ستالينجراد


حسن خليل
الحوار المتمدن - العدد: 7864 - 2024 / 1 / 22 - 00:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات     

معركة ستالينجراد تمثل نقطة تحول تاريخية في الحرب العالمية الثانية. في التسعينات فتح الارشيف السوفييتي و كشفت حقائق جديدة و صدر العديد من الكتب التي تعيد كتابة هذا التاريخ. استمرت المعركة من يونيو 1942 الي يناير 1943 و فيها لاول مرة يستسلم فيلد مارشال الماني (باولوس) و يأسر الجيش الاحمر ما يقرب من 300 الف جندي الماني. و رغم ذلك فهي معركة سريالية لابعد حد و ستري لماذا.
بداية ستالينجرد مدينة علي نهر الفولجا. و حينما كان اسمها فولجاجراد و قبل الثورة كان الكاتب الشهير ماكسيم جوركي يعمل حمال – شيال – في مينائها و هي و السهوب اللانهائية المحيطة بها الهمته كثيرا من اعماله الخالدة. نهر الفولجا هو طريق التجارة من شمال روسيا لجنوبها. و يسير نهر الدون محازيا للفولجا و للغرب منه و قبيل ستالينجرد ينحني الدون للشرق جهه المدينة فيما يعرف بمنحي الدون. ثم يتجه الدون غربا و جنوبا و الفولجا شرقا و جنوبا مبتعدين عن بعضهما و المسافة بينهما في اقرب نقطة – عند الانحاء – لا تزيد عن 60 كم. و تصل انهار صغيرة بين النهرين بشكل عرضي فالمنطقة كلها شبكة نهرية وسط سهوب و قليل من الغابات. رغم ان ستالينجراد مدينة قديمة – من القرن ال 16 - فهي مدينة حديثة في الاربعينيات.بها عديد من المصانع – التي سيكون لها دورا محوريا - و ميناء ضخم علي النهر و مطار و سكك حديد و بها مول كبير و سينمات و مقاهي الخ. يتوسطها حديقة كبيرة في وسطها تمثال لاطفال يلعبون حول تمساح. هذا التمثال اصبح رمزا للمدينة بعد الحرب. المدينة علي الضفة الغربية للفولجا الجزء الجنوبي منها هو القسم الاداري به المطار و محطة للسكك الحديدية و مباني ادارية اما القسم الشمالي فهو الصناعي حيث المصانع و مساكن العمال بين القسمين الميناء علي النهر و خزانات البترول و صومعة الغلال الضخمة. كان النظام السوفييتي يقدم المدينة للعالم علي انها نموذج للمدن السوفييتية الحديثة لا تقل روعة عن المدن الاوروبية الحديثة. و الصناعة في ستالينجرد صناعة ثقيلة فهناك مصنع عملاق لاصلاح القاطرات و أخر لصناعة الجرارات الزراعية و كذلك مصهر عملاق لصهر جميع انواع المعادن و سباكتها كلها ستلعب دورا حاسما في المعركة القادمة. و الفولجا عند المدينة متسع و به جزر كثيرة يستمتع بحدائقها السكان و ايضا سيكون لها دورا هاما. مناخ المنطقة قاري حار جدا بالصيف و بارد و مثلج في الشتاء. سكان المدينة 400 الف معظمهم عمال و شباب لكن قبيل دخول القوات الالمانية كان عددهم قد وصل لمليون لتدفق اللاجئين الفارين اليها من السهوب من وجه الفظائع التي يرتكبها الجيش النازي في حق السكان. اجتماعيا بينما المدينة نفسها مؤيدة للنظام السوفييتي فالسهوب المحيطة بها سهوب القوزاق – و اغلبهم رعاة- علاقتها متوترة بالنظام منذ القيصرية. اكتسحت القوات النازية الاتحاد السوفييتي صيف 41 تقريبا 3 مليون جندي و الاف الدبابات و الطائرات. و تكبدت الجيوش السوفييتية خسائر ضخمة في السلاح و بلغ عدد الاسري السوفييت 3 مليون مع نهاية العام في العملية التي سميت بارباروسا. كانت الخسائر من الضخامة بحيث فقد السوفييت تفوقهم العددي علي