|
|
الدكتاتور في رواية -الجرجماني- حسن حميد
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 09:15
المحور:
الادب والفن
يمكن اعتبار رواية "الجرجماني" من الروايات العربية الفريدة التي تناولت الحاكم العربي، فمن خلال الرسائل التي يرسلها "الجرجماني" (لصديقه) "ربعة" يمكننا فهم وتعرف على حكامنا وكيف ينظرون إلى الشعب، إلى الوطن، المحيطين بهم، النساء، الغرب وإسرائيل، الأمن والقائمين عليه، فنحن أمام شخصية تهيمن على السرد من ألفه إلى ياءه، حتى أن الشخصية "ربعة" التي يراسها لا ترد على رسائله، بمعنى أننا أمام شخصية مسيطرة لا ترى إلا ذاتها، وما الآخرين/ الشعب/ الدولة/ المؤسسات/ الأفراد إلا خدما لها وتحت أمرتها.
اللافت في الرواية أن كل الشخصيات التي تعامل معها "الجرجماني"ـ نساء، رجال، أقرباء، أصدقاء، أحباء ومحبوبات كلهم قتلوا، حتى "سعاد" التي كانت سببا في إنقاذ مجموعة من الأشخاص تم قتلها لاحقا، من هنا يمكننا فهم تغيب "ربعة" الشخصية التي من المفترض أن نسمع صوتها ـ فرغم كثافة وحميمية الرسائل التي وجهت لها ـ يمكن فهمه من باب أن كل من عمل وتعامل مع "الجرجماني" أو عرف شيئا عنه تم قتله وتغيبه، ويمكن فهم الرسائل الأخيرة التي أرسلها في خاتمة الرواية التي تؤكد عدم وجود "ربعة" "ربعة" يفترض أنه الصديق الأقرب/ الوفي/ الحميم/ الأوحد/ المرآة التي رأى في "الجرجماني" نفسه تم قتلها/ تم تغيبها كبقية الشخصيات التي أزيحت من أمامه، فالأسباب متعلقة بطبيعة ونفسه هذا الرجل الذي وجد ليقتل ويبطش بالآخرين، رغم الخدمات الجلية التي قدموها له. طبيعة الجرجماني سنتوقف عند طبيعة هذه الشخصية وكيف تعامل وتتعامل مع الآخرين، وكيف تنظر إليهم، فهو يأخذ/ يعمل (بحكمة) سمعها من "رمزي" العجوز تستند على هذه الأسس: "الحكم يستديم بالخوف منه وعليه، بالخوف تستمر وتعيش...الحاكم لا طرق مستقيمة له، بل لا يعرف الطرق المستقيمة، ولا صاحب له سوى الشك، والحكم ينتهي حين يتلاشى الظنة بالآخرين" ص703، بمعنى أننا أمام حاكم يعتبر الخوف والشك بالأخرين، وخوف الأخرين والشك ببعضهم، أساس لاستمراره في الحكم، من هنا لم يسلم من بطشه أحد، وكل من أقام معه/ معهم علاقة، أو تعرف عليهم تم قتلهم، فكان يقتل لأتفه الأسباب، "زيدان" معلمه، يتم قتله: لأنه أخبر الآخرين انه أعطى "الجرجماني" قميصا: "لذلك التهمته سيارة قرب رصيف" ص465، وفي كل رسالة أرسلها إلى " ربعة" كان يتحدث عن القتل، شخص أو مجموعة أشخاص، حتى أنه في إحدى عمليات القتل وصل العدد إلى 684 شخصا دفعة واحدة،. عقدة اليتم يقول "خليل حمد" في كتابه "الأيتام مشاريع العظماء" على أن غالبية المبدعين/ العظماء في العالم كانوا أيتاما، وقد أثر اليتم عليهم إيجابيا، بحيث كان سببا في وصولهم إلى ما وصلوا له من مكانة، علمية/ سياسية، أدبية/ أخلاقية/ فكرية، هذا الأمر ينطبق على "جرجماني" الذي يحدثنا عن طفولته حيث فقد أباه وهو طفل، وتزوجت أمه وتركه لعمه وزوجته "رضوى" التي اعتنت به وربته كأحد أولادها، نجد عقدة اليتم حاضرة من بداية الرواية حتى نهايتها، فبين الحين والآخر نسمعه يقول: "وقد اقترب الأستاذ فيصل عبسانة مني واقتربت منه، لو أنه أبي، ولكم ساءلت نفسي، لو قيض الله لي رؤية والدي والعيش في كنفه، ترى أكان ودودا رحيما محبا عطوفا ناصحا صافيا مثل الأستاذ فيصل عبسانة" ص474، عقدة فقدان الأب لازمت "الجرجماني" وكان أحد أسباب قسوته وبطشه، فبدا وكأنه من خلال قتله للآخرين، يحاول الانتقام من المجتمع/ البلد الذي حرمه من أن يكون له أب وأم يتمتع بحمايتها وحنانهما. ونجد هذه العقدة بقوله: "أنا ولدت في كف مغارة لا أول لها ولا آخر، ولدت في مكنف الفقد، أبي لم أعرفه، وأمي لم استطع نقش صورتها في قلبي، فظللت كائنا أنطر قلبي ببكاء كتوم كلما نادى أحدهم: يا أبي، يا أمي، كيف لمخلوق مثلي يا ربعة، لا أب بلا أم أن يضبط حدود قناعته، الأب والأم حارسان للحدود" ص498و499، نلاحظ أنه يقدم ذكر الأب على ذكر الأم، وذلك لأن الأب غادرة الحياة دون إرادته، بينما الأم قررت تركه بعد أن تقدم رجل لزواج منها، فهي تتحمل أثما/ ذنبا، لهذا نجده يتحامل عليها، رغم ما فيه من حاجة إليها وإلى حبابها وحنانها: "لأنها لم تسأل عني مرة واحدة، على الأقل لم تقل لي زوجة عمي رضوى أنها سألت عني يوما، أو أنها تركت لي ثوبا أو علبة حلوى أو بعض النقود، أبد، بل لم تقترب من بيت عمي مرة واحدة لتسأل عني، لا حين كنت طفلا ولا حين صرت في سن المدرسة الابتدائية" ص508، نلاحظ الحاجة العاطفية التي يعاني منها "الجرجماني" فيبدو أحيانا طفل وديع يبحث عن الحنان والحب، لكن بعد أن نكمل ما كتبه في رسالته، نجده وحشا بثوب بشر، فهو يتحدث عن بكاءه وحزنه وعاطفته وتعاطفه، لكن أفعاله، أعماله/ سلوكه عكس ما يحمله من مشاعر، فأي منهما نصدق؟ ما يشعر به أم ما يفعله!؟ الأم بالنسبة "للجرجماني" كانت أثمة، خاطئة بعد أن تركته وفضلت رجلا آخر، من هنا عندما سمع خبر موتها من "رضوى زوجة عمه، نجده بهذا الحال: "أنت أمي، ومالي من أم سولك، قالت لقد جاءنا خبر وفاة امك، تعسرت ولادتها، فماتت هي ومولودها، قلت وانا أنظر إليها، ماتت؟ قالت ماتت، ولم تدمع لي عين، بدا لي الخبر حياديا تماما كأنه لا يعنيني أبدا" ص512، رجل محايد تجاه موت أمه، وهذا حقه، أمر طبيعي، فهو لم يعش أو يشعر يوما بوجدها أو بحنانها، فهي غائبة عنه، وغيابها نهائيا لا يعني له شيئا. رغم هذا الجفاء تجاه امه البيولوجية، إلا أنه أن كان يشعر بحاجته إلى أم، فعندما كان يقابل الأمهات تتفجر فيه الحاجة إلى عاطفه الأمومة، لهذا حاول البحث عنها رغم خبر رحيلها، بعد بحث، يجد أسرة يتماثل حال الزوج والزوجة بحال أمه وزوجها، بعد مقابلته هذه الأسرة: "كنت أتمنى لو أنها كانت أمي لأمرغ وجهي في صدرها لأبكي في حضرتها، ولأراها تبكي، أنا أبكي لأني وجدتها أخيرا، فصار لي، مثل خلق الله، أم اهفوا إليها وأناديها، واشكوا لها، وأحن إليها، وهي تبكي لأنها لم تشبع مني، لم ترني أمشي خطواتي الأولى، ولم ترني أبكي فألوذ بصدرها، ولم تسمع ندائي عليها، ولم ترني وأنا أذهب إلى المدرسة. تمنيت لو أنها أمي. أصارحك يا ربعة، لم أقو على ضبط دموعي، لأنني شعرت بأنني فقدت، أمي.. وإلى الأبد" 515، إذن هناك حاجة لم يحصل عليها "الجرجماني" رغم ما وصل