أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم علي الصديان - سوريا السقوط- البنية والبنيوية















المزيد.....



سوريا السقوط- البنية والبنيوية


هيثم علي الصديان

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 17:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


■ مدخل سيميائي:
ثمة مقولة مشهورة تقول: " كلّ ما علاك سماك". وهي مقولة سيميوبنيوية (أي مرتبطة بالشكل تصوّراً، وبالبنية دلالة). فهي جملة ذات دلالة رمزية وسببية بنيوية؛ هناك علو جهوي، وهناك سيطرة معنوية. فالأعلى يرى ما لا يراه الأدنى، والأعلى على اطلاع بتفاصيل ما يحيط بالأدنى وبأفقه، تفاصيل وأفق مجهولة في أغلبها للأدنى. ولهذا كان التموضع المكاني الذي اختاره الله لذاته هو : (السماء، العرش، العلو، الفوق، الجهة). وهو التموضع الذي اختلفت فيه الفرق الإسلامية بين مجاز وحقيقة، وبين تأويل ووقوف وسكوت. فجاء في القرآن: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}. الأعلى:1/، وجاء: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}. النحل:50/، وورد: {الرحمن على العرش اسْتَوَى }. طه:٥/. والعرش: ( ما علاك فأظّلك). فيقال: فلان تحت ظل فلان كناية عن الرعاية والحماية، ( المرتبطة بالعلوّ والظلّ). وقال تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}. الملك:16/.
لكنّ المهم أن الله جعلها صفة جهوية مكانية ذات دلالة قدسية رمزية تفيد السيطرة والإحاطة والعلم، والأهم أنها تحيل إلى دلالة تداولية تنتهي إلى التحكم المعروف أصولياً بـ: (القضاء والقدر). ولهذا تمّ ربط العلم والأفضلية والقوة في اللغة ربطاً سيميائياً جهوياً: أعلى رتبة، أرفع مكانة، فوقه... { نرفع درجات مَن نشاء وفوق كلّ ذي علم عليم}، يوسف: ٧٦/. وكذلك: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }، فاطر:10/، وقال تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ}، النساء:158/. ولقد ربط الله تنزيهه وتفوقه وتحكّمه بالعلو والتعالي: {وتَعالى اللهُ عمّا يَصِفُونَ}. الأنعام: ١٠٠/، {وتَعالى عمّا يُشْركُونَ}. النحل: ١/. والناس تقول: (قال تعالى).
فالعلو ودلالاته المجازية والتفسيرية تفضي إلى حتمية القدرة على السيطرة والتحكم والتوجيه، وما يراه الأعلى يحسبه الأدنى من علم الغيب وضمن مناط قضاء الله وقدره. فأنت تعلم مَن خلف البناء عندما تكون على سطح هذا البناء، في حين هو من علم الغيب عند الجالس في الجهة الأخرى. وأنت ترى المطبّ الذي ما يزال في علم المجهول لسائق السيارة القادمة نحوه حين تكون أنت في طائرة تسير فوقه. هذه رمزية سيميائية صالحة الدلالة الزمكانية وقابلة للاستثمار والتفعيل بشروطها وإمكانيات تحققها. وهو ما نريد أن نخلص إليه فيما يُعرف بحتمية القدرة على السيطرة والتحكم والتوجيه البنيوي لمَن يقدر على صناعة البنية ويعرف كيف يحدد عناصرها ويفهم آلية عملها، ويستطيع التواصل معها والاطلاع عليها من خارجها. فحين يكون الفاعل داخل البنية سيقتصر دوره وقدرته على التأثير فيها، من دون أن يتمكن من التحكم بها أو استشراف خارجها ورؤية مستقبلها وما ينتظرها في طريق سيرورتها؛ فالدخول ضمن البنية إما أن يجعل الداخل عنصراً من عناصرها، فيصير مقيداً بنظام البنية ومحكوماً بآلية حركتها وديناميتها الذاتية، وإما أن يظل الداخل جسماً غريباً غير معني بنظام البنية وآلية حركتها، فيصير فيروساً مخرباً أو معيقاً ينتهي بتعطيله أو تعطيل البنية. ولذلك السيطرة على البنية يتم من خارجها، بعد معرفة جوهر وظيفتها وإدراك نظام علاقاتها، والقدرة على الاتصال بعناصرها وفهم خصائصها. هنا ستصير البنية محكومة بقَدَرها البنيوي المرسوم والمُعَد من قِبل هذا المتحكم.
ولكن هذا التحكم لن يكون قادراً على خلق آلية النظام البنيوي، أو استحداث نظام بنيوي مغاير لنظامها المركّب فيها الذي هو من طبيعتها. إنما سيكون تحكماً من خلال فهم آلية نظامها وطبيعته وشروطه ومميزاته وخصائصه، ومن ثم القدرة على تحريك أماكن العناصر وتغييرها وفق ما يخدم رؤية المتحكم وما يفضي إلى تحقيق غايته، بناء على ذاك الفهم السابق الذي يمكّنه من معرفة تأثير تلك التغييرات أو التبديلات، فالعنصر محكوم بنوع تأثيره ومقداره وبنوع تأثره ومقداره، كذلك، بمكانه ضمن البنية. وأما طبيعة علاقته وحركته فآلية بنيوية لا قدرة له على تنظيمها أو التلاعب بها. فمن خاصية الحتمية المعروفة سلفاً يستطيع المتحكم بعناصرها والمراقب لها من الخارج أن يعلم تفاصيلها البنيوية الداخلية، وأن يعرف مستقبلها ووظيفتها ونتائج عملها.