الالمان. لكن مثلما حدث مع نابوليون من قبل يهزم الجنود السوفييت و يؤسرون و يتراجعون لكنهم يحاربون كذلك فتصبح المهمة اصعب و اصعب بالتدريج امام المهاجمين حتي الوصول لموسكو يكون المهاجم انهك لابعد درجة و المدافعين في غاية التوتر النفسي لذلك عام 1941 هزم الجيش الالماني امام موسكو – اول مرة يهزم منذ بداية الحرب - لكنه لم يتحطم. تماما كما عام 1812 و هزيمة جيش الامبراطور الفرنسي نابليون علي يد كوزنتسوف الذي حرق موسكو كي يحرم العدو منها. في هذا العام ايضا جري ترحيل 2500 مصنع مع عمالهم و اسرهم من روسيا الاوربية لما وراء الاورال بعيدا عن القاذفات الالمانية فتعطلت خطوط انتاج السلاح مؤقتا لكي يتم تأمينها و هكذا ضمن الروس تواصل الامدادات هذة العملية من اهم فاعليات الحرب التي لا تذكر مثلما أقام الفيتناميين طريق هوشي منه في الادغال فيما بعد. هذة الصورة هي التي تبرر قول السياسي الالماني الداهية بسمارك أن روسيا لا يمكن هزيمتها.
عام 42 تصور ستالين انهم سيهاجمون في الصيف موسكو مرة اخري رغم تقارير الاستخبارات. حتي ان الجيش السوفييتي وقع في يده بمحض الصدفة تفاصيل العملية "بلو" بمعني أزرق و هو أسم العملية الكبري في الجنوب السوفييتي تتضمن احتلال ستالينجراد غير أن ستالين رفض تصديقها كان تصور ستالين و الاستفكا – قيادة العمليات السوفييتية- أن القوات الالمانية ستتجه من الجنوب للشمال لمدينة فورونج أيضا علي الفولجا كي تواصل تقدمها شمالا و تحاصر موسكو و تهاجمها من الشرق. يعزز هذا التصور أنه لا أهمية استراتيجية حقا لستالينجراد. الطريف أن الجنرلات الالمان كانوا أيضا يعارضون عملية الجنوب كلها و يرون التركيز علي موسكو حيث تلقوا هزيمة العام السابق فاشتكي هتلر قائلا أن جنرلاته لا يعرفون شيئا عن البعد الاقتصادي للحرب. لذا فقد كانت معظم القوات السوفييتية متمركزة حول موسكو. و في الواقع اثناء معركة ستالينجراد نفسها كانت تجري معركة كبري لا تقل ضخامة حول عقدة خطوط القطارات هي مدينة راجيف -العملية يلو أو أصفر و بالنسبة للسوفييت مارس أو المريخ- علي بعد 150 كم من موسكو للشمال الغربي و اكتشفت تفاصيلها من السجلات التي فتحت حديثا و كذلك معركة مهمة بالقرب من لينينجراد – أو سان بطرسبرج أو بتروجراد - لرفع الحصار النازي عنها ناهيك عن معركة جنوب القوزاق حول منابع البترول جنوبا من ستالينجراد. و حينما هوجمت ستالينجراد لم يكن بها تحصينات او ملاجئ و لم يسمح للسكان المدنيين بمغادرتها و بها مدافع قليلة مضادة للطائرات تديرها فتيات مدارس الثانوي !!. لكن كانت هناك 3 خنادق كبري علي هيئة نصف دائرة تحيط بالمدينة أقيمت علي عجل في بدء الهجوم النازي و لم تجهز كخطوط دفاع و هي لم تلعب أي دور في المعركة. يقول الجنرال فاسيلي تشيكوف – و هو الشخصية الرئيسية في المعركة – انه حينما ذهب في 14 سبتمبر 1942 لتسلم قيادة الجيش 62 احتياط – الذي دافع عن المدينة – وجد مقر قيادة الجيش لم تكن سوي حفرة في الارض. و في الواقع كان الهجوم النازي علي ستالينجراد بدء في 23 أغسطس بهجوم جوي من 1500 طائرة أدي لمصرع حوالي 40 الف من السكان و تدمير المدينة خاصة مساكن العمال المصنوعة من الخشب