له من مكانة، لهذا نجده يريد أن يكون سويا كباقي الناس، فيمكنه من خلال الأم أن يتخلص/ بتحرر ـ لو قليلا ـ من بطشه وقسوته وعنفه، فيكون كباقي البشر، أو قريبا منهم، لهذا يعترف بأنه لم يقو على ضبط دموعه، كتأكيد حاجته للأم. يذهب "الجرجماني" في رحلة بطائرته إلى الريف بعيدا عن صخب الحياة وقسوتها، وأثناء الرحلة: "كنت أفكر بأمي التي لم أشبع من شمها، لم أشبع من رؤية وجهها، ولم اعرف جمالها، ولا طولها، ولم أسمع نبرة صوتها...أحسست بأنني لم أعش طفولتي ولم أعرف حضن أمي كما ينبغي، ولا معنى عودة الآباء إلى البيوت بعد يوم طويل من العمل والتفكير، لم أعرف النقود من يد أبي أو يد أمي، لم أطلب منها ثوبا باكيا، أو طعاما، أو كتابا" ص663، نلاحظ في المقطع السابقي كثرة استخدم حرف النفي والجزم لم، "الجرجامني" من خلال استخدام "لم" وما يتركه من أثر ـ حذف حرف الياء والألف ـ على الفظ اللاحق له، فمن خلال أثر حرف "لبم" يوصل لنا حالة النقص/ العقدة التي يعيشها، فهو كألفاظ (الناقصة) غير مكتملة، يريد إيصال وجعه من خلال "الألف والياء، لكنه لا يستطيع، فبدا حالة/ حياته ناقصة ولا يمكنه إكمالها، فهناك حقائق: زمن، مكان، أحداث، أشخاص لا يمكن تغييرهم أو استبدالهم، لهذا كتب عليه أن يكون بلا أب، بلا أم، وعليه أن يعيش هذا الحال. ثقافة الجرجماني رغم أننا أمام شخصية متناقضة، تشعر بشيء وتفعل نقيضه، شخصية قاسية/ قاتلة لكل من تعامل/ تواصل/ وتعرف عليها، إلا أنه كان مثقف، يعرف الكثير من المعارف، الأدبية، التاريخية، السياسية، وحتى يعرف نفسة، من مظاهر الثقافة التي يمتلكها، عندما تحدث عن الحرب العالمية الثانية، وبعد أن واقتحم هتلر الاتحاد السوفييتي خاطبت القادة الجيش والشعب ليهبوا: "دفاعا عن تراث بوشكين ودوستوفيسكي وتولستوي وتشيخوف" ص478، فهنا يظهر "الجرجماني" معرفته التاريخية والأدبية، فهذه الأسماء لها مكانتها العامية في الأدب والفكر. وعن ثقافته بالأدب العربي يتحدث عن رواية الطيب صالح وروايته: "موسم الهجرة إلى الشمال... وتلاقي روحين وجغرافيتين، لونين، وثقافتين، ومزاجين، وطبعين، وحاستين بواسطة قوة لا تعادلها قوة الدنيا... هي قوة الحب...كم تمنى الواحد منا لو أنه كان مصطفى سعيد تلك المرأة الإنكليزية" ص407، هذه الفقرة تشير إلى قدرة "الجرجماني" على فهم الأدب وما فيه من أفكار، كما أننا نجده يحفظ أسماء الشخصيات الروائية، وهذا يشير إلى تأثره بما يقرأ، لهذا بقي اسم بطل الرواية عالقا في ذهنه. كما نجده ملما بالكتب الغربية وبمن ترجمها: "وكدت، يا ربعة، لولا الحياء أن أقول لها جملة قرأتها في رواية مجدولين التي ترجمها الكاتب المصري المنفلوطي" ص500، ونجده مطلعا على كتاب كليلة ودمنة: "وأخذت كتاب كليلة ودمنة كي أقرأ فيه" ص201، كما يدخلنا إلى كتاب "ألف ليلة وليلة" ويقرأ لنا الكتاب بصورة المحلل الأدبي الذي يستطيع سبر أغور النص والدخول إلى ما هو أبعد من الأحداث: "لم تقل ألف ليلة وليلة عن سياسة شهريار، ولا عن قوة الحكمة، ولا عن خصومة الطامعين بملكه إلا تلميحا، وإنما حدثتنا عن الحب في وجهيه: العنيف أولا ثم العاطفي، ألف ليلة