العولمة كتاريخ


حسن خليل
الحوار المتمدن - العدد: 6671 - 2020 / 9 / 8 - 22:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

اشار الدكتور سمير أمين في نقاش حول العولمة إلي أنه يعتقد أن الرأسمالية كانت منذ بدايتها معولمة. و لا شك أن تاريخ الامبراطورية الانجليزية يثبت ذلك بصورة قاطعة. و الامبراطورية كانت في بدايتها رأسمالية قائمة علي التنافس قبل أن تتحول للمرحلة الامبريالية. و قد تأسست شركة الهند الشرقية الانجليزية عام 1600 و هي كانت الاداة الاساسية لاحتلال الهند الكامل اللاحق عام 1858. دبلوماسيا كانت الامبراطورية تقدم "نظرية" قائمة علي التخصص بمعني أن كل كيان ضمن الامبراطورية عليه أن يتخصص في عملية معينة للجودة و تفادي التنافس ضمن الامبراطورية. فامريكا تنتج القطن الذي تنقله السفن الانجليزية لانجلترا – و دول اخري – للتصنيع ثم تنقل المنسوجات كي تباع في الهند. علاوة علي ذلك فالعبيد المختطفين من افريقيا ينقلون لامريكا كي يزرعوا هذا القطن باقل كلفة ممكنة. حول القطن قامت امبراطورية عالمية عظمي تمتد من امريكا لانجلترا لافريقيا للهند. و قد الحقت مصر بهذة الامبراطورية فيما بعد لان بها قناة السويس الطريق الاقصر لدرة التاج البريطاني. ثم اصبحت ايضا مصدرا للقطن. و قد اشار ماركس إلي ان الاسعار كانت هي المدفعية الثقيلة التي دكت حصون الشرق لكن هناك اليوم دلائل علي العكس فقد كانت المنسوجات الهندية افضل و ارخص من الانجليزية – ربما لضخامة الهند و تنوعها و بعدها الكبير عن انجلترا – و الهيمنة السياسية الاقتصادية علي الهند انسحبت للثقافة و الاثار و إعادة كتابة تاريخ الهند نفسه يرجع في ذلك للاستشرق للدكتور ادوارد سعيد. و نحن في مصر نعرف عن هذا العنف فوق الاقتصادي اذ تباهي اللورد كرومر المندوب السامي بانه نجح في تحويل ورش القاهرة الي مقاهي و حتي مصانع السلاح التي انشأها الخديوي اسماعيل سرقت و نقلت لانجلترا. فنصيب مصر في نظرية التخصص الانجليزية هو توريد القطن لمصانعها فحسب. في ذلك الوقت كانت انجلترا تعاني من عجز تجاري في تجارتها مع الصين حيث تستورد من الصين الشاي بينما لا تستورد الصين شيئا. و من هنا بدأت حرب الافيون. حرب الافيون الاولي 1839 – 1842 و الثانية 1856 – 1860 الاولي بين الصين و انجلترا و الثانية بين الصين و كل من انجلترا و فرنسا. فالافيون يزرع في الهند و يصدر بشكل شرعي و غير شرعي للصين للوصول للتوازن التجاري معها حتي بالعنف. و بذلك زرعت الامبراطورية الانجليزية كانتونات او قواعد تحاصر فريستها الصين و طالما كانت العزلة التجارية التي تفرضها الصين علي نفسها خوفا من النفوذ الاجنبي سببا في الحروب. و كذلك الامبراطورية اليابانية مع الولايات المتحدة. فنحن هنا أزاء طبقة رأسمالية تمد نفوذها خارج حدودها بل لكل العالم تقريبا مستخدمة كل الوسائل و علي رأسها العسكرية كي تحقق ريعا استعماريا يمكنها من زيادة تراكمها الرأسمالي و من رشوة طبقتها العاملة لتظل خاضعة. هذة الخصائص هي نفسها خصائص منظومة العولمة التي عرفناها منذ الثمانينات في القرن الماضي. و ان كانت العولمة الحديثة لها خصائص اضافية مثلما ان الامبريالية راسمالية ذات سمات خاصة. فلا شك أن الرأسمالية كانت معولمة من يومها الاول و هذا نفسه حال اسبانيا و هولاندا و فرنسا الخ.
و كي نتوسع في رؤية العولمة فسوف نجدها تشمل حتي المجتمعات القديمة و القديمة جدا. فالامبراطورية الرومانية هي شكل من العولمة و كذلك الامبراطورية العربية الاسلامية. في كلتا الحالتين طبقة سائدة تفرض هيمنتها العسكرية لتحقق من ذلك مردود اقتصادي. و في الحالتين حيث انتاجية العمل محدودة في ظل اقتصاد طبيعي يعمل لسد حاجات المنتج و ليس للتبادل تصبح السيطرة المباشرة علي السكان الوسيلة الاساسية لجني الفائض عبر الضرائب او الخراج لذا تاخذ العولمة شكل الامبراطوريات العسكرية و ليس الشكل الذي تطورت اليه في حالة انجلترا الرأسمالية. العولمة إذن ظاهرة مرتبطة بنشؤ المجتمعات الطبقية بشكل عام