قبل الدخول لتفاصيل المعركة يجب أن نقول شيئا سريعا عن العسكرية. حينما نذكر وحدة عسكرية ما مثل الجيش او الفرقة فيجب ان نضع في اعتبارنا اختلاف التنظيمات السوفييتية عن الالمانية فمثلا الفرقة الالمانية تتكون من حوالي 15 الف جندي حينما تكون كاملة بينما السوفييتية من 10 الاف فقط. الاهم ان هناك خسائر فادحة للطرفين فالفرقة المكونة من 10 الاف صباحا يمكن ان تصل ل 2 الف فقط مساء بفعل الخسائر و هكذا عدد الدبابات و المدافع و في سياق المعركة اختفت وحدات عسكرية تماما مثلا في الايام الاولي لمعارك ستالينجراد كانت الفرقة 112 السوفييتية علي خط المواجهة لكن لم يكن تبقي فيها سوي 200 جندي من اصل 10 الاف و لا توجد دبابات. جيش تشيكوف 62 كله لم يتبقي فيه عند بداية المعارك داخل المدينة سوي حوالي 50 الف جندي من اصل 250 الف معهم 50 دبابة فقط نصفها معطوب. الجيش الالماني لم يكن كذلك كانت الجيوش تتلقي تعوضا عن الجنود الضحايا كما أن المعدات يتم أصلاحها أول بأول. بل كان هناك نظاما للاجازات للجنود لكنه طبق فقط في الجبهة الغربية. كما تتضمن المعدات الالمانية معدات من الدول المحتلة مثلا الشاحنات الفرنسية و الدبابات الخفيفة التي تنتجها شركة سكودا التشيكية. الامر الاخر نوعية الاسلحة. باستثناء الطيران كانت المعدات السوفييتية تماثل او حتي افضل من الالمانية – خصوصا الدبابة تي-34 - كما كانت هناك نسبة صغيرة من المعدات الانجليزية و البريطانية لكن مستوي التدريب و الصيانة - و سوف افرد جزء عن المعدات من الجانبين فيما بعد -و ما يسمي التكتيك السوفييتي اقل كثيرا من الالماني و الضباط الروس صغار السن بلا خبرة كنتاج لحملة تطهير الجيش التي قام بها ستالين عام 37 بينما كثير من الضباط الالمان شاركوا في الحرب العالمية الاولي. من المهم أيضا ذكر أن كلا الطرفين خصوصا السوفييت تميزوا بالتوثيق الدقيق لمجريات المعارك حتي أن القيادة العليا كانت ترسل ضباط سوفييت متخفين علي هيئة جنود فقط كي يسجلوا المعارك مباشرة من الخنادق كذلك هيئة الامن القومي التابعة لوزارة الداخلية
يجب ان نقول كلمة ايضا عن العقيدة النازية. تستند لمبدأين اولا تفوق العرق الآري أو الالماني علي باقي البشر و بالتالي حقهم في سيادة العالم. ثانيا أن العالم يخضع لمؤامرة يهودية كبري من ناحية الرأسمالية اليهودية في الغرب و من الناحية الاخري البلشفية اليهودية في الشرق. و أن هزيمة المانيا في الحرب العالمية الاولي و بالتالي فرض معاهدة فرساي المذلة عليها هي نتيجة " طعنة في الظهر " من اليهود و الشيوعيين الالمان. و هناك مبدأ مكان اوسع أو ما يسمي بالمجال الحيوي.و يعني ان من حق الامة الالمانية المميزة ان تتوسع حتي تحصل علي المساحة التي تحتاجها و من الواضح الطبيعة الامبريالية و طبعا العنصرية لكل هذة المفاهيم.
وقت معركة ستالينجراد كانت المانيا تحتل الدول التالية النمسا تشيكوسلوفاكيا بولندا النرويج الدنمارك هولندا بلجيكا لوكسمبورج فرنسا و يوغوسلافيا و اليونان – بترتيب الاحتلال زمنيا- كما تتحالف مع رومانيا و المجر و هنغاريا و بالطبع ايطاليا. فشلها الوحيد كان معركة انجلترا الجوية. ازاء هذة النجاحات العسكرية المزهلة التي جرت من 38 حتي 41 كان الشعور العام ان هزيمة السوفييت حتمية. في وقت معركة ستالينجراد كانت المانيا تحتل كل القسم الاوروبي من الاتحاد السوفييتي و يخضع لها 60 مليون انسان يعيشون فيه.