وليلة درس كبير لكي ينتبه الرجل طوال حياته إلى المرأة لأنها دارة الفرح، وان تنتبه المرأة طوال حياتها إلى الرجل لأنه دارة الفرح، بهما تصير المعادلة الحياة (الحياة فرح) تامة وزينة مثل الشمس تتوسط السماء فلا يسيل منها سوى الضوء... والضوء فرح" ص703، مثل هذه القراءة للكتاب تشير إلى شخصية القارئ الناقد الذي يرى/ يكتشف في النص ما يتجاوز السطح، ففكرة التوازن التي قدمها "الجرجماني" تؤكد قدرته على سبر أغوار النص، واستخراج الأفكار الكامنة في الأعماق. ونجده يعرف كتاب "الأمير" لميكافيلي: "والله لم أجد له ما يماثله سوى ما جاء في كتاب الأمير" ص612، وأكثر من هذا يقودنا إلى جلجامش وأنكيدو: "استعدت صداقة جلجامش وأنكيدو ... كان كائنا إلهيا في ثلثي جسده، ولم يبق له لتتميم ألوهيته سوى الثلث الذي جاء من رجل بري عشقته أمه الإلهة، لا ادري ما كان أسمها لعلها ننسو أو ننسون" ص534، فهذا التفاصيل عن جلجامش يشير إلى أننا أمام شخصية واسعة الاطلاع، تعرف أهم ما أنتجته البشرية من آداب وأفكار. وهنا، نتوقف قليلا لنعرف طبيعة "الجرجماني" وكيف أن غياب الأم كان مؤثرا فيه، في مقطع أخر يتحدث عن ملحمة جلجامش بهذا الشكل: "تذكرت حديثك عن ملحمة جلجامش، وكيف عاون أنكيدو صديقه جلجامش للقضاء على شيطان الغابة، نسيت اسمه، وكيف كنت تصف لنا ضربات الحطابين جلجامش وأنكيدو" ص662، فهنا لم يتذكر "الجرجاني" اسم حارس الغابة "خمبابا" وهو من أهم الشخصيات السلبية في الملحمة، بينما تذكرـ أو حاول تذكر "ننسو/ ننسون" اسم أم جلجامش، ففقدانه لأمه ـ أستحث العقل الباطن فيه للتذكر أم جلجامش ـ بينما عندما كان الحديث يتمحور حول شخصية شريرة "خمبابا" ـ وهي تتماثل مع شخصية "الجرجماني" بقسوتها وبطشها ـ أثر الهروب وعدم تذكر الاسم، فبدا من خلال القفز عن اسم "خمبابا"، وكأنه يقفز عن نفسه، عن بطشه، عن قسوته، وهذا ما يكشف لنا نفسية "الجرجماني" التي تتهرب من أفعالها وبطشها. أما معرفته التاريخية فنجدها في: "هتلر،، يا ربعة، لم يتحدث عن الماضي والتاريخ والأنساب، وبسمارك أيضا، ونابليون، وجورج واشطن، وغاندي، ولينين، وستالين، وو... الكثير من أبناء العالم ما أحد منهم اهتم بالماضي وتاريخ الأجداد" ص567، ويفهم الأنبياء والرسل ودورهم وتأثيرهم بهذا الشكل: "الناس يا صديقي ما احترموا الأنبياء والرسل لأن اللطف والرهافة والرقة والصبر والبشاشة صفات طبعوا بها، ولم يهبوهم وهم أهل معجزات، احترموهم وهابوهم عندما أظهروا قوتهم، ستالين يا ربعة، ما أقام ملكه إلا بواسطة صورته المرعبة" ص569و570، كل هذا يجعلنا نقول إننا أمام شخصية مثقفة، تعرف الكثير من المعارف، وما استمرار حكمها وسيطرتها على مقاليد الحكم، إلا نتيجة اعتمادها على ما تملكه من ثقافة ومعرفة وتحليل وأفكار. الغرب ودولة الاحتلال اللافت في شخصية "الجرجماني" قدرته على فهم السياسة الغربية في المنطقة، فيعطينا تحليل/ فهم عميق/ ناضج واعي لأهمية المنطقة بالنسبة للغرب،: "ما آمنت يوما، ولا صدقت، أن الغربي المتوحش طوال تاريخه، قد يفكر بصالح البشرية، أو بصالح أمة أو بصالح شعب، لا لشيء، إلا لأنه تربى على أن يفكر بمصلحته هو وحده" ص 606، لهذا أوجدوا دولة (إسرائيل) التي يتماثل دورها مع حصان طروادة: "وإسرائيل تريد أن تكون دولة يهودية، والأمريكان والغرب لا يريد دولة دينية، ولكن خلق دولة عربية إسلامية سيشرعن وجود دولة يهودية ذات سيادة، وحماتها الأمريكان وأوروبا" ص603، كما نجده يفهم تركيبة دولة الاحتلال ومما تتشكل: "فالروسي ما زال حين يسكر يغني بالروسية داخل المقهى...