|
|
تنوع الشكل والمضمون في مجموعة ابن سكينة رمضان الرواشدة
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 22:34
المحور:
الادب والفن
جميل أن نجد الأديب مهتم بما يواكب بمتطلبات العصر، ويقدم ما يليق بثقافة المتلقي وما يتناسب وعصر السرعة والفضاء المفتوح، فغالبية القصص جاءت من خلال، ثلاث صفحات أو صفحتي، وهذا يشير إلى أننا أمام مجموعة عصرية، حديثة، تتجاوز القصص الكلاسيكية، فالقاص قدم مجموعة مثالية، على صعيد الحجم، أما فيما يتعلق بطريقة التقديم، فنجد أن هناك قصص واقعية، وقصص رمزية، وقصص فانتازيا، أما في ما يتعلق بشكل التقديم فنجد فيها ما هو العادي وما هو الساخر، بمعنى أن القاص قدم كل الفنون القصصية في مجموعته "ابن سكينة" وكأنه يقول: أنا المبدع أبن سكينة الذي أنتج هذه المجموعة. هذا على صعيد الشكل وطريقة عرض القصص، أما فيما يتعلق بمضمونها/ فكرتها، فنجد فيها ما هو شخصي متعلق بالقاص كفرد، وما هو عام، إن وطنيا أو اجتماعيا أو سياسيا، بمعنى أن المجموعة تتحدث عن أكثر من مسألة وحالة وظاهرة وحدث، وهذا ما يجعلها تلبي طموح العديد من الأمزجة. المجموعة مكونة من ست عشرة قصة ـ منها قصة "طريد الشوارع" ـ خارج نطاق أدب القصة، لكن يبدو أن "جمال زهران" له مكانته الخاصة عند القاص، فآثر وجود نص متعلق به في مجموعة "ابن سكينة" سأحاول التوقف عند كل قصة في المجموعة، وأبدأ بقصة العنوان "ابن سكينة" حيث يتوقف فيها القاص عند رحلته من عمان إلى الشوبك، رحلته من المدينة إلى الريف، اللافت في القصة أنها تتحدث عن "سكينة" بصيغة الغائب، فالقاص يقص ـ قبل الرحلة ـ ما جرى بينه وبين والده، دون أية إشارة عن أمه، وهذا يشير إلى أن أمه توفت وهو صغير، فلم تكن حاضرة أثناء الرحلة، وما يؤكد هذا الأمر حديث شقيقه عن أمه ولماذا ينسبونهم إلى سكينة وليس إلى أبيهم "إسماعيل": "هذه مدعاة للفخر، فأمك من النساء المشهورات في الشوبك، وهي شيخة من دار أبيها الشيخ، وكانت فاتحة بيتها في إربد وعمان للكرم والضيافة للقادمين كلهم من الشوبك، وكانت تستقبل في بيتها المراجعين للدوائر عمان وللمستشفى العسكري الرئيسي في منطقة ماركا" ص12، وهذا ما جعل بنية القصة متناسقة، فامتعض القاص من الذين نسبوه إلى أمه وليس إلى أبيه، يشير إلى تبيان الثقافة بين المدينة التي يعتبر فيها اسم المرأة (عيب) وبين الريف الذي يكرمها ويجعلها ذات شأن ومكانة، من هنا وجدنا أضافات من القاص في ذكر مكانة النساء في جنوب الأردن. واللافت في القصة أنها تأخذنا على العقد السادس وأوائل السابع من القرن الماضي، وكيف كانت الحياة في الأردن، وهذا ما يجعلها قصة تحمل بعدا (توثيقيا) للحياة الاجتماعية السائد في ذلك الزمان. قصة "أم عودة" تتحدث عن المرأة التي يستشهد زوجها في حرب تشرين عام 1973، حينما واجهت فرقة الدبابات الأردنية قوات الاحتلال على الجبهة السورية، ما أدى إلى استشهاد "عودة" كانت أم عودة