■ فلسفة البنية ومنهج البنيوية:
ليست غاية هذا المقال الحديث عن البنية والبحث في تفاصيلها وآلية عملها، فهذا له مجاله وكتبه وحقله النظري المعروف بـ: (علم البنية أو البنيوية/ (structuralism. وقد أشبع هذا العلم تنظيراً وتبييناً، وتجريباً وتطبيقاً، ونقداً وتقييماً. وكان له دور مهم في تطوير العقل البحثي بوصفه منهجاً، وفي تطوير العلوم بوصفه فلسفة علم ورؤية. ولهذا قيل: إن البنيوية منهج للبحث والمعرفة وليست فلسفة لها. وهذا يعني أنها علم تطبيقي لا يعطي إلا ما يصل إليه من نتائج، ولا يهتم بالمقدمات النظرية، ولا تعنيه معطيات الحدس والتأملات الاعتبارية والأحكام الأولية، ولا ينشغل بالفروض والاستنتاجات، فهو منهج في البحث يستند إلى الشواهد الاستقرائية والتفسيرات القطعية والفهم المثبت بالتجربة وقابلية التكرار. وهذا الخلط بين التحديدين: المنهجي والفلسفي، شكّل إشكالية معرفية في ضبط حدود هذا المصطلح وإدراك مفهومه وطبيعة عمله ووظيفته، وهي إشكالية ما تزال قائمة عثرة في حقل النظرية المعرفية النقدية وعلم المنهجية إلى اليوم، وخاصة في الدراسات النظرية. ونحن لسنا معنيين بمناقشة هذا الإشكال في هذا السياق، وإنما ذكرناه لننبّه إلى أن هناك خيطاً علمياً دقيقاً بين فلسفة البنية ومنهجها البنيوي، أو بين البنية منهجاً والبنية فلسفة. وهما جانبان معرفيان متلازمان في علم البنية وآليات تطبيقها، لأن العمل المنهجي يعتمد على المعرفة الفلسفية السابقة عليها.
ويحرص المقال على التمييز بين هذين الجانبين الأبستمولوجيين: المنهجي، والفلسفي، في تناول موضوع المقال الذي ربما لن يشغل تلك المساحة التي شغلها التقديم النظري السابق؛ إذ سيتوقف فهم موضوