|
|
المسافة والقداسة- بانوراما الواقع العربي الراهن
هيثم علي الصديان
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 09:22
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
• المعرفة والإعلام ووسائل التّواصل الاجتماعي: حين كنتُ أقرأ عن ثورة الشّريف حسين(الثّورة العربيّة الكبرى) في كتاب الرَّاحل جورج أنطونيوس، استوقفتني مسألةٌ مهمّة- هي عندي على الأقلّ مهمّة- وهي أنّ الغربَ بدُوَلِه العظمى كان يحسب حساباً للعرب- وهو اليوم حسبان غير موجود- على الرغم من ضعف العرب في تلك الحقبة على الأصعدة كافّة، وكانت الفوارق بين الغرب والعرب أكبر بكثير ممّا هي عليه اليوم. فوجدتُ أنّ هذا يعود إلى سببين: الأوّل منهما تاريخيّ، والآخر كونيّ مطلقٌ أو ترانسنتدنتالي متعالٍ بتعبير الفلسفة المثاليّة القارّية(الألمانية). فأمّا الأوّل فيتجسّد في الخشية آنذاك من تحريك الرابطة الدينيّة وإعادة تأهيل القوّة العثمانيّة. وهذا سبب تاريخي مرتبط بحقبة زمنية وظروفها المتبدّلة. لكنّ الخطورةَ والأهمّيّة تكمن في الثاني، لأنّه سببٌ مطلقٌ دائمٌ لا انقطاع له، كونه من طبيعة الحياة وسننها الكونيّة الوجودية. وهذا السبب يبدو لي أنّه يتمثّل بالمعنى الفلسفيّ للقداسة وجدليّة المسافة، أي بالعلاقة بين التبجيل والبعد أو الخوف والمجهول. وهذا ما يتمثّل هنا في وجه من وجوهه. ولكي أبيّنه أو أشير إليه عليّ أن أقدّم بعض تمثّلات المعنى الفلسفي للقداسة والمسافة في بعض وجوهها: إنّ الإنسان مبرمجٌ على قوالبَ عقليّةٍ مثاليّةٍ تعطي دوماً تفسيراً حيويّاً كماليّاً للموجودات وظواهرها الجدليّة؛ فالطفل يبني صورة تقييميّة سوبرمانيّة مسوّرة لوالده: قوّةً وذكاءً وصدقاً وإنسانيّةً. وهذا يعود للمسافة الإدراكيّة التي تفصله في أوّل عمره عن واقعيّة والده، التي تتكسّر مثاليتها كلّما كبر ونضج وقلّص تلك المسافة الإدراكيّة بينه وبين والده. وكذلك، العلاقة بين العَبْد البسيط وربّه، تختلف عنها بين رجال اللاهوت وربّهم؛ إذ تقصر المسافة بين رجل الدين وربّه عنها بين العبد العامّي وربّه، فتجد رجل الدين لديه دوماً مندوحة دائريّة من العلاقة بينه وبين الإله غير موجودة في العلاقة بين العامّي وإلهه البعيد. والحال ذاته يتمثّل في الانجذاب العاطفي بين الغرباء وعلاقة هذه العاطفة بالمسافة والمجهوليّة. وهذا كلّه يعود إلى طبيعة العقل التي جُبلت على تركيب تفاسير متعاليةٍ لكلّ ظواهر الوجود والحياة. هذه بعض صور أو تمثّلات المسافة والقداسة وعلاقتهما الجدليّة الحتميّة؛ إذ القرب والواقعيّة هما ظاهرة وجودية واحدة، تفعل فعلها المحطّمَ لمثاليّة العقل وتفسيراته القالبيّة المثاليّة المطلقة المتعاليّة على الواقع والبعيدة عنه. وهذا برأيي ما يفسّر تلك الخشية التي كانت من دول صنع القرار العالمي من العرب حينئذٍ، بوصفهم ظاهرةً وجوديّة حيويّة متدفّقةً، خشيةً متبدّدة اليوم ومضمحلّة وفي أدنى درجاتها المشعور بها. وهذا لا يعود إلى بعد المسافة بين الغرب والعرب آنذاك ولا إلى قربهم الراهن، بل يعود إلى بعد المسافة التي كانت بين الوعي الفرديّ العربيّ وواقع الحال آنذاك، ممّا جعل ذاك الوعي الفرديّ متطابقاً مع الوعي الجمعيّ، أو هو تنبّؤ فرديّ محقّق لذاته(self- fulfilling prophecy)، ومن ثَمّ صنع وعياً جمعيّاً محقَّقاً. ولكن كيف؟ هو يكمن في عدم وجود وسائل الإعلام المتطوّرة التي عليها حالتنا الراهنة اليوم. فالآلة الإعلاميّة اليوم، من قنوات مرئيّة ومسموعة ومكتوبة، ووسائل تواصل اجتماعيّ، كلّ هذا التطوّر جعل المخيالَ العربيَّ المشبع بمثاليّات الوجود ودوافعه القوميّة والدينيّة والغريزيّة والمصلحيّة تتكسّر أمام الانكشاف الواقعيّ المتجسّد عياناً، من وهن ونفاق وفقر وتشتّت وفساد وتأخّر وانحطاط أخلاقيّ وعقد نقص وجوديّة وتفاوت حضاري مهول. هذا الانكسار خلق حالةً راهنةً من كسر القداسة المثاليّة للمخيال الوهميّ للوجود العربيّ التي كانت عليها في الماضي ، فصار تنبّؤاً عكسيّاً محقّقاً لذاته، وصانعاً لحالة وعيية جماعيّة واهنة لا تقلّ وهميّة عن تلك الحالة المثالية المتوهّمة(من تنبّؤ وهميّ إيجابيّ مُتحقَّق، إلى تنبّؤ وهميّ سلبيّ متحقّق كذلك). فكما كان الإنسانُ العربيّ يستند إلى وعيٍ مثاليٍّ وهميٍّ، حوّله البعدُ إلى حالة مقدّسة لها سطوتها التي يُخشى منها، هذا الوعي اليوم بسبب هذا الانكشاف الإعلاميّ استقرّ إلى تصوّرٍ عاجز محبط، جعل ما كان يُخشى فيه هو اليوم مطمع لكلّ طامع. وهذا هو السبب الذي جعل الغرب يخشى العرب بالأمس، لكنّه كسر القداسة بتحطيم هالة المسافة، فخلق وعياً وهميّاً مشبعاً بدهون اليأس والضِّعة والعجز والانحطاط. هذه المسافة هي التي جعلت موقف الحسين بن عليّ أقوى من ابنه في المفاوضات وأصلب؛ إذ كان فيصل على قرب من العامّة وعلى بُعدٍ لغويٍّ وإدراكيّ من الغرب، على نقيض أبيه الذي كان على قُربٍ إدراكيّ من الغرب ومطابخه السياسيّة وعلى وعيٍ مثالي. إنّه وجه من وجوه الجهل المقدّس حين تكسره معرفة تافهة على دَخَل ودَخَن. فرُبّ بُعدٍ أحسن من قرب. ورُبّ جهلٍ مثاليّ أكرم من معرفة واقعيّة.
• البدائل والروادع في السياسة الغربية 1. مصيدة النقائض: لقد جعل يوم السابع من أكتوبر الغرب يجهّز البدائل أو يفكّر بها جدّيّاً... ومن أوّل شروط البديل(spare) أن يكون نقيضَ سلفه، وربّما يُمنح شرفَ تحطيمه في حال كان لا بدّ من استبداله. هكذا تفكّر العقول الاستخباراتيّة المتحرّرة من القولبة العقليّة. لقد كان اقتحام السابع من أكتوبر ثاني عمليّة، بعد حرب أكتوبر الأولى، تفرض على الواقع الجيوسياسيّ إعادة التّفكير بتجهيز البدائل. تدخّلت أمريكا مباشرة في الحرب الأولى وبشهادة الرئيس السادات في رسالته للرئيس الأسد. وكرّرت هذا التدخّل على نحو مشابه وأقوى سياسياً في الثانية.... فكان في البدء، بعد الثانية، لا بدّ من عمليّة رادعة تجعل التفكير بثالثة أمراً مستحيلاً. ومن ثَمّ التجهيز للبدائل ضمن عمليّة انتخابية كما هي بيولوجيا الحياة والانتخاب الطبيعي. وبدأ الغرب بالعمل في المجالين على نحو متواز: ردع التفكير بثالثة، وتجهيز البدائل. المسار الأوّل انتهى إلى إبادة غزّة وتدميرها- بتواطؤ بعض عواصم القرار العربي، وبدعم أمريكي مهول، وبعجز العالم الحرّ وشعوبه. وأمّا المسار الآخر فانتهى إلى عمليّة ردع أخرى مختلفة، جعلت الواقع السياسي ينقلب رأساً على عقب. هي أمريكا التي تستطيع أن تصل إلى مطلوبيها من شخصيّات الصّف الثالث، فتغتاله بطائرة مسيّرة وهو بسيارته، وسط طريق عامّ مكتظّ بالسيّارات، فلا تصيب سواه. فإذا ما وضعت هذه الإمبراطوريّة المتغطرسة مكافأة ماليّة على اصطياد أحدهم من دون أن تصل إليه وهو طليق يتحرّك ويقوى، فعلينا أن نتساءل هل كانت هذه المكافأة مصيدة للعقل الجمعيّ والوعي العامّ؟ وإذا كانت هذه المكافأة مصيدة لتضليل العقل وتشويه الذهن، فما هو مقدار المبلغ الذي وضعته فعليّاً وأنفقته لحماية هذا المطلوب؟ لا شكّ أنه عشرات أضعاف المكافأة الموهومة. 2. مغلوط المؤامرة: دوما ما يسفّه المتعالون على فكرة المؤامرة هذه الفكرةَ وتبنّيها، ويزدرون متبنّيها ويطلقون عليهم تسميةً ساخرة(أصحاب نظريّة المؤامرة). ومنطلق تسفيههم: أنّ الغرب أكبرُ من أنْ يولينا كلَّ هذا الاهتمامِ والتّحسُّبِ، وأنّنا في راهننا أصغرُ من أن يُحسب لنا حساب. وهذا منطلق خاطئ. ويبنى عليه تصوّرٌ خاطئٌ، ومن ثَمَّ صياغةُ خاطئة للتّساؤل الاستنكاريّ: [هل هناك مؤامرة علينا؟]، تستدعي إجابةً متوقّعة خاطئة: [لا توجد أيّة مؤامرة إلّا في رؤوس أصحاب هذه النظرية المهووسون بها]. الغرب يَحسبُ حسابنا، ليس لأنّه ليسَ أكبرَ من أنْ يَحسبَ حسابَنا في وضعه الرَّاهن، وليس لأنّنا لسنا أصغرَ من أنْ يُحسبَ لنا حسابٌ في وضعنا الرّاهن. وإنّما هو يحسب حسابنا ويتآمر علينا لأنه يَحسبُ كلَّ حسابٍ، ويتآمر على كلّ وجودٍ، صغيراً أكان أم كبيراً. وهذا ديدن السياسات الكبرى عبر التاريخ. لكنّ تلك القوّة الجبّارة التي له اليوم- والتي توهم المسفّهين أنّه أكبرُ من أن يتآمر ويَحسب الحسابات ويضع الحسبانات- هي التي تدفعه نحو هذا الحُسبان والتآمر. وقوّته تلك هي التي تجعلنا- ونحن على ما نحن عليه من ضعف ووهنٍ- نرى أنّ هذا التآمر يحتاج من الغرب أن يولينا كلَّ طاقاته ووقته. والحقّ أنّ أجهزة الاستخبارات الغربيّة ومراكزَ إعداد القرارات ورسمِ الاستراتيجيّات عندهم أشبهُ بلاعبِ الشطرنج الرّوسي (غاري كاسباروف) حين لاعبَ على مائدة مستطيلة واحدةٍ عشرين لاعباً وهاوياً في وقت واحد. فهو يَمْرُرُ جيئةً وذهاباً ويحرّك حجره الأسود، في حين يظلّ كلُّ لاعبٍ من العشرين يأخذ وقتاً مليّاً في نقلته، إلى درجة لا يستطيع معها أيٌّ منهم رفع رأسه، بحيث يُخيّل إليه أنّ كاسباروف قد فكّر في هذه النقلة مليّاً وأعدّها برويّة وخطّط لها منذ الليلة الماضية، وأنّه لا يلاعب أحداً غيره ويتراءى له أنّه فوق رأسه. فنحن نظنّ أنّ الغربَ يعطينا كلَّ وقته أو جُلّه من التآمر علينا، في حين أنّنا- العربَ- لسنا أكثرَ من لاعبٍ واحدٍ ضعيفٍ واهنٍ على طاولة مستطيلة، تجمعنا نحن والذين هم مثلنا، والذين هم أوهنُ منّا، والذين هم أحسن حالاً، والذين يحسنون التّفكيرَ والملاعبةَ.
• النصر الصهيوستراتيجي 1. تجارات الخوف والغباء: كان نظام الأسد يستثمر في خوف طائفته فأخرج ما لديها من طائفية- شرخت المجتمع شرخاً كبيراً. واليوم الدّاعم الأقليميّ، والعربي منه على وجه الخصوص للأسف- وليس السّلطة البديلة التي أُحلّت محلّه- فهي لا حول لها ولا قوّة وإنما حالها: قل ولا تقل، افعل ولا تفعل- هذا الدّاعم العربيّ بفكره التَّبعيّ استنفر طاقاته الماليّة والإعلاميّة ورجال طبقته الكهنوتية/اللاهوتية، من أجل الاستثمار في تخدير عقول داعمي العهد الجديد(وتسميم العقل الجمعي لهم بغية قتله فدفنه من دون مراسم دفن) فيخرج ما لديهم من عمى ألوان، وغباء طائفي مستحدث. بل إنّه يسعى جاهداً إلى تحويل سنّة هذا البلد من أمّة وأكثريّة إلى طائفة مهيأة لاعتراء كلّ ما يمكن أن يقبله الجسد الطائفيّ وخلاياه من الاعتراءات المرضيّة. أي إن ذاك النظام استثمر في الخوف، ثم تركهم نهباً لمتحقّقات الخوف، وهذا النظام يستثمر في الغباء ليتركهم يوماً قادماً نهباً لمتحقّقات الغباء ومستحقّاته. فما كان لذاك النظام أن يصمد أمام رياح التغيير العتية لولا تجارة الخوف، وليس للعهد الجديد من صمود أمام نسائم التغيير العليلة إلا بتجارة التخدير العقلي وصناعة الفكر الرجعي. ومن تمظهرات الخوف أنّه أينما وجد يجمع حشداً كبيراً، لكنّ خوفَ هذا الحشد يجعلهم يعتقدون أنّهم مجموعة صغيرة. ولذلك فطائفة النّظام السّابق إلى اليوم تنكر استجابتها الطّائفيّة لبضاعة ذاك النظام[وهي صادقة في اعتقادها لأنّ الخوف شوّش المشهد فلم يُرِها حقيقة هذه الاستجابة المؤسفة]. ومن تمظهرات التخدير الطائفي والتفكير الرجعي أنّه يجمع حشداً صغيراً، لكنّ عمى الألوان وهذا التهويم الأفيوني يشوّش- كذلك- المشهد، فيجعلهم يعتقدون أنّ هذا الحُشيد الصغير كوناً بأكمله، كما يعتقد الفأر حين يثمل أنه أسد الغابة. وهذا ما يجعل بعضهم يظن أنهم أكثرية وهم أقلية ما بعدها أقلّية(فاليوم من يبصر ببصيرة يرَ أنّ أكثر من 80% من السّنّة العرب من دون غيرهم من المكوّنات الأخرى لا ينظرون بعين الرضى نحو هذا العهد، بيد أن العين الطّائفية أينما وُجدت ومن كلّ الجهات والمكوّنات لا ترى المشهد على واقعيّته). فالطائفية عمىً؛ والأعمى لا يرى صمت الصمت، ولايدرك من المحيط إلا الصوت الطابل والرائحة والصدم. 2. تمظهرات النصر الصهيوستراتيجي: يمكن التندّر بالقول وبلهجة السخرية السوداء: كثّر الله خيرَ المعارضةِ السّورية اليومَ التي تتّهم السلطة الراهنة بالتواطؤ مع الإسرائيلي. ليس لأنّ هذا الاتّهام صحيح. وإنّما لأنّ المعارض العربيّ عامّة، والسوريّ خاصّة، يكيل للسلطة التي يعارضها كلَّ ما يراه في عرفه عيباً لا ما يراه اتهاماً موضوعيّاً مبنيّاً على أدلّة علميّة صحيحة. ولذلك فالمعارضة السوريّة التي لا تتّهم السلطة بهذه التّهمة- وهي الأكثر والأعلى صوتاً اليوم- لا تُغفل هذه التّهمة لأنّها لم تخطر لها على بال، ولا لأنّها معارضة موضوعيّة وليس عندها إشارات وأدلّة تستند إليها، وإنّما لأنّ هذه التّهمة آخرُ همّها ولا ترى فيها عيباً ذا قيمة ولا بال.. ولذلك قد تجدها تقيم الدنيا ولا تقعدها حول آخر تسريحات شعر أحد إعلاميّي السلطة وإطلالاته، وقد تنشر فيديوهات مطوّلة حول عمليات التجميل لبعض رموز السلطة أو حول ربطة عنق وزير العدل مثلاً. لكنّ استحضار الكيان في خطاب هذه المعارضة يبقى من باب الإشارة والمناكفة ومكمّلات الخطاب وهوامشه إن حضر. وهذا هو النصر الاستراتيجي للمشروع الصهيوني؛ إذ حين لا نرى معارضاً يعطي الكيان هذا الحيّز من خطابه النقديّ، فليس هذا لموضوعية في خطابه أو لقلة أدّلة، وإنما لأنّها قضية لا قيمة لها عنده، والأخطر: لأنّه قد يحسب حساب مقبوليّة خطابه من هذا الكيان. أنّ المعارض لا يتعبُ نفسه ولا يكرّس جهده ليبحث عن الأدلة والدلائل بقدر ما يحتفي بالشّائعات؛ وعليه، يستطيع المتابع أن يعرف المعارض وخطّه السياسي والوطني من إشاعاته التي يحتفي بها.... بمعنى: قل لي ما هي إشاعاتك، أقل لك من أنت. والاتهام السياسيّ صورة ظنّيّة للمتَّهَم، صورةٌ حقيقيّة للمتَّهِم. فالوطن لا يبنى بسلطة، بقدر ما يبنى بأخلاق معارضة وقيمها الوطنيّة وعدّتها السياسيّة ومشروعها المنافس. والمستقبل دوماً للمعارضة وغدها لا للسطلة ويومها. ويبقى أمسِ كلٍّ منّا عبءَ يومنا أو ذخيرةَ مستقبلنا.
• المسار العشائري بين عهدين 1- لبّت لبّت: العشائريّة- على خلاف الطائفيّة- تملك من قيم الطّيّبة والصّدق والأخلاق والبساطة ما يجعلها مشروعاً وطنيّاً حضاريّاً. وكل مجموعة بشريّة تمرّ بطفولة عشائريّة- قَبَليّة. فإمّا أن تُستثمر هذه القيم، وإمّا أن تتعرّض للإماتة. ولقد حاول المدّ القوميّ الاستفادة من هذا المصدر الثّرّ وتطويرَ مجتمعه. لكنّ الأسد تباطأ في هذا المسار، بغاية الاستفادة منه سياسيّاً على حساب المصلحة الوطنيّة العامة. نعم، تعرّض هذا المشروع لبطء ومماطلة، لكنّه كان يسير باتجاه صحيح. بيد أن السّلطة الحالية- نتيجة ما تحمله من بذور التّدمير الحضاريّ للبلد- هي اليوم تنسف هذا المسار، على بطئه وتعثّره الذي كان عليه، وتريد العودة به إلى الدّائرة البدويّة الأعرابيّة- في تحطيم كارثيّ للمعنى الأخلاقيّ والإنسانيّ للعشائريّة. إنّ هذا المشروع الرجعي الفجائعيّ إنْ كُتب له النّجاح فإنّه لن يكتفي بإحياء ثقافة(لبّت لبّت) في دائرتها العشائريّة وحسبنا بهذه فجاعة. وإنّما سيعيد البلد كلّه إلى ثقافة(لبّتْ لبّتْ) ولحنها النَّحْويّ غير الإعرابيّ ذي القيم القبحيّة المدمّرة ... إنّه تدمير كارثيّ للبنية السّورية الحضاريّة. وبرأيي هذا أخطر من موبقات الاستبداد والتّقسيم والعمالة والطائفيّة وغيرها... فهذه قد تزول بزوال مسبّباتها، ولو استغرقت نتائجها زمناً أطول. لكنّ التّدمير الحضاريّ سيغيّر سوريا إلى الأبد، سيحيي المنطق الفكريّ الصّحراويّ المدمّر الذي ذمّه القرآن وحاول الرسول تحطيمه. لذلك يخشى اليوم أن تصير بلاد الشّام أمام غزوة جديدة تنجح فيما أخفقت به غزوة زيد بن سفيان قبل حوالي 1420 سنة. الغزوة الرجعية المتماهية اليوم مع المشروع الصهيوني، مشروع بمنطق صحراويّ ضحل معادٍ لكلّ ما هو حضاري. لقد كان ابن الجزيرة السّوريّة يأتي دمشق بوصفها عاصمة حضارية، فيتخلّق بأخلاقها ويقدّم بين يديها أجمل ما لديه من عادات عشائرية أخلاقية. اليوم يأتيها بنَفَسٍ استعلائيّ وهميّ محاولاً نزع هويّتها المجتمعيّة والحضارية وفرض حالة بدائيّة طاردة للحضارة وكارهة لها؛ إنّه كالفرق بين العربيّ حين يذهب إلى مدن الغرب بوصفه ضيفاً فيظهر أفضل ما لديه، وحين يذهب بوصفه غازياً فيظهر أقبح ما لديه. حين دخل المسلمون دمشق دخلوها بالمنطق الأوّل. وكلّ محاولات الغزو بعدها التي جاءت مع الثورة العربيّة وقبلها (موجات العقيلات وغيرها) لم تنجح في تدمير منطق دمشق الحضاريّ وإنما تطبّعت بطابعها المدني الحضاري. لكنّها اليوم هذه المدينة أمام خطر مُعد بقصد وتصميم. 2- دمشق-سوق متعة سلفيّة جديد: علينا أن نعي أنّ الجزيرة العربيّة بعد ظهور الإسلام تمكّنت من إنهاء الحالة الأعرابيّة... وقد ظلّت قروناً تعيش قِيماً دينيّة-عروبيّة صوفيّة الطّابع... حتى جاءها ابن عبدالوهّاب- غفر الله له- الذي لم يُفلح في إعادة المنطق الأعرابيّ- الذي ذمّه القرآن ورفضه النّبيّ العربي- المنطق الصّحراوي الفتّاك لكلّ قيم الحضارة. أخفق في العراق، وأخفق في الأردن وجنوب سوريا، ولم يُكتب له فاجعة النّجاح إلّا في صحراء نجد وقطر، ثمّ امتدّ إلى الحجاز بعد التّآمر البريطانيّ الذي خَشي من الطموح العروبيّ عند الشّريف حسين ابن ذرّية النّبيّ. وها هو اليوم هذا المنطق المبيد (طاعون الإسلام) يريد أن يجرّب مرّة أخرى في دمشق العروبة والحضارة والعبق التّاريخيّ. في فيلم سوق المتعة يُدخَل أحمد حبيب (محمود عبدالعزيز)السّجن، فينجو في المرّة الأولى من اغتصاب زعيم السّجن. وبعد أن يخرج يحنّ إلى حياة السّجن، فيبني سجناً، ويأتي برفاقه القدامى ليعيشوا في السجن براتب مدفوع. في هذه المرّة يتمكن الزّعيم من فعل ما أخفق فيه في المرّة الأولى. وإنّه ليُخشى اليوم على دمشق التي نجت في المرّة الأولى من الاغتصاب، أن يكون استقبالها لثورة استخباراتيّة وفتحُ أبوابها لها، يُخشى عليها أن يُصنع بها ما صُنع بأحمد حبيب، بعد أن اشترت سجنها بما تملكه من رصيد حضاريّ وسجلّ تاريخيّ مشرّف. فدمشق التّاريخ، دمشق التصوّف، دمشق الفلسفة، أمام خطر السبيّ والانتهاك والاغتصاب. ولنتذكّر جميعاً أنّ دمشق عرفت أحد أعتى رجال السّلفية وأكثرها علماً وذكاء، عرفت ابن تيميّة رحمه الله- لكنّها استطاعت أن تحجّمه وأن تردعه، حتّى إنّه خرج من السّجن إلى القبر. وقد كان له فقهاؤها ورجال دينها حرباً وخصماً ورقيباً. وكان تلامذته لا يجرؤون بعده على إظهار معتنقهم السّلفيّ، وابن كثير المفسّر الشّهير أحد هذه النّماذج الذي تستّر بالمذهب الشّافعيّ، وهو يبطن السّلفيّة تقيّة وستراً- كما قيل في بعض الرّوايات. واليوم جاء هذا المشروع مدفوعاً بغايات كثيرة، ولعلّ أحدها الانتقام من دمشق ومن مذاهبها الفقهيّة والأصوليّة ووأدها والانتصار لذكر ابن تيميّة غفر الله له. ختاماً كان أسامة أنور عكاشة قد قال قبل رحيله بسنوات: " إنّ مصر تتعرّض لأخطر غزوة في تاريخها الذي امتدّ على مرّ ألوف السّنين- الغزو السّلفيّ المدمّر".
• المثقف العربي/المنجّم الكذّاب: ورد في الحديث النبويّ: "كذب المنجّمون ولو صدقوا". والمثقّف العربيّ، نتيجةَ لا عقلانيّة وجودهِ المعرفيّ والأخلاقيّ، هو منجّم يكذب حتى إذا ما صدقت رؤياه. هو شاعرُ يقول عند الطّرب والرّهب والرَّغَب، يقول ما تمليه عليه رغبته أو رهبته أو طربه، أو ما يرضي منبع هذا الطرب والرّغب والرّهب. فهو يتعلّم النّظمَ والتّدبيجَ ولا يهتمّ بأدوات الفكر والمعنى وإنتاج المعرفة الموضوعيّة. وقد قيل في مأثورنا الشعبي: "يشوف الشوف ويقص الأثر. أو شايف الذيب ويقص أثره": بمعنى أنّه يرى النّتيجةَ أو الغايةَ لكنّه يتغافلُ عن وضوحها ليدّعي الفطنة والبحث من خلال تتبّع أثرها. واليوم يعيش المثقّف العربيّ حالةً من الصّمت الانتخابيّ، بغيةَ انتظار نتائج الصّراع الإيرانيّ الأمريكيّ. لقد التزموا الصّمت بعد ثرثرة وضجيج وادّعاء معرفة وحكمة استراتيجيّة وبصيرة عبقريّة بعواقب الأمور من قبيل( إيران باي باي، إيران نمر من ورق وكرتون، اسألوني فأنا الخبير الألمعي والحسم لن يستغرق أكثر من أيّام بقدر أصابع اليد لا كما قال ترامب لأسابيع- مثقّف عربي ترامبي أكثر من ترامب). كلّ هذا وأكثر منه، قيل مع بداية العدوان على إيران. لكنّ هذا الوحش المجوسيّ الفارسيّ عابدَ النّار- وهذا تصوّرهم عنه وتصويرهم عن افتراء وغباء- تبيّن أنّه وضعَ للمنجّمين العرب ذيباً كرتونيّاً وترك لهم حريّة الكذب والتّذاكي ودجل قصّ الأثر، وما أن وصلوا حتى بُهِتوا وأُسقِط في أيديهم. وهم اليوم ما يزالون غير قادرين على النّطق من هول الصّدمة التي فاجأتهم وقد ترك لهم هذا المجوسيّ عبارة مكتوبة على مؤخرة الذيب الكرتونيّ: "افتح قلبَ الذيب الكرتونيّ ستجد فيه (فلاش/Toilet Bowl Cleaner) لعلّه يساعدك في إزالة بكتيريا عقلك" .. وهم اليوم يعيشون حالة الصّمت، حائرين أمام فضيحة جهلهم وفضلات عقولهم... ولكنّهم يتهيؤون للانتقام ويتمنّون أن يمكّنهم الحلف الصهيوأمريكي وتوابعه من مناهم، ليعودوا إلى سابق دجلهم وكذبهم من قبيل: قلنا لكم أن الأمور ذاهبة باتجاه كيت وكيت. إن معظم المثقّفين العرب اليوم، نتيجة ظروف الاستبداد والقهر المادي والمعنوي، هم وثنيّو القيم فهم لا يخاصمون من عقيدة ومعتقد وإنّما نتيجة خلل في وجودهم المعرفي. هذا المثقف يعتاش للترزّق والارتزاق لا يستثنى إلا قلة ممّن توافرت لهم بدائل حياتيه؛ ولو سادت إيران غداً لوجدنا كثير منهم في ضحى هذا الغد، وقد استحدث شجرة نسبه الحُسينيّ. ولهذا فمن الأجدى أن نستذكر المعنى الحيوي للمثقّف كما ما إليه الجابري في كتابه المثقفون في الحضارة العربية؛ وهم: " الذين يحملون آراء خاصة بهم حول الإنسان والمجتمع، ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد والجماعات من ظلم وعسف من طرف السلطات، أيّاً كانت، سياسية أو دينية". ولا بّد من إعادة النّكتة المشهورة التي تقول: إن كنتم ترون أمريكا الإله، فالإيراني ما يزال يعيش عصر المجوسيّة الذي لم يسمع بإله خارج كتاب آلهته. فاصمت، ما أنت إلا مَنجَم للكذب ومنجّم كذّاب ولو هُزمت إيران. على الرغم من أن لإيران سياساتها الخاطئة تجاه جيرانها العرب، وعليها إعادة التفكير بهذه السياسات إذا ما تجاوزت محنتها الراهنة وما تتعرّض له من عدوان صهيوأمريكي.
أين نحن- العرب- من طاولة التفاوض؟ ثمة حقيقة سياسية راهنة لا يُراد الاعتراف بها؛ وهي أن التعويل على المحور الخليجي وحيداً من دون إسناد عربي- إقليمي فهو كالتعويل على الفرزدق لقتل مِربعٍ. اليوم الخليج، بسبب موقعه الجغرافي ليس أكثر من ورقةٍ على طاولة المفاوضات، فإن أحسنّا الظّن ولبّقنا العبارة فهو ورقات كأنها وريقات خريف تستأخر السّقوط في حال تُرك وحيداً واستعرت الحرب وعمّ الخراب ورمت أطراف الصراع بكلّ ما لديها من أدوات وقوّة. والنظام الإيرانيّ بأيدولوجيته الحالية من طبعه النزوع نحو التدمير إن فرضت عليه الحرب وقد يحوّل جيرانه الخليجيّين إلى ورقة تفاوض، وقد يتنازل للأمريكيّ عن أشياء هو قادر على امتلاكها حصّةً له، لكنه إن تنازل فسيتنازل لقاء ظفرٍ ما على أرض خليج العرب، وفي الحرب كلّ شيء مباح كما قيل ويقال دوماً. بعضهم وصم إيران بعدم الاحترام وقلّة الأمانة؛ إذ كيف تضرب جيرانها، ولا سيّما إنّ بعضهم يتوسّط لحلّ الملفّ، بل قد تضرب دولةً ووزيرٌ لها في تلك الدّولة؛ ذاك- نعم- خرق للأعراف الدولية والدبلوماسية في وجه من وجوهه لكنّه ليس قلّة أمانة، وإنّما إيران بدأت تعامل جيرانها بوصفهم ورقة تفاوض وتهيّئ الجوّ لاستعادة دورها السابق، شرطيّاً مسلطاً على رقاب هذه المحميّات بغية إعداد الوعي الجمعي/الشّعبيّ للاستحواذ عليها ولنقل الورقة الخليجيّة من التّبعية الأمريكيّة كما يراها العم سام- والتي كشفها ترامب بقوله: "المضيق أرض أمريكيّة"، وهو قالها عن فقدِ أعصابِ مفاوضٍ فكشفَ المسكوت عنه[ وربما بموجب اتفاقيّات قديمة] فقصد بهذا التّصريح المهزوز: أنّ دول جوار المضيق هي محميّات أمريكيّة- ولتصير هذه المحميات ضمن حالة تبعية جديدة تحت يد السيطرة الإيرانية. فليس بمستبعد أنّ الإيراني المأزوم بحسب الظاهر يرفع سقف طلباته واشتراطه التفاوضي. علينا أن نملك من الوعي القومي ما يجعلنا نواجه الواقع فلا نغترّ بالسّيادة التي لا وجودَ لها إلّا في استديوهات قنواتنا العربية وأذهان بعض متابعيها. لقد حذّرنا قبلَ عقود طوالٍ القصيبيُّ المنبوذُ- وكلُّ صادق، لا يعطي العقولَ ما تشتهيه من سكينةٍ تخديرية، هو منبوذٌ في بلاد العمى العقليّ- حذّرنا حين قال: "العرب ظاهرة صوتية". لكن يخشى أنه هيهات لعقول مخدّرة أو ميّتة أن تستجيب للصدمات. فالسّيادة والاستقلال والقرار هي اليوم في هذه الاستديوهات لا غير. منذ أيام ظهر على أحد القنوات ضيف سوريّ يتحدّث عن ضرورة عودة العلاقات مع إيران، في حين كان الضيف الإيرانيّ يؤكّد أنّ إيران لا نيّة لها ولا استعداد عندها إلى هذا التّقارب في الوقت الرّاهن. اللافت في اللقاء الذي بدأه السّوريّ بشبهة الاسترضاء غير المجدية ولا المبرّرة، وأنهاه باللّوم والتّعيير والتشفي، بينما لم يبدر من الإيرانيّ أيُّ انفعالٍ عاطفيٍّ منذُ البدء حتى نهايته، اللافت كما يبدو- وإن كان ثمّة حلقة مفقودة- أنّ القرار السّياسي السوري بات يعي اليومَ أنّ داعمِيه أمسوا ليسوا أكثرَ من ورقات على طاولة التّفاوض. ولهذا يريد ألّا تمسّه عدوى قربهم فيصير ورقةً إلى جانبهم. وهذا استشعار جيد، لستُ أشكّ بأنّ التّركيّ وراءه. التّركيّ الذي يبدو أنّه دخل [حلف مكة] قرمطيّاً لا حاجّاً، فلم يدخله للحلف والتناصر كما أشيع وبُهرج حوله، وإنّما لكي تكون له حصّته من وريقات التّقاسم المطروحة على الطاولة.... التّركيّ سيكون أوّل الناهشين لشركاء حِلفته إن استطاع. ويبقى غريمه الحقيقيّ على الطاولة هو المفاوض الإيرانيّ بتركته الصّفوية، الإيرانيّ الذي يمنّي النّفس ألا يكون للتركيّ المسربل بسربال العثمانيّة أيُّ نصيب إن استطاع. ويبقى الأمل الوحيد لهذه الأمة المتناهشة بفعل تيهانها الرؤيوي وتخبّطها السياسي وعمالة وكلاء الاستعمار وتخدير تجّار الكهنوت الذين سيكونون أوّل المعلنين أنّ التّشيع الاثنا عشري الفرقةَ الناجيةَ، لو حصلت إيران على ما تريد، نعم ليس لهذه الأمّة من أمل إلّا في الغيارى من العروبيّين القوميّين الذين هم وحدهم من يتحسّس الخطرَ وهم وحدهم من يأنف التّبعيةَ وهم وحدهم الجدير بهم تخليص هذه الأمّة بشعبها- أو بالأحرى بشعوبها بعد صنيعة الوكلاء وتجار التخدير العقلي- وعليهم وحدهم التعويل في تحرير أرضها من براثن الإيرانيّ المتوثّب والتّركي الكامن والأمريكيّ المخيّم وكلِّ ما سواهم من المتهيّئين للانتزاء. ومن مفارقات التّيهان والتّخبّط في السياسة الخليجية اليومَ أنّها تتحصّن بخطاب عربيٍّ قوميٍّ ضدَّ الجارينِ الإسلاميّينِ، السياسة الخليجية التي كادت وكادت من المكائد والتّحشيد والاستجلاب الغربيّ ودفع ترليونات الدّولارات من أجل إنهاء المشروع العروبيّ التقدمي؛ من باب دفع المحظورات والمخاطر، والخطر الأقرب أولى بالدّفع، فكان ما كان من دفعها المشروعَ العروبيَّ لأجل حماية عروشها، وهي ظانّة أن الوقت لن يسير سريعاً فيهديها الخطر الأبعد (الإيرانيّ-التّركي). ولديها اليوم آخر محاولاتها المخفقة بإعادة تدوير المخاطر بالانقلاب على الخطاب الإسلاميّ والاستنجاد به بالعروبيّ... ولكن يبدو أن القادم عسير، وبالرغم من ذلك لا تُعدم الثقة باستنهاض الوعي القومي العروبي ليحمي خليجنا خاصة ويحمي وجودنا عامة. كلّ هذا قد يتغيّر أو تتغيّر فيه نِسَبُ المعادلات لو بحث المصريّ-الجزائريّ عن دوره في تغيير النّسب ورسم خطوطها البيانيّة. يقول المَهْدي المَنْجَرة إنّ الإمبريالية الغربية عامة، وأمريكا خاصّة، تمارس استراتيجية إذلال على العالم الثالث، ولا سيّما على العالم العربي- الإسلامي. وهذا الإذلال يتمّ بطريقتين: بالسلاح، وبالحكّام الذين توفّر لهم أمريكا خاصّة السندَ الخارجي الذي يملي عليهم سلوكهم السياسي. ويرى أنّ هذا الذلّ ثلاثي الأبعاد والطبقات: ذلّ القوى الإمبريالية الغربية للحكّام والشعوب، وذلّ الحكام لشعوبها بإملاء غربيّ أمريكيّ، ثم ذلّ الشعوب لنفسها بالرضا أو الخنوع. ويرى أنّ درجة الإذلال على الدول تساير مباشرة تساهل الحكام وخنوع الشعوب. وقوة المُذِلّ تأتي من كونه لا يلقى العقاب، ومن ضعف الخاضعين. لكنّ المنجرة يضيف بعداً رابعاً لثلاثيّة الذلّ أو للذلّ الثلاثيّ، وهو أفجعها؛ إذ يقول: " فالذلّ الأكبر في نهاية المطاف حين لا نعود عارفين معنى الذلّ". خاتمة- المثقف الأجير: اليوم بعد سقوط الدول العربية التّقدمية، لم يعد من مسند ومورد للمثقّف العربيّ إلا المورد المنافس(المورد الرجعيّ)... ولهذا تجد اليوم المثقّف العربيّ بين أمرين: إمّا أن يبحث عن مورده فلن يجده إلّا في المورد اليمينيّ الرجعيّ، وليس من بُد من أخذ بعين اعتباره الرؤيةَ الأصوليّةَ للثقافة والفكر وقضايا السّياسة والاقتصاد والحياة. وإمّا أن يصمت أو يرضى الحرمان الماديّ، ليعلنَ عن صوته الفكريّ العصريّ الصّحيح. وهذا ما حاول الراحل أنيس صايغ أن يسلّط الضوء عليه بوصفه معضلة فكرية عربية راهنة، معضلة صمت المثقٌف بعيداً عن الذرائع المشهورة: السلطة السياسية والقمع؛ فيقول:" إنّ ثمّة رقابة ذاتية يفرضها المثقّف على نفسه، أو هي حالة نفسية داخلية تفرض حالها عليه. وهذه الرقابة لا يمليها عليه وعيه أو ضميره أو شعوره بالمسؤوليّة، بل يفرضها عليه جبنه أو شرهه أو لا مبالاته، أو عواطف هوجاء لا تتيح له أن يمارس الحريّة التي وهبها الله له وسمحت بها الأنظمة". المراجع: • الإهانة في عهد الميغا إمبريالية: المهدي المنجرة. • سير أعلام النبلاء: الذهبي. • صدام الحضارات- إعادة صنع النظام العالمي: صموئيل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب. • المثقف العربي- همومه وعطاؤه: علي أومليل وآخرون. • المثقفون في الحضارة العربية- محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد: محمد عابد الجابري. • يقظة العرب- تاريخ حركة العرب القومية: جورج أنطونيوس، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. • لقاء متلفز للرئيس محمد أنور السادات.
#هيثم_علي_الصديان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف صُنع التوحّش الطائفي- جناية الأبد والمتلازمة الذئبية
-
الظلم والكذب- ومكانتهما الوجوديّة
-
ثوّار أم تجّار
-
الحرية والنص- نحو الفكر وعَروضه
-
المثالية المضلِّلة
-
القوّة الضاربة من عليّ إلى الشرع- دمُ عثمان وقميصه
-
في خفايا الشرق الأوسط الجديد-مقاربة بنيوية
-
غليونٌ ونيكوتينُ وقطرانُ ودخان
-
أيهما أعظم حوباً- جزار التضامن أم جزار الفتاوي؟
-
سوريا السقوط- البنية والبنيوية
-
العمالة والعملاء- والاستثمار الصهيو/نفسي
-
الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
-
الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
-
من فزعة السويداء إلى فزعة على السويداء- هرم الثورة المقلوب
-
ظاهريات الدولة السورية- رحلة المفهوم من الوعي إلى البندقية
المزيد.....
-
من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق
...
-
أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر
...
-
زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
-
غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
-
الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
-
فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو
...
-
وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته
...
-
-شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت
...
-
جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا
...
-
محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع
...
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|