الخطة : من الغريب أن ستالينجراد كانت شيء هامشي في الخطة الالمانية. سميت الخطة ازرق – كثيرا ما استخدم الالمان اسماء الالوان لخططهم اما الروس فاسماء الكواكب- الخطة هدفها الاساسي احتلال منابع البترول في القوزاق الروسي في الجنوب مدن مكيون و جروذني و باكو – عاصمة ازربيجان حاليا -. قسمت جيوش الجنوب لقسمين ا و ب جيوش ا تتجة للجنوب للوصول لمدن البترول و جيوش ب تتجه للشرق لتصل لنهر الفولجا و تستولي علي ستالينجراد كي تشكل حاجزا أمام أي هجوم سوفييتي من الخلف علي القوات المتقدمة جنوبا لمنابع البترول . ثم تتجة المجموعة ب جنوبا بمحاذاة الفولجا حتي مدينة استرخان حيث معامل التكرير. و من هنا يتضح أن استيلاء الالمان علي ستالينجراد بالذات ليس له ما يبرره عسكريا فكل المطلوب هو أن يكون هناك حاجز لحماية المجموعة أ أثناء و بعد تقدمها للجنوب البترولي . الغريب أن هذا المطلب حدث فعلا في أول أيام القتال حول ستالينجراد حينما وصلت القوات الالمانية لنهر الفولجا شمال المدينة و بالتالي عزلت قوات الجنوب الالمانية عن القوات السوفييتية التي قد تأتي من الشمال. ويبدو أن أسم المدينة علي أسم الزعيم السوفييتي كان له أثر نفسي عظيم خاصة علي هتلر بل أن قوات من المجموعة أ سحبت كي تعزز المجموعة ب المتجهه لستالينجراد و هي مجموعة البانزر 4 التي أمرت أن تعود ادراجها من المسار الي الجنوب كي تلحق القوات المتقدمة جهة المدينة
الوحدة 588
هذة الوحدة السوفييتية لها تأثير محدود علي سير العمليات أفرد لها فصلا لخصوصيتها النادرة هي مجموعة من الطائرات التي تديرها النساء تماما الطيارين و أطقم الخدمة الارضية و الاصلاح و السلاح كلهم نساء و ربما الافضل أن أقول فتيات. طائراتهم من نوع يو-19 و هي طائرات تدريب عتيقة من مطلع الثلاثينيات. طائرات مذدوجة السطح أي جناح تحت بدن الطائرة و جناح أخر فوق البدن و محرك بسيط بالمقدمة و بها مقعدين الامامي للطيار أو الطيارة و الخلفي لمساعده بدون غطاء أو "كانوبي" مثل الطائرات الحربية الاخري و الطائرة ليست مذوده بأي أسلحة. قبل الاقلاع تجمع مساعدة الطيار بعض الاسلحة مثلا رشاش و بضع قنابل يدوية تستخدمهم كيفما أتفق يدويا. غير أنهم أضافوا للطائرة ميكروفون ليمكنهم من بث الدعاية علي الجنود تحتهم. السيدات أو الفتيات كن مجبرين علي الطيران في الليل فقط لتجنب الرشاشات الالمانية. كل طائرة لها سرعة دنيا لا يمكن أن تطير باقل منها. السرعة القصوي لطائرات الوحدة – حوالي 100 كم - أقل من السرعة الدنيا للمقاتلات الالمانية كما انهم يطيرون فقط علي مستوي ارتفاع الاشحار يبثون الدعاية و يلقون القنابل اليدوية لذا اسماهم الجنود الالمان بساحرات الليل أو الساحرات الشريرات. و حينما قرر الجنرال باولوس استسلام القوات الالمانية كن هم من نشر الخبر علي امتداد الجبهة و وجه القوات الالمانية لاين يتوجهون حتي لا تقتلهم القوات الروسية التي تحاصرهم.