حامل قبل استشهاد زوجها، وبعد أن تضع مولودها تقرر أن تسميه على أسم أبيه "عودة" وعندما يشب، ترسله إلى الجيش ليكون جنديا كأبيه، أنتشار الدواعش في المنطقة العربية، تأثر به الأردن، وكان له نصيب من شرهم وإرهابيهم، يقوموا الدواعش بخطف مجموعة من السياح والمواطنين الأردنيين في قلعة الكرك، مما يستدعي تدخل القوة العسكرية، يذهب العقيد "عودة" في مقدمة الفرقة المهاجمة، تصيبه رصاصة ويسقط شهيدا كأبيه، هذا ملخص للقصة، أما الطريقة التي قدمت بها فهي المثيرة، ففي بداية القصة استخدم القاص هذه الفقرة: "كنت أراها مرتين يوميا، في الصباح حينما أذهب إلى عملي في مبنى محافظة الكرك، وفي المساء حين أعود" ص17، وفي خاتمة القصة يستخدم نصف الفقرة: "كنت أراها مرتين يومين، والدموع تكبر في عينيها وتسيل كل يوم، حتى فاضت الأرض بها، وعلى باب دكانها كان الورد يطلع على غير عادته الذابلة... كان وردا لا يذبل. كنت أراها مرتين يومين " ص 19، هذا التكرار يقودنا إلى علاقة مرتين المشاهدة بالفاجعة التي حلت "بأم عودة" التي تفقد زوجها عام 1973على يد الاحتلال، وابنها على يد الدواعش عام 2016، والأثنان استبسلا في المواجهة، الأب: "قبل: إن دبابته احترق بفعل غارة جوية، يعد أن أوقعت خسائر كبيرة في العدو، وإنه احترق ورفاقه في الدبابة، ولم يبقى من رفاتهم شيء، ورواية أخرى تقول: إنه فجر نفسه في دبابه صهيونية" ص18، والأبن: "في تلك الليلة كان العقيد "عودة الكركي" في مقدمة مقتحمي القلعة لتحريرها من الإرهاب والإرهابيين، وقاتل بشراسة مثل والده الشهيد، لكن رصاصة غادرة أصابته وهو مقبل غير مدبر" ص19، هاذين المشهدين لهما علاقة بفقرة "كنت أرها مرتين" التي كررها القاص ثلاث مرات، وكأنه من خلال التكرار يريد من المتلقي التوقف عند الحادثين، استشهاد الأب واستشهاد الابن، والربط بين العدوين، الصهيوني والدواعش. قصة "المطحون" تتناول الواقع الطبقي، "سالم المطحون" شاب يأتي إلى المدينة للعمل، فهو يعيل أخوته الأربعة وأمه، لكنه لا يجد عمل، رغم انه توقف كثيرا مع عمال آخرين أمام المسجد الحسيني دون أن يأتي من يشغله، يقرأ لافته عليها كلمة بار، ولا يدري ماذا تعني، يطلب شايا، لكن النادية تأتيه بكأس من الخمر، بعد أن تأتي فاتورة الحساب، لا يجد في جيبه ما يسد قيمتها، رمى به إلى الشارع، يجول في الليل وحيدا، ويلاقي كرتونه قرب حاوية قمامة، يضع نفسه في الحاوية ويغطي نفسه بالكرتونة، تأتي سيارة النفيات ويلقى فيها، ليطحن مع النفيات. في القصة نجد شيء من (حقد) على المدينة التي أكلت "سالم" وحرمت أسرته منه، حرمتها ممن يعيلها، فكان يمكن لسالم أن يبقى ويقدم ما يستطيع لأسرته لو بقي في قريته، لكن (سحر) المدينة ابتلعه وذهب به إلى غير رجعة. قصة "صاحب اللسان الطويل جدا" تتحدث عن احتجاجات الجنوب عام 1996 على رفع سعر الخبز، القصة توثيقة، وتبين الهوة التي تفصل الحكومة عن الشعب، فحكومة "الكبريتي" أصرت على القرار، ولم تأخذ بتوصية مجلس النواب، رفع السعر على مراحل، واتهمت المحتجين بارتباطهم بقوى خارجية، مما أدى إلى شن حملة اعتقالات طالت كثيرين، في السجن يتوقف القاص عن شخصية مثيرة، شخص موقوف لأنه متهم بالهتاف ضد الحكومة، لكن عندما حاول السجناء الاستفسار ومعرفة أسباب صمت هذا الشخص الذي لا يتكلم أجاب: "أبا أبا أبا" للافت في القصة الفانتازيا التي جاءت بها، فرجل أخرس يتهم ب: "قيادة المظاهرات والهتاف بسقوط الحكومة" ص33، مفارقة غريبة عجيبة لا تحدث حتى في الخيال العلمي، لكن في مكان تقوده حكومة لا ترى إلا نفسها، وتجد الآخرين متآمرين عليها، يمكن أن يحدث كل شيء خارق، وتجعلنا نعود إلى زمن السيد المسيح وأحياء الموتى والمشي على الماء، هذا حال الحكومة/ الحكومات العربية. قصة "الفرسان" القاص يحدد زمن أحداثها بخمسينيات القرن الماضي، حيث كان الفرسان يمثلون القوة الضاربة/ التنفيذية لجلب كل من هو مطلوب للحكومة، وقد أطلق عليهم الناس "إن الفرسان إذا دخلوا قرية أفسدوها" كان الناس يتعوذون من الفرسان كالشيطان الرجيم، لأنهم نكبة لمن سيحلون عليهم ضيوفا" ص37، طبعا المطاليب كانوا يعاملون بطريقة وحشية، يربطوا بالخيل، ويسيرون مسافات طويلة وهم مقيدون، ويتعرضون لضرب بالسوط كحال الخيل ليجبروا على الإسراع في السير، "عمران الراشد" من قرية "قميم" قضاء إربد" من المطاليب، يـأتي الفرسان إلى مختار القرية، يتم التعامل معه على أنه من المطاليب، يقيد، يضرب، يسير مسافات طويلة، لكن المفاجأة عندما: "أدخلوه إلى مكتب مصلح بيك بحالته السيئة. استشاط مصلح بيك غضبا، لأنه ـ حسب الرواية ـ وصلت له برقية ثانية من العاصمة، تطالب بالإسراع بجلب المطلوب عمران، لأنه مطلوب للتعين بالمديرية في العاصمة عمان" ص38، خاتمة مدهشة، رجل مطلوب للتعين في وظيفة يعامل بوحشية، فالقصة تبين حجم القسوة التي مارسها الفرسان بحق الآخرين، المعرضين وغير المعرضين، فقد كانوا (ضيوف) ثقال على الآخرين الذين أجبروا على إطعامهم وإطعام خيولهم، هذا عدا قسوتهم في المخاطبة والسلوك. قصة "الشاعر المسماري" تقدم صورة ساخرة عن المثقفين وطريقة تعاملهم من النص الحداثي، لقاء في مقهى السنترال في عمان بين الشاعر "علي المسمار" وبين "هيفاء غزال" يدور حول الشعر المسماري، وعن ديوان "مسامير الصحن" وكيف أن الإعلام يفرض سطوته على المتلقين: "إنك تجاوزت أدونيس وأنسى الحاج" لكن سؤال "هيفاء" وعن المقصود في الديوان، حيث يتبين أن "هيفاء" طالبة متواضعة ـ رغم أنها تقدم رسالة دكتوراة في الأدب ـ ونرى عقم الشعر المسماري حينما يقرأ "علي المسمار" شيئا من شعره أمامها: "لا مسمار لا مسمار على الحائط لا مسمار على الحائط على الإطلاق أين المسمار؟ أين الحائط؟. أيم الإطلاق؟" ص44، هذا هو الشاعر المسماري وهذه نموذج من متابعيه، فيا له من شعر هذا الشعر المسماري!!. قصة "الشمعة الأخيرة" قصة رمزية، حيث تتحدث عن مجموعة من المثقفين في أحدى النوادي ينقطع عليهم التيار الكهربائي، يشعلون الشموع بعد أن وعدتهم شركة الكهرباء بحل المشكلة سريعا، تبدأ الشموع في الذوبان، ولم يبق إلا شمعة واحدة، تدخل عليهم فتاة "والشمعة في آخر أنفاسها، سألتهم: أما زلتهم هنا في الظلام تنتظرون؟...أخرجوا إلى الشارع، إلى العالم، الجميع يمرحون ويفرحون وأنتم قابعون عنا! العالم في الخارج مضاء جدا" ص49، تنتهي القصة بهذا المشهد: "أمسكت صديقتي بيدي، وانفعنا إلى الخارج...بعضنا سقط وداسته الأقدام، وبعضنا الآخر واصل الجريان، وأنا وصديقتي ممسكان بيدي بعضنا، ما زلنا نركض...ولم نصل بعد" ص49، رغم أن القاص يبدأ القصة بالحديث عن حدث وشخصية حقيقية "حسان أبو غنيمة" إلا أنه تجاوز (الواقعة) لينقل القصة إلى عالم الرمزية، وهذا التحول يحسب للقاص الذي تحرر من حدث واقعي وأخذه إلى الرمز، وبما أنه تحدث عن إمساك يد صديقته واستمرار الركض وعدم الوصول للهدف/ للمكان فهذا يشير إلى مكانة المرأة ودورها في حياة القاص الذي يتقوى بصديقته التي تمده بالطاقة/ القدرة/ القوة على مواصلة الحياة. قصة "الانتحار" تتحدث عن القمع الذي يتعرض له الفرد في المجموعة، في المجتمع، في المؤسسة، يتم استدعاء القاص للحضور أمام هيئةـ تأخذ أفكاره إلى ما أقترف يداه: "مشكلة انتشار الفئران...كرهي للعصائر المحلاة...قصتي الأخيرة عن العناكب التي ملأت الزوايا" ص54، يبدأ القاص في مراقبة تحركات الآخرين، إلى أن يتم استدعائه إلى مكتب يجد فيه جميع أعضاء الهيئة حاضرين، ويسمع من كبريهم سبب استدعائه: "قررنا.. طبعا بالاستناد إلى ما تفكر به... وما تتمناه، وتحدث نفسك به كثيرا... قررنا أن تنتحر!" ص55، هذا صورة عن حالة القمع/ الاضطهاد التي يتعرض لها الفرد من قبل المجموعة/ المؤسسة، وهي صورة (واقعية) في المنطقة العربية، فالمجموعة/ المؤسسة تمثل قتل للإبداع، قتل للفرد، قتل للحرية، قتل للإنسانية، من هنا نجد الكثير من المثقفين يهجرون الأحزاب/ المؤسسات ويفضلون العمل منفردين. قصة "الرافضون" جاءت بثلاث مشاهد، الأول يتحدث عن الرافضون بصورة عامة وما يتعرضون له من قمع، ومن كافة الجهات، وفي المشهد الثاني تتحدث عن المفارقة بين الفكرة وصاحبها: صاحب الكرش...يتكلم من أعلى منخريه، سيجارة الكوبي بيد اليسرى، ونظارة عينيه متدلية، وساعته الذهبية واضحة للعيان، وخاتم الماس يزين إصبعه، وبدلته الفرنسية... يتكلم عن البروليتاريا والطبقة العاملة، وضرورة إنجاز الثورة البرجوازية" ص61، وعندما يأتي من يكشف حقيقته وحقيقة مستمعيه يتم ملاحقته/ا بالحجارة، أعتقد أن هذا المشهد فيه من الفانتازيا/ السخرية/ ما يجعله مشهد مثير، مشهد يبين حالة العقم التي تمر بها حركات التغيير/ أحزاب المعارضة العربية التي تقول ما لا تفعل، وتضع الرجل غير المناسب في المكان غير مؤهل له. المشهد الثالث يتحدث فيه القاص عن نظريته/ رؤيته/ فكرته للرفض الذي يرتبط بالمكان، فيؤكد: "هواي جنوبي، أيمم نحو الشمال، ورابية السلط... وحجارة أطفال القدس والخليل ونابلس ورام الله" ص62، فهو بهذا المشهد يشير إلى وحدة المكان، ووحدة الرافضون بين ضفتي النهر. قصة "يومياتي" يتوقف في القاص عند أيام الأسبوع، يبدأ من السبت حتى الجمعة، اللافت غي هذه اليوميات التناص مع العهد الجديد، فنجده يتوقف عن ثلاثة أيام، يوم السبت: "أن الأقربين إلي هم من يبيعون آمالي وأحلامي بثلاثين من الفضة قبل صياح الديك" ص67، ويوم الثلاثاء: "فأنت نبضي الذي به أعي، وأنت ملح خبزي، وكفافي اليومي، ربما أعطنا خبزنا.. حبنا، ولا تحرم القلب من الدخول في التجربة" ص69، ويوم الأربعاء: "والنهر عمدنا، وطهر يسوع قلبينا، فأنبتنا قبلا طاهرا مطهرا" ص69، تكمن أهمية هذا التناص في تأكيده وحدة المجتمع الذي يتنوع/ تتعدد فيه الأفكار والمعتقدات، فكل الأفكار/ الثقافات جاءت لتخدم فكرة التمرد، وعدم الانصياع/ عدم التسليم بما يحصل، وللافت في هذا التناص أن منه من جاء مخالف للنص، "لا تدخلنا في التجربة ونجنى من الشر" يقلبها القاص إلى: "ولا تحرم القلب من الدخول في التجربة" وهذا التغريب له علاقة بالحالة التمرد التي تحدث عنها القاص في يومياتي" ولها علاقة بالمرأة التي أمدته بكل وسائل ومتطلبات الحياة/ الإبداع ليكون قاصا، فأراد تأكيد أهمية خوض تجربة الحب معها. قصة "القزم" تتحدث عن "سعيد" القزم الذي يتخلص من طويله بعد أن أخذ بوصفة "ضارب الطلب النوري" وأصبح رجل طويل القامة كحال بقية الرجال، لكن أهل القرية بقوا متمسكين بلقبه "القزم" ويسخرون منه رغم أنه أصبح بهيئة طبيعية، يغادر "سعيد" القرية" ويبقوا أهل القرية متمسكين باللقب، وهذا ما جعل القاص ينهي القصة بقوله: يا إلهي كم مر علينا من الأقزام في حياتنا" ص 75، فهنا إدانة لأهل القرية الذين ظلموا أنفسهم قبل أن يظلمون "سعيدا" وأثبتوا أنهم جهلة، لا يعرفون ألف باء الاجتماع. السواد نجده في قصة "العناكب" حيث تعم العناكب وتهيمين على كل شيء، حتى على القاص نفسه، في الأدبي، كما ذكرت الحشرات/ الحيوان يكون السواد/ الاغتراب هو السائد والمهيمن، وهناك رواية المسخ لكافكا، أفضل شاهد على هذا الأمر، لكن القاص في "العناكب" يواجهها، يتحداها، إلى أن يتم وضعه في مستشفى الأمراض العقلية لمدة عشرين سنة، فيصبح حاله ـ بعد المكوث ـ كحال بقية الناس، مما جعله يحب العناكب ويصفق ويهتف لها، لكن هناك معضلة تواجه القاص، أبنه يحارب ويتمرد على الحالة العنكبوتية السائدة، ومعه أولاد أخرين، أخذوا يحطمون بيوت العنكبوت، ويزيلوا كل ما هو متعلق بعالم العناكب. إذا ما توقفنا عند هذه القصة سنجدها تجمع بين الفانتازيا وبين الرمزية، الفانتازيا نجدها في (تضخيم) عالم العنكبوت التي سيطرت على كل شيء، وهناك رمزية الأبناء/ الأولاد الذي نجحوا في القضاء على العناكب، القضاء على ما فشل به الآباء/ فشل به القاص، إزالة العناكب. قصة "الافتتاح" قصة ساخرة تتحدث عن الإعداد لافتتاح أعد له مدة عشرين سنة كاملة، يتم تجهيز كل شيء، لكن بعد وصول السيد الكبير لا يجد مقص يقص به الشريط، وهنا ينتهي حلم عشرين عاما من الإعداد والعمل والانتظار، لأن السيد الكبير لم يكلف نفسه (عناء) الانتظار حتى إحضار المقص. قصة (طريد الشوارع) المهداة "لروح جمال زهران، طريد الشوارع في قاع المدينة" ص 91، لم يستطع القاص التحرر من أثر هذا الرجل عليه، فجاءت (القصة) أقرب إلى نص نثري بعيد عن عالم القصة، حيث كانت مشاعر القاص هي المتحكمة فيه، وأنعكس هذا الأثر على النص، فكانت نصا أدبيا لكنه ليس قصة، وهذا ما أخرجها عن الأدب القصصي. قصة "البغُاب" قصة أسطورية، تتحدث عن رجل يتم اقتياده للذبح، أثناء طقوس عملية الذبح كانت طفلة تحمل دميتها، تراقب المشهد، وبعد الذبح يخرج الجميع من ساحة المذبح، في المساء تأتي الطفلة تقبل وجنتي الرجل المذبوح، وتقول أنه ابتسم لها، في الصباح تختفي الجثة، وتبدأ الأقاويل تأخذ في الانتشار: طائر عظيم هبط ورفعها إلى السماء، الفتاة الصغيرة ما هي إلا جنية" ص99، بعدها يدخلنا القاص إلى زمن الحدث، قبل ألف عام، ويجعله زمن متكرر كل ألف عام، رغم البعد الأسطوري في القصة، إلا أن هناك رمزية تحملها، فمكان الحدث "مدينة" والشخصيات لم يسمها القاص، والحدث قتل المبدع/ النبي/ المنتمي/ المعطاء من قبل كهنة رجال دين متخلفين، ومن مشاهدين قابعون في الخرافة، وهنا يمكن أخذ القصة إلى ما جرى ويجري في غزة التي يتعرض أهلها للذبح اليومي والجميع يراقب الكهنة الجدد وهم يحتفلون بذبحهم لكل ما هو حي، ولكل ما يشير إلى الحياة. قصة "المدينة" مكونة من ستة مقاطع، يحدث المقطع الأول عن الفأر الذي يجوب البيت بكل أريحية بعد أن تأكد أن لا أحد فيه، لكنه يفاجأ بظهور القط السمين، المقطع الثاني يتحدث عن القط الذي سأم المكوث في البيت، فما أن يخرج حتى واجهة الكلب، المقطع الثالث يتحدث عن الكلب المختال بقوته وقدراته، لكن يأتي صائد الكلاب الضالة ويطلق عليه الرصاص، المقطع الربع يتحدث عن الناس، عن أسرة لا تجد ما يسد حاجتها والخلاف بين الزوج وزوجته، الزوج يخرج من البيت لعمله متأخرا، مدير العمل يؤنبه، مسؤول كبير يشتم المدير لتأخره في تسليم صفقة، لينتهي الأمر بينهما إلى توافق وتحديد نصيب كل طرف من الصفقة، المقطع الخامس يتحدث عن لقاء المسؤول الكبير الذي يعامل الموظفين بطريقة غير مهذبة، لكن ما أن تأتيه مكالمة هاتفية حتى يستعيد توازنه وهدوئه، المقطع السادس يظهر السيد الكبير جثة عامدة، ويتم قيام موكب جنائزي يليق به وبمقامه، لكن في النهاية يظهر فأر يقرض في إكليل، عندما تذكر الحيوان في الأدب فهذا ـ غالبا ـ ما يشير إلى حجم السواد الكامن في النص، وهنا نجد ثلاث حيوانات، فأر، قط، كلب، ومضمون القصة يتحدث عن كيف يأكل القوي الضعيف، القط يأكل الفأر، الكلب يأكل القط، المدير يأكل العامل، المسؤول الكبير يأكل المدير، فالقصة تتحدث عن واقع الاستغلال/ الظلم الواقع على الضعفاء، وهذا ما يجعلها قصة رمزية تحمل فكرة الصراع الطبقي وحالة الفساد المستشرية في الطبقات العليا/ المتنفذة، وبما أن خاتمة القصة كبداياتها، توقفت عند الفأر ـ الكائن الأضعف في القصة ـ وهذا يقودنا إلى استمرار هذا الواقع، واقع القوي يأكل الضعيف، لكن الغلبة ستكون لهذا الضعيفـ الفأر ـ وليس للسيد الكبير الذي فارق الحياة. المجموعة من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، والتوزيع في الأردن، دار الفارس للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى 2026.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحلول في قصيدة -رأيك فيّ- مأمون حسن
-
رد على ما جاء في مقال:-دعوة إلى قراءة نقدية وحوار فلسطيني وع
...
-
القسوة والفرح في قصة -وردة أم شوكولا- ميادة مهنا سلمان
-
أهمية الفكرة وضعف عرضها في رواية -المنبعث- عدوان نمر عدوان
-
قطاع غزة في رواية -مقبرة الأحياء- رجب أبو سريه
-
المرأة المثقفة في رواية -الفردوس اليباب- ليلى الجهني
-
الجديد في كتاب -مشكاة في النور- كامل أبو صقر
-
الأنا وحلول الشاعر في قصيدة -أنا موضع الجملة البكر- أحمد الخ
...
-
التراث والحداثة في قصة -الشجعان والمارد العملاق- نزهة الرملا
...
-
موت الشاعر في قصيدة -مات أنا- للأديب السوري سليمان أحمد العو
...
-
حصار بيروت في رواية -حياة حصار- فيصل الحوراني
-
القيم في رواية -الربان الجريء- عبد التواب يوسف
-
الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي
-
الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
-
الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
-
الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
-
الناقد ما له وما عليه في كتاب -الرواية الفلسطينية إلى أين- ل
...
-
السادية في رواية بين -المحبة والرغبة- محمد حافظ
-
طبيعية المكان وطيبة السكان في رواية -جرن الدرويش- محمود منور
...
-
المضمون والألفاظ في قصيدة -أحاول قربهم- علي البتيري
المزيد.....
-
المسرح العراقي في ملتقى القاهرة..ندوات وبحوث تعزز حضور الفنا
...
-
بعد دعوات لتعديل الدستور.. فنان مصري يحذر السيسي من محاولات
...
-
إحياء نوادي السّينما في المدارس والجامعات.. محمد عبيدو ل «ال
...
-
جوائز الدورة الثالثة من VS-FILM توزع في السويس على أفلام من
...
-
متحف مخلفات الحرب في هو تشي منه.. أهوال العميل البرتقالي وذا
...
-
-فيلم ثقافي-.. جدل في مصر بعد -اختراق- لقطات إباحية لوحة إعل
...
-
وعكة قلبية مفاجئة تصيب المطرب المصري محمد الحلو.. ونجله يطلب
...
-
تايلور سويفت تنضم إلى قاعة مشاهير كتّاب الأغاني في ناشفيل
-
الموسيقى الروسية تصدح في مسقط
-
بطل الـ UFC إسلام ماخاتشيف يلمح إلى اقتراب اعتزاله الفنون ال
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|