هذا مجتمع يعيش على أوكسجين اصطناعي، وكنت أقصد المجتمع الإسرائيلي، هو مجتمع مصالح، مجتمع لا يتطور اجتماعيا، ولا يمكن له أن يكون نسيجا موحدا" ص605، فهناك عداء مطلق بين الجرجماني وبين الغرب ودولة الاحتلال، وهذا يحسب له، فهو يسير في مسار معادي لمصالح الغرب الذي يراه عدو منذ الأزل وما زال: "لقد حددوا لي ما هي الآلات التي سأستوردها، وما هي المحاصيل التي سأزرعها، ومن هي الشركات التي ستعمل في مجال مكننة الزراعة وتحديثها. هذا الثالوث الملعون هو من وقف في وجهي حين رأيت أنه لا بد من إنشاء الجامعات المعنية بالزراعة لتطويرها في الأرياف، قالوا عبر رسائل تهديد وتخويف ووعيد، هذا ممنوع، من الممنوع أيضا عدم إقامة معامل المنتجة لألات المكننة الزراعية، أمريكيا قالت لا، والغرب قال لا، إسرائيل وعدت بتدمير الجامعات، فقالوا لي التطوير الاقتصادي خط أحمر" ص681، الحديث بمثل هذه الصراحة والوضوح يبين طبيعة الدول الصغرى التي لا بد لها أن تكون خاضعة للأعداء/ للغرب، فالهيمنة هنا ـ هيمنة غير مباشرة ـ من خلال تنفيذ أوامر وتعليمات الغرب تضعف الدولة وتكون تابعة للآخر، وليس لها أي سيادة على أرضها،.، هذا حال المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، فهي دول تابعة مجرورة للآخر/ للعدو. وينظر إلى تقسيم المنطقة إلى دول عدة بهذه الشكل: "الدول الصغرى اليوم ما عاد لها أهمية، إنها قطع سكر...ستذوب، الزمن الآن زمن التجمعات الكبيرة" ص602، نلاحظ أننا أمام شخصية تعرف وتعي وتفكر بطريقة موضوعية، ففي عالم التحالفات الكبيرة والأقطاب ما عدا يمكن للدول الصغيرة أن تفعل شيء سوى قول: نعم، حاضر لما يمليه الغرب عليها. الحاكم الجرجماني أما عن طريقة تعامل الغرب مع الحكام، يقول: "يشعرونك بأنك أهم شخصية على وجه الكرة الأرضية في لحظة، وأنك لا شيء، لا شيء على الأطلاق في لحظة أخرى" ص676، هكذا يتم التعامل مع الدول مع حكامها، فغياب المؤسسات واقتصار الحكم على شخص بعينة، يمكن السيطرة بسهولة على مركز القرار في الدولة، وتنفيذ ما يملا عليها من الخارج، دون وجود بديل، خطة باء، يمكن الأخذ والعمل بها للتخلص من الهيمنة الغربية التي تطحن كل من يقول لها لا، يتحدث "الجرجماني" عما جرى معه بعد أن خاض حربا حاول فيها استعادة ما سلبته دولة الاحتلال من أراضيه: "الخسائر كانت كبيرة، خسائر في الاقتصاد والأرواح والحضور السياسي، والأدهى والأمر أنني تعهدت بعدم المحاولة مرة أخرى لاستعادة الجزء المغتصب من الأرض، وعليّ أن احرم مبادئ الجوار والسيادة الوطنية وعدم تسليح الجيش ووقف الدورات التدريبية واكتساب الخبرات داخل البلاد وخارجها، لقد هددوني ببقائي، يا ربعة، أي اقتلاعي من