منزل بافلوف
بافلوف شويش سوفييتي كلف باقتحام مبني اتحاد المستهلكين وسط ستالينجراد و هو مبني حجري ضخم تقريبا علي الحدود بين قوات الطرفين نجح الهجوم المفاجئ و استولت مجموعة محدودة علي المبني الذي سرعان ما تحول لحصن و حاولت القوات الالمانية استرداده مرارا كل مرة تقع في شرك المدافعين عنه من الداخل و الخارج. لكن ما ميز منزل بافلوف ليس النيران بل الموسيقي. في أول أيام أقتحام المبني وجد جندي روسي جرامفون يدوي و اسطوانة واحدة مازلت صالحة و هكذا كل ليلة يعزف جرامفون منزل بافلوف وتصدح الموسيقي مما يرفع معنويات الجنود السوفييت لانه مازال في أيديهم و العكس للالمان لان محاولاتهم لاقتحامه فشلت مجددا. و لم يقع أبدا منزل بافلوف في يد الالمان.
القادة
فاسيلي تشيكوف : تجمع كل المراجع الشرقية و الغربية علي ان هذا الجنرال هو بطل المعركة. في سن ال 17 عاما كان تشيكوف طالب بحرية في قلعة كرونشتاد وقت الثورة الروسية فالتحق بصفوف الجيش الاحمر. و وصل حتي قائد لواء و حصل علي نوط الراية الحمراء مرتين في سنه الصغير. اما جيشه الجيش 62 احتياط فهو واحد من 10 جيوش تم تشكيلها علي عجل حينما كانت القوات الالمانية تطبق علي موسكو لذا سمي احتياط. في بداية عملية ستالينجراد كان الجنرال تشيكوف قائدا للجيش 64 احتياط و قائده هو الجنرال كورلينكو قائد الجبهة و حينما اختلفا عزل عن قيادة الجيش و تولاة شوليموف لكن سرعان ما دب خلاف بين قائد الجبهة و قائد الجيش 62 فعين تشيكوف مكانه. لذا التحق بجيشه في منتصف المعارك و تحديدا يوم 14 سبتمبر نفس يوم بداية الهجوم النازي البري علي المدينة. من الطرائف ان تشيكوف عرف بانه مضاد للموت فقد نجا مرات عديدة من موت محقق فتحطمت به طائرة و انفجر مرة مقر قيادته بل حتي طاردت الطائرات الالمانية سيارته. في نهاية الحرب كان تشيكوف قائد الجيش الثامن في برلين تحت قيادة المارشال جوكوف و كان هو بالذات اول ضابط روسي يتلقي العرض الالماني بالاستسلام. عام 1958 كتب مذكراته.
فيلدمارشال باولوس جنرال باولوس الذي ترقي لرتبة فيلدمارشال خلال المعارك قائد الجيش السادس. و الجيش السادس أحد أفضل التشكيلات الالمانية و هو نفسه الذي اقتحم باريس و سار تحت قوس النصر أمام هتلر الذي ذهب لهناك مخصوص كي يشهد التراجع عن معاهدة فرساي و استسلام فرنسا. باولوس أشتهر بأنه قائد محترف يهتم بأدق التفاصيل. كان يدعم الجيش السادس الجيشين الرومانيين 3 و 4
جنرال فون مانشتين كثيرين يعتبروه أهم جنرال الماني و هو سليل عائلة عسكرية عريقة من بروسيا -يونكرز- و هو الذي احتل القرم و سيفاستوبل السوفييتية بعد 9 شهور من القتال. و قد شكل قوة حاولت انقاذ باولوس من الحصار و لكنها فشلت تماما. لكنه هزم القوات الروسية مباشرة بعد انتهاء حصار ستالينجراد فيما عرف في الكتب بأسم معجزة مانشتين. و يعزي له أيضا أختراع المدفعية ذاتية الحركة كي تسير مع الجنود تحطم التحصينات عكس الدبابات التي تعمل غالبا في مجموعات مستقلة عن المشاة
معدات
