العراق عقب التغيير عام 2003 , يتجلى لنا كيف تحول هذا (( الخداع الذاتي )) من مجرد عارض نفسي فردي إلى ظاهرة بنيوية شلت حركة المجتمع , وتجلت بصورة صارخة في الموقف الباهت والنكوص الفكري لغالبية نخبته الثقافية.

لقد وقعت العقلية النخبوية في خدعة التكيف مع الأوهام التي سوقها المحتل , وإضفاء مشروعية أخلاقية أو تحليليّة عليها للانسجام مع الشارع الشديد الاحتقان أو مع السلطة الجديدة الناشئة , لقد أثبتت التجربة العراقية أن خسارة المعركة السياسية أو الاقتصادية هي أمر يمكن ترميمه مع الزمن , أما الخسارة العميقة التي يصعب علاجها فهي (( تآكل الجوهر الحقيقي )) للنخبة الواعية , فعندما يختار المفكر أن يخدع نفسه ليرضي توقعات مجتمعية أوسياسية زائفة , فإنه لا يفقد فرادته وحسب , بل يجرد مجتمعه من آخر أمل في امتلاك مرايا صادقة تعكس له حقيقة واقعه لتصحيح المسار.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة في سبعينيات أم النوه .
- مقامة هرير الصمت وأنين الأنياب : بين برد التاريخ ولفح الحاضر ...
- مقامة صالون الأفندي .
- مقامة فلسفة (( الآه )) في محراب زكريا وبيرم وأم كلثوم .
- مقامة العلوية : صوت الرافدين الحر .
- مقامة الغناء .
- مقامة اللحن : بين شجو النغم وجناية اللسان , رحلة اللحن من أص ...
- مقامة تقاسيم الروح في الأدب الرفيع .
- مقامة فن التغلبي : حين تصبح البراءة أذكى أدوات المقاومة .
- مقامة الحضن : في فلسفة العناق حين يتسع الضيق ليكون وطناً .
- مقامة الطاعون .
- مقامة اللامنتمي العراقي : عن الغربة الروحية وواجب التأسيس .
- مقامة كروموسوم نغم عبود : عندما تتحول البيولوجيا إلى مجازات ...
- مقامة الرسل : إفراد الرسول وجمع المرسلين .
- مقامة فراشة الوعي المرّ: قراءة في محطة المندلاوي الفكرية .
- مقامة كل ليلة وكل يوم : الفرفشة والسلطنة والصهللة.
- مقامة جناس نواب : قراءة في سريالية الواقع العراقي من خلال شع ...
- مقامة الغواية ومأساة المرأة المبدعة : البحث عن لغة ثالثة للح ...
- مقامة ندم تشكيليّ وخذلان شاعر : صدى الصفعة في مقهى حسن عجمي.
- مقامة أصل الغرام نظرة : سلطنة راستية , معقل الأصالة وطقس الش ...


المزيد.....




- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...
- من الخرافة إلى رمز الأولمبياد.. كيف أصبح الدب وجها لروسيا؟
- -وقال (ت) نسوة في المدينة- تقتنص جائزة يحيى الطاهر عبد الله ...
- -النورس- يحلّق من جديد.. تشيخوف برؤية مسرحية مختلفة في بطرسب ...
- لإضافة اسم ترمب.. مجلس إدارة مركز كينيدي يلتف على القضاء ويع ...
- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة خيانة النخب : العراق وحفل الأوهام الجمعية .