مكاني، وتحويل مسؤولياتي إلى آخر" ص599، هذا حال كل حكام دول (المواجهة) فما هم إلا حكام/ موظفين لدول ضعيفة، لا يملكون من زمام أمرهم شيء، وما لهم إلا التقيد وتنفيذ ما يأتيهم من تعليمات وقرارات من الغرب. المرأة ضمن هذا الواقع البائس كان لا بد من إيجاد مخففات تسهم في تسهيل تمرير هكذا أحداث، هكذا شخصية تبطش بكل شيء، حتى الحيوانات قتلتها، فكانت المرأة والعلاقات النسوية التي تكررت في العديد من الرسائل التي أرسلها "الجرجماني" إلى صديقه "ربعة" وما فيها من مشاهد جنسية وحديث عن جمال النساء ولهفة اللقاء، جاءت كعمال تخفيف للمتلقي أكثر منه كأحداث روائية، خاصة أن الجرجماني تحدث عن أكثر من امرأة كحالة خاصة، حتى ظهر للقارئ وكأنه زير نساء، لا يشبع منهن. ـ وهنا لا يتسع المجال لذكر أسمائهن جميعا، فبما بالنا بحيثيات اللقاء وما فيه ـ الكتابة لكن المثير في الرواية أنها تتوقف عند عناصر الفرح/ التخفيف: المرأة، الطبيعة، الكتابة، وقد تحدثنا ـ سابقا ـ عن رحلة الجرجماني الريفية في الطائرة، لكنه هنا يتحدث عن الكتابة وأثرها في التخفيف عليه: "تعال وكن لي رواية...لتخرجني مما أنا فيه من ضجر وحزن وتفكير" ص454، فهنا يؤكد بطل الرواية وساردها الوحيد دور الكتابة في تخفيف ازمته النفسية، ودورها في إزالة الاضطراب/ الضجر الذي يمر به: "بت لا اعرف النوم، وفي أكثر الليالي، إلا بعد أن أكتب إليك، لعلك غدوت نوعا من أنواع الأدوية لكي يتوقف رأسي الدائر مثل حجر الطاحون ليل نهار...بت أكتب إليك كي لا أغرق بكل ما عرفته من أحزان" ص 642و643، وهذا ما يؤكد قولنا إن كثيرة النساء في الرواية ما جاءت إلا من باب تخفيف القسوة وتمريرها بأقل الأضرار النفسية على المتلقي. فإذا كان "الجرجماني" لا يستطع الحديث عن القسوة إلا بوجود وحضور المرأة، ووصف جمالهن وما يمنحن من متعة وسكينة له، فما بالنا بالمتلقي الذي لم يعد يقدر تحمل ومتابعة مشاهد القتل والاضطهاد التي يقرأها ويشاهدها ويعيشها يوميا!؟ خاتمة الرواية في خاتمة الرواية كانت الرسائل قصيرة، وبدت وكأنها رسائل توديع ل"ربعة" الذي لم يجب على أيا من رسائل الجرجماني: "أرسلت المسؤول عن الداخلية للبحث عنك. أخبرني أنه لا يوجد أحد يحمل اسمك في كل البلاد التي ذهبت إليها، لهذا أسألك: هل غيرت اسمك، أو غيرت البلد الذي كنت فيه؟ ...إن فعلت هذا أسالك لماذا؟ أهو الخوف منس يا ربعة، أم هو الطلاق مع كل ما له غلاقة ببلادنا؟ أم هو شيء آخر. إن وصلت رسالتي هذه...أخبرني، فقلبي يدق للمرة الأولى خارج صدري" ص713، ونجد إشارات إلى عدم وجود شخصية "ربعة" وهذا أمر (محير) كيف يتم أرسال ما يقارب ثلاثمائة صفحة حجم كبير إلى شخص غير موجود؟ وكيف امتلك المرسل "الجرجماني" القدرة على إتمامها وأرسالها إلى شخص لم يرد عليه حتى بكلمة، برسالة واحدة؟ السارد يؤكد عدم وجود شخصية "ربعة" أصلا، فلا وجود لها، وكل ما ذكره "الجرجماني" عنها ما هو إلا وهم/ خيال، فلم يكن معه في الكلية الحربية، ولم يتم تخريج أي شخص يحمل اسم "ربعة" واكثر من هذا، المجتمع/ المكان الذي عاش فيه الجرجماني" لا يسم اسم "ربعة" لأنه اقرب إلى المؤنث منه إلى المذكر، والمجتمع ذكوري: "الآن يا ربعة هل أنت اختراع، وخيال، وحال لا وجود لها أصلا؟ أن قدر لك أن تجيب قل لي: نعم، أنا كذلك، كب ارتاح! ربعة، كان لا بد لي من أن أتحدث إليك كي لا يطق عقلي، كي لا ينفجر، وكي لا أشعر بأن لا صديق لي فوق هذه الأرض، وكي لا يصير صدري مستودعا طويلا طويلا وعميقا عميقا...مكتظا بهمومي. ربعة لم أقل في حياتي لرجل ولا لامرأة: أحبك لك أنت، أنت وحدك أقول: أحبك" ص717، بهذه الفقرة تم ختم الرواية وإنهائها، فهل نأخذها على أنها رسالة (حقيقية) كباقي رسائل "الجرجماني" التي أرسلها؟ أم نعتبرها بمثابة تأكيد/ توثيق كجريمة إضافة تضاف إلى جرائم "الجرجامي" الذي لم يبق أي شخص تعامل معه أو تعرف عليه!؟ الرواية من منشورات الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، الأعمال الكاملة، المجلد الثاني، رام الله، فلسطين، طبعة 2021.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المضمون والألفاظ في ديوان -جذوة الغضب- حبيب الشريدة
-
الاحتلال في مجموعة متاهة حمراء المتوكل طه
-
الفنان والمرأة في رواية -التحفة- إميل زولا
-
تنوع الشكل والمضمون في مجموعة ابن سكينة رمضان الرواشدة
-
الحلول في قصيدة -رأيك فيّ- مأمون حسن
-
رد على ما جاء في مقال:-دعوة إلى قراءة نقدية وحوار فلسطيني وع
...
-
القسوة والفرح في قصة -وردة أم شوكولا- ميادة مهنا سلمان
-
أهمية الفكرة وضعف عرضها في رواية -المنبعث- عدوان نمر عدوان
-
قطاع غزة في رواية -مقبرة الأحياء- رجب أبو سريه
-
المرأة المثقفة في رواية -الفردوس اليباب- ليلى الجهني
-
الجديد في كتاب -مشكاة في النور- كامل أبو صقر
-
الأنا وحلول الشاعر في قصيدة -أنا موضع الجملة البكر- أحمد الخ
...
-
التراث والحداثة في قصة -الشجعان والمارد العملاق- نزهة الرملا
...
-
موت الشاعر في قصيدة -مات أنا- للأديب السوري سليمان أحمد العو
...
-
حصار بيروت في رواية -حياة حصار- فيصل الحوراني
-
القيم في رواية -الربان الجريء- عبد التواب يوسف
-
الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي
-
الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
-
الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
-
الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
المزيد.....
-
في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي
...
-
الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار
...
-
الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم
...
-
عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع
...
-
سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
-
علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
-
في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا
...
-
ترامب يطلب من رئيس -يو إف سي- للفنون القتالية تولي منصب المت
...
-
-واحدة من مليون-.. فيلم يوثق 10 أعوام من رحلة لاجئة سورية
-
مهرجان سينمائي يمنح المصابين بأمراض نادرة حق رواية قصصهم
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|