دبابة تي-34 دبابة سوفييتية مرشحة لتكون أفضل دبابة في الحرب. تتميز بميل جدار البرج مما يصعب أختراقه علي القذائف المضادة للدبابات. لها جنازير عريضة مما يناسب الحركة في أرض رخوة. مذودة بمدفع 76 مم قادر علي دحر أي دبابة المانية في سلسلة مارك -من 1 الي 4 – لكن ليس البانزر او مارك 5 .مذودة بمحرك ديزل قوي يمكنها من الحركة السريعة – مثلا مقابل الدبابة شيرمان الامريكية المذودة بمحرك بنزين يمكن أن ينفجر بسهولة- لكنها ضيقة و صغيرة الحجم. يجلس السائق علي اليسار – يجب أن يكون صغير الحجم حتي يمكنه الدخول- بينما يجلس المدفعجي أيضا علي اليسار في البرج و ورائة ملقم المدفع بينما يجلس القائد علي اليمين في البرج ايضا و يمكنه أن ينزلق ليجلس علي يمين السائق و يشغل الرشاش الموجود في البدن علي اليمين. كثير من قادة الدبابات ضخام البدن لا يمكنهم غلق فتحة الدخول -الهاتش- طبعا لا مجال للحديث عن كل الاضافات الحديثة و الالكترونية بل أن البرج كان يتحرك يدويا مما يتطلب مجهودا كبيرا و المدفعجي يقوم بالتنشين بالنظر داخل المدفع نفسه في هذا الوقت كانت الدبابات الالمانية لها نظام كهربائي لادارة البرج و للتنشين. غير أن اخطر نقطة ضعف هي افتقادها للراديو بينما كانت في نفس الوقت الدبابة الالمانية لديها 2 راديو واحد للاتصال بالقيادة و الاخر بالدبابات المشاركة. صناعة الراديو كانت شديدة التخلف في الاتحاد السوفييتي حتي أن طائرات كانت بلا راديو. في النسخ الاحدث وضع راديو أمام قائد الدبابة يمكن فقط من الاتصال بالقيادة و علاوة علي ذلك هذا الراديو فقط في دبابة قائد الفصيلة. لكن سمعة ت-34 اكتسبتها من غزارة انتاجها دائما هناك عشرات الدبابات. و بالمناسبة مصنع الجرارات في ستالينجراد كان ينتجها حتي وقت المعارك.
ستوكا هي طائرات انقضاض المانية من نوع هوكر-86. طائرات بطيئة -275 كم- تتميز بالقدرة علي الانقضاض بشكل راسي تماما أي بزاوية 90 درجة. معظم الطائرات تفقد القدرة في هذة الوضعية. لذلك تستطيع ال ستوكا أصابة أهدافها بدقة متناهية سواء كانت مبني او حتي دبابة متحركة. و تتميز أيضا بانها تصدر صفير عالي الصوت في حالة الانقضاض مما يسبب زعر العدو. لا يوجد مثيل لها لدي الحلفاء و ال ستوكا هي التي أغرقت البارجة السوفييتية مارا التي كانت تدافع عن لينينجراد . النسخ الاحدث منها ذودت بمدفعين من عيار 37 مم و هي فعالة جدا مع اسطح ابراج الدبابات الضعيفة عادة.استخدمت علي نطاق واسع في ستالينجراد حيث القوات السوفييتية و الالمانية متداخلين معا.
كاتيوشا قاذفة الصواريخ المتعددة و اسم كاتيوشا هو ما أطلقه عليها الجنود السوفييت كانوا يطلقون أسماء حبيبتهم علي الاسلحة القيمة. هي عبارة عن شاحنه مركب في صندوقها الخلفي 4 شبكات تحمل كل منهم 4 صواريخ أي 4×4 استخدمت عيارات متعددة ابرزهم 122 مم ربما هي السلاح الوحيد من الحرب العالمية الذي مازال ينتج لليوم و من قبل معظم دول العالم. كل صاروخ له صاعق كهربائي في الخلف و مفجر في الامام تركب مباشرة قبل الاطلاق. النسخ الاولي كان للصواريخ جنيحات لتحافظ علي استقرار القذيفة. المدي لا يتعدي 3 كم. الكاتيوشا هي التي اوقفت دبابات البانزر 4 المتقدمة من الجنوب للشمال لتلحق بالجيش السادس و بالتالي هي من منح الفرصة للجيشين 62 و 64 ليصلوا لستالينجراد
سير المعركة...
يبدأ عادة تأريخ هذة المعركة و الجيشين 62 و 64 ضمن منحني الدون و اخذوا في التراجع ثم عبور الدون باتجاة الفولجا و ستالينجراد. تطاردهم القوات الالمانية. كان المخطط الالماني تطويق هذة الجيوش قبل وصولها للمدينة. لكن في هذة الاثناء نجحت القوات الالمانية في الوصول للفولجا شمال المدينة و تجمعت عدد من الفرق الروسية شمال هذة القوات بقيادة المارشال جوكوف لذا تركز الاهتمام علي دعم القوات الالمانية علي الفولجا. في الوقت نفسه ذهب هتلر لكييف اوكرانيا و اجتمع مع الجنرال باولوس الذي طلب تعزيز قواته فمنحه قوات البانزر 4 – من ضمن المجموعة أ - التي كانت قد توغلت فعلا في الجنوب فعادت و اتجهت شمالا. كان من الممكن ان تقطع بانزر 4 الطريق علي وصول الجيشين 62 و 64 لستالينجراد لولا أن الكاتيوشا قطعت عليها هي الطريق. اصبح الجيش 64 في جنوب المدينة و 62 في شملها و حققت القوات الالمانية تقدم سريع داخل المدينة و وصلت للفولجا عازلة الجيشين عن بعضهما بل استولت علي محطة القطارات الاولي و علي صومعة الغلال. كانت معركة هذة الصومعة شرسة جتي ان باولوس قرر ان يكون مجسم الصومعة رمزا للانتصار المفترض
بدأ تشيكوف بالتصريح أنه لا توجد أرض للاتحاد السوفييتي وراء الفولجا بمعني أنه لا مجال للتراجع ثم قام بتوحيد القوات حيث كانت هناك فرقة كاملة لقوي الامن غير تابعة للجيش اجبر قائدها علي الاقرار بانه خاضع لقيادة الجيش. ثم أمر بنقل كل المدفعية للخلف في الجزر علي الفولجا مما تسبب في ارباك مؤقت للجنود هل سنسحب ام لا. كانت المدفعية تتلقي بالاسلكي الاحدثيات التي تقصفها داخل المدينة بينما هي مختبئة من الطائرات الالمانية. الدبابات المعطوبة التي يمكنها ان تطلق تحصن في مكانها و تساهم. كل عسكري مهما كانت رتبته يمكنه حمل بندقية يشارك مع الجنود في صد الغزاة. تخلي تشيكوف عن التقسيمات المعمول بها في الجيوش مثل السرية و الكتيبة الخ لصالح مجموعات العمل. حوالي 20 من الجنود و احيانا من العمال المتطوعين مع بعض الرشاشات و سلاح اساسي مثلا رشاش ثقيل هاون قاذفة لهب و احيانا مدفع مضاد للدبابات كل المباني المتهدمة تحولت لتحصينات و الشوارع التي ملأها الركام بسبب القصف الالماني اصبحت مصائد للدبابات الالمانية أوصي تشيكوف جنوده بالجوء للاشتباك البدني مع القوات الغازية لبث الرعب فيهم. لذلك كان الروس يسنون حافة جروف الجندي الصغير الذي يحملونه ليصبح سلاح قاتل في الاشتبكات البدنية. كذلك أمرهم بان يقتربوا أكثر ما يمكن لخطوط العدو ليصعب عمل الطائرات الالمانية لذا كان ما يفصل هذا عن ذاك غالبا 10 امتار و احيانا مجرد عرض شارع علي ناحية القوات الالمانية و الاخري السوفييتية و قد سمي الالمان ذلك ب حرب الفئران.
كان أمداد الجيش 62 يتم بالزوراق عبر الفولجا و قد وصلت وحدات مهمة عن هذا الطريق من أهمها فرقة القوات الخاصة التي خلصت الميناء من يد الالمان بعد أن وقع فيها ثم الفرقة 138 التي حررت منطقة المصانع مجددا و بقيت حتي أخر لحظة لكن لم يبقي فيها أحد. و كذلك الذخيرة و الغذاء حتي انه حينما تجمد الفولجا و انقطعت الزوارق أضطر الجنود لذبح خيولهم ليأكلوها.
خارج المدينة التطورات الاهم. يحاول السوفييت الايهام بأن خطة تطويق القوات الالمانية في المدينة من بنات أفكار المارشال جوكوف لكن في الحقيقة كان هذا التصور شائعا حتي لدي الالمان أنفسهم. غير أن جوكوف نفذها باحترافية مستفيدا من تجربته في موسكو. و الخطة ببساطة أن يقوم ذراعين بتطويق كل منطقة ستالينجراد ذراع من داخل منحني الدون يتجه جنوبا و الاخر من اسفل ستالينجراد يتجه شمالا ليلتقوا سوية فكل هذة المساحات الهائلة من السهوب تسمح بحرية الحركة. كما أن ضراوة المعارك داخل المدينة أجبرت باولوس علي سحب كل ما يمكن من قوات الحماية الجانبية لداخل المدينة. لم يسمح جوكوف للضغوط اليومية أن تجعله يفرط في تمركز قوات الحصار. في شهر نوفمبر أطلق جوكوف قواته علي الجانبين.بدأ جوكوف بقصف مركز علي الجيشين 3 و 4 علي ضفاف الدون المفترض فيهما حماية أجناب الجيش السادس في ستالينجراد. تشتت الجيشين . و الجيوش الرومانية أقل تسليحا و تدريبا من الالمانية. و كان محظوظا فنجحت قواته في اليوم الاول في الاستيلاء علي الجسر الوحيد علي نهر الدون وما ان التقي الذراعين وسط الثلوج حتي طار الخبر للمحاصرين داخل المدينة فلم يكن تشيكوف وقتها يسيطر علي حتي 10% من المدينة. و علي الفور شرع جوكوف في بناء الطوق الداخلي فأي حصار يجب أن يكون مذدوجا طوق داخلي يواجه المحاصرين و طوق خارجي يواجه من يحاولون فك الحصار. أكد جارنج قائد القوات الجوية الالمانية أنه قادر علي أمداد القوات المحاصرة بالطائرات. كان قد فعل ذلك من قبل لكن مع عدد أقل كثيرا من الجنود أما المحاصرين هذة المرة 300 ألف جندي. كما حاول فون مانشتين نجدتهم باستخدام 4 فرق لكن المحاولة فشلت بسبب الثلوج و أن باولوس غير قادر علي الخروج بقواته من المدينة. يجب ملاحظة أن جوكوف لم يحاصر فقط القوات الالمانية في المدينة بل أيضا تلك الموجودة خارجها للشمال علي نهر الفولجا. كما أنه دمر الجيشين الرومانيين 3 و 4 المفترض أن يدافعوا عة أجناب الجيش السادس و سرعان ما قام جوكوف باختراق من الطوق الداخلي للمدينة و في الطريق استولي علي مطار الاغاثة الالماني و وصلت قوات الحصار لتشيكوف و من بقي من رجاله وسط الثلوج و ذلك في يناير 43 . طلب باولوس من هتلر الاذن له بالاستسلام رفض هتلر غاضبا و طلبهم بالقتال حتي اخر رجل فقرر باولوس الاستسلام علي عهدته خوفا علي جنوده من موت بلا نتيجة و وقع باولوس وثائق الاستسلام وسط الجنرلات الروس.
لنقول كلمة سريعة عن المعركة الموازية التي جرت في و حول مدينة راجيف بالقرب من موسكو سماها الجنود السوفييت مطحنة اللحم وراح منهم أكثر من مليون جندي كان المارشال جوكوف مشرفا عليها بالاضافة لقيادة معركة ستالينجراد. أما القائد الفعلي فهو الجنرال كامنيف أحد أبرز الجنرلات. أما من ناحية المانيا فكان الجنرال مودول. استطاع مودول بمناورات عديدة أن يحبط كل خطط السوفييت لكنه في النهاية قرر الانسحاب من المدينة فدمرها تماما و قام بانسحاب منظم100 كم للجنوب بعيدا عن موسكو. المدينة التي كانت أهميتها أنها عقدة اتصلات للقطارات لم يعد فيها حجر علي حجر. الغريب أن السوفييت وجدوا سريعا بديلا لكنه علي بعد 250 كم من راجيف.
1/21/2024