100 عام علي ثورة اكتوبر الاشتراكية


حسن خليل
الحوار المتمدن - العدد: 6069 - 2018 / 11 / 30 - 08:45
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا     

أن عمر الإنسان مثلا 70 سنة لا يكفي للحكم علي التبدلات الاجتماعية الكبري. يحتاج الإنسان لعمر 400 أو 500 سنة ليري بنفسه كيف تبدلت الأمور . فما الذي حدث في روسيا عام 1917 مازال أمرا غامضا رغم أطنان الكتب غامضا ليس في الاحداث و أنما في تداعياتها. يتناول المؤلفين لماذا انتهت هذة الثورة بتفكك الدولة التي أنشأتها ؟ و الكثيرين يتناولونها من داخل الافكار الاشتراكية و ليس مما جري في الواقع . لكن هناك نقاط يجمع عليها حتي أشد أعداء الثورة و هو أنها كانت ثورة شعبية – أو انقلاب شعبي - و أنها كانت بقيادة الطبقة العاملة المتحالفة مع فقراء الفلاحين و الجنود و أن شعاراتها – الارض للفلاحين و المصانع للعمال و السلام و تقرير المصير – تتماشي تماما مع مصالح هذة الطبقات . فلما لم تحكم الطبقة العاملة الاتحاد السوفييتي بعد أن استولت علي السلطة ؟! أن علامة الاشتراكية هي أن تحكم طبقة العمال أن تحكم الجماهير مباشرة كما تؤكد روزا لكسمبرج أن تستبدل طبقة البرجوازية بطبقة العمال و ليس بأي طبقة أخري. لماذا لم يتحقق شعار كل السلطة للسوفييتات ؟ لما حل الحزب محل الطبقة؟ لكن بدلا من النصائح النظرية يجب أن نسأل أين كانت الطبقة العاملة عام 1920 بعد 3 سنوات من الثورة . كانت قد تحطمت تماما و فقد الحزب الشيوعي أهم كوادره في صراعه مع عدوان التدخل الإمبريالي. و المجاعة تفرض ظلالها علي البلد كله . كانت الطبقة العاملة في روسيا حوالي 3 مليون قبل الثورة في بلد هو الاكبر في العالم . و رغم ذلك فالحديث عن "تخلف" روسيا غير دقيق. حاول لينين إنقاذ الوضع أولا عن طريق صلح بريست ليتوفسك مع المانيا التي فقدت فيه روسيا مليون كم لصالح المانيا و سماه لينين نفسه صلح مذل مهين . ثم عن طريق سياسة النيب اي السماح للطبقة البرجوازية و خصوصا أغنياء الفلاحين بالعمل و التملك لامداد المدن بالحبوب أي بالتراجع عن الاشتراكية و إنهاء مرحلة الحرب الشيوعية. هذة هي الصورة الواقعية التي حدثت . و كما يقول تروتسكي لولا أن روسيا بلد شاسع المساحة لم يكن من الممكن الاحتفاظ بالسلطة السوفييتة و هذا سيتأكد مرة أخري في الحرب العالمية الثانية. الحصار و قلة الموارد .. أن هذا الوضع هو الذي جعل من الحزب بديلا لطبقة العمال و جعل ستالين بديلا للحزب . لا يمكن أن تقوم ثورة اجتماعية و تكون ديمقراطية في الوقت نفسه حتي مع هؤلاء الذين قامت الثورة باسمهم. ليس فقط الثورة الاشتراكية بل كل الثورات و هو ما يؤكده التاريخ. لأن الطبقات القديمة و الافكار القديمة ستستغل الديمقراطية لاستعادة الماضي . و ثورة حمقاء هي التي تضحي بنفسها من أجل ما يسمي الديمقراطية. و لو كان تروتسكي لفعل الشيء نفسه بل أنه يقول أنه من وضع خطة التصنيع الطموحة بعد الثورة . خطة التصنيع التي تعني اعتصار الريف لبناء صناعة ثقيلة أي فض التحالف بين العمال و الفلاحين. خاصة أن الثورة فقدت قائدها التاريخي لينين رجل النظرية و رجل الدولة أيضا. إذن خنقت الثورة بعد ميلادها مباشرة و النقاش حول هل يمكن ظهور الاشتراكية في بلد واحد نقاش عقيم تماما مثل نظرية الثورة الدائمة. خاصة بعد انهيار انتفاضات المانيا و المجر و ايطاليا التي كان يأمل لينين فيها كي تمد يد العون للسلطة الجديدة. و فعل ستالين بالاقتصاد ما فعله تروتسكي من قبله في الجيش . استعاد تروتسكي الرتب العسكرية التي الغتها الثورة و الضباط النبلاء الذين حاربتهم الثورة و الانضباط العسكري الصارم و حتي ابشع الاساليب وحشية كي يتمكن من الانتصار علي أعداء الخارج و الداخل الكثر. أما ستالين فقد واجه قضية اللحاق بالدول الإمبريالية الكبري صناعيا و عسكريا بالاستبداد المطلق ذو الطابع القيصري و حسنا فعل فهذا ما انقذ الاتحاد السوفييتي من آلة الحرب النازية . و يجب أن نتذكر أن الحرب العالمية الثانية في أوخر العشرينات لم تكن سوي حدث متوقع خصوصا بعد الانهيار الرأسمالي عام 29 و صعود النازية. القفزة الصناعية و كهربة روسيا انتجت طبقة عاملة جديدة غير التي قامت بالثورة. و طبقة فلاحية مقهورة و لكنها متحررة من القنانة. أننا أمام وضع أصيل يلعب فيه الابطال دورهم في التاريخ بالرغم عنهم. و رغم ذلك فكل مؤرخ موضوعي يجب أن يري في قرار الحزب الشيوعي بقيادة الطبقة العاملة للاستيلاء علي السلطة في أكتوبر 1917 قرارا حكيما قدر ما هو شجاعا فهذا القرار أنقذ مئات الملايين من المذبحة. و يتغافل الكثيرين عن دور الثورة الوطني فقد تحررت روسيا بفضلها من هيمنة بيوتات المال الاجنبية و ارتهان سياستها الخارجية و ربما هذا من اهم مكاسب الثورة الذي مكنها من الصمود في وجة الحصار. و كان دور الثورة في الهوامش أكبر و أوسع تأثيرا و أبقي من دورها في المتون. فبدون الاتحاد السوفييتي و دعمه المباشر علي كل الاصعدة لم يكن لثورة الزعيم ماو تسي تونج في الصين أن تنتصر و يتحرر مئات الملايين من البشر رغم خيانة السوفييت الفاضحة فيما بعد للصين. نفس الشيء عن عشرات الشعوب في مختلف الاقطار التي نالت استقلالها الوطني مستندة للسوفييت . هل يمكن تصور حرب 73 بدون السوفييت !! أو النصر الفيتنامي عام 75 علي الإمبريالية الأمريكية !! بل أن الدولة الروسية الحالية القوية هي من هوامش الاتحاد السوفييتي فكل سفينة او صاروخ تصنعه هو من الارث السوفييتي الهائل.

بدأ الانقلاب مع مجئ خروتشوف بعد موت – او قتل – ستالين . خروتشوف هو يلتسن الاتحاد السوفييتي الاول . و علي يديه ماتت الماركسية و الاشتراكية . سنوات الحكم الفردي المستبد الطويلة افرزت طبقة بيروقراطية تحكم باسم الاشتراكية و العمال وليس غريبا أن يحدث هذا تحت شعار الديمقراطية. أفرزت طبقة خروتشوف التعايش السلمي و الطريق اللارأسمالي – تصور لو أن لينين سمع هذة التعبيرات – أصبحت روسيا بلا هدف و لا روح سوي الحفاظ علي طبقة البيروقراطيين العسكريين المسيطرين و امتيازاتهم. أصبحت نسخة شائهة من الإمبريالية الأمريكية كما قال هربرت ماركوز. أما الشيوعية الاوروبية فلم تعني سوي التسليم أمام الهزيمة التاريخية للثورة الاشتراكية الكبري و الاولي. و مع الترويكا - بريجنيف و كوسيجن و بودجورني - انحط الاتحاد السوفييتي البلد شاسع المساحة ليستورد قمح من أمريكا !! و أول من أطلقوا إنسان للفضاء غير قادرين علي صنع تلفزيون . لم يتبقي شيئا من ميراث لينين لم تضيعه البيروقراطية . و في اللحظة التي تعادل فيها الاتحاد السوفييتي نوويا مع أمريكا و أصبح أخيرا من الممكن هزيمة الحصار استجاب الروس لكل مطالب المحاصرين و ظهر الوفاق. لذا ما فعله جورباتشوف بتشيع الدولة الاشتراكية لمثواها الاخير لم يكن سوي تتمه منطقية . و بها خسرت طبقة البيروقراطيين مكانتها و بلدها و اسس وجودها نفسه. انتحرت كي تحافظ علي أمتيازاتها. ديستوفسكي فقط هو من كان يمكنه أن يعبر عن هذة الدراما...
لكن هذة هي الاشتراكية كما ظهرت في الواقع كما يقول سمير امين . اثبتت كوميونة باريس انه يمكن ان تكون هناك حكومة عمالية و لو فقط ل 3 شهور. و اثبتت ثورة اكتوبر انه يمكن بناء اشتراكية ثورية تستمر عقودا. و كلاهما كانا تطورا فذا في التاريخ. احداثا غير عادية لها ابطال غير عاديين و كلا الحدثين اثبتا ان ماركس كان علي حق يمكن بل من المحتم هزيمة الراسمالية بقوة طبقة العمال . و في القرن 21 ستأتي احداثا اخري غير عادية .

كلمة عن تخلف روسيا
و من الشائع مقولة أن روسيا القيصرية كانت بلدا "متخلفا" لكن متخلفا بالنسبة لمن ؟ كانت متخلفة بالنسبة للدول الصناعية الإمبريالية الكبري مثل المانيا و انجلترا لكنها كانت متقدمة جدا بالنسبة للصين و الهند و تركيا . و تطور الراسمالية الروسية أخذ منحي بروسي كما يقال أي انتقل الاقطاعيين مباشرة ليصبحوا برجوازيين كبار خاصة منذ اصلاحات 1861 لكن من ناحية أخري فروسيا القيصرية كانت هائلة المساحة استعبدت كل الشعوب المحيطة بها و ظلها الهائل يجثم علي اوروبا كلها . و بالتالي كان هناك أساس قوي لاستمرار علاقات الانتاج السابقة علي الرأسمالية . لذلك ففي لحظة الثورة كان لدينا خليطا من جزيرة صغيرة صناعية برجوازية محاطة بمحيط من الفلاحين الذي لم تختفي بينهم القنانة بعد . بل أن التمركز الرأسمالي في روسيا كان أعلي منه في المانيا – نسبة المصانع عالية التركيز الرأسمالي للمصانع قليلة التركيز – و ذلك بفضل القفز مباشرة من الاقطاع للبرجوازية الكبيرة دون المرور بمرحلة المانيفاكتورة أي نمو رأسي سريع و نمو أفقي بطئ. أما علي مستوي الزراعة فرغم أن بعض الاقطاعيين أدخلوا تحسينات رأسمالية و استخدموا الالات لبرجزة مزارعهم فالاغلبية الكاسحة كانت اقطاعيات هائلة بدائية تعتمد علي جهد الإنسان و الحيوان . بل أن روسيا بفضل مساحتها و تنوعها لم تكن قد أختفت فيها المشاعيات البدائية التي هي حتي سابقة علي الاقطاع. و هي التي كان يعول عليها ماركس للانتقال المباشر للاشتراكية و هو بمعني معين ما قد حدث فعلا.
من المنطقي أن نري أن السلسلة تكسر من أضعف حلقاتها لكن دون أن نغفل عن أن هذة الحلقة الضعيفة جزء من السلسلة . و السلسلة التي نتكلم عنها هي سلسلة الدول الرأسمالية الإمبريالية الكبري المانيا و انجلترا و فرنسا و امريكا . لذا كان مستحيلا أن تقوم الثورة الاشتراكية في تركيا مثلا فهي حلقة ضعيفة أثناء الحرب العالمية الأولي و لكنها ليست جزء من السلسلة.
و لم يكن ممكنا لطبقة العمال – بحكم عددهم - انتزاع السلطة دون مساندة الفلاحين خاصة فقراء الفلاحين . و لم يكن ممكنا لهؤلاء أن يساندوا العمال دون أن يتحرروا من أرث قرون طويلة من الجهل و العبودية و هذا ما تكفلت به الحرب العالمية الأولي التي حولت ملايين الفلاحين إلي جنود. لكن حلف العمال و الفلاحين لا يكفي يجب أن تتوفر قيادة ثورية انتلجنسيا ثورية تدرك دورها التاريخي . و لروسيا تاريخ طويل مع الانتلجنسيا الثورية منذ ثورة الديسمبريين في مطلع القرن ال 19 . قرن كامل من الصراعات الفكرية و تناوب التيارات من الحركات الإرهابية الشعبوية لماركسية المثقفين للماركسية الثورية . لذلك كان للينين أن يفخر بأن ماركسيين روسيا هم من يقرأ أخر كلمة كتبتها اوروبا و هو نفسه علي كل حال أمضي معظم حياته لاجئ في أوروبا و غيره كثيرين. هكذا تكون لدي روسيا هذا الخليط المتفجر عمال و فلاحين و قيادة ثورية . ثم يجب أن نضع شخصية لينين الفذة ضمن هذة التركيبة فهو منظر ماركسي من الطراز الأول و محاور صارم و رجل دولة داهية ثم محرض شعبي يعرف كيف يستحوز علي قلوب و عقول مستمعية. و يكفي أن نقرأ ما كتبه عام 1902 في ما العمل . قال أن القيصرية نظاما عفنا يمكن لأي أزمة سياسية أن تطيح به لذا يجب أن نكون مستعدين. و حينما جاءت نذر الحرب العالمية الأولي أدرك لينين أهميتها التاريخية كرافعة للقضاء علي القيصرية فدعا الاشتراكيين إلي الانهزامية القومية . و انشقت الأممية الثانية علي اطروحته لكن التاريخ انتصر لفكرته بشكل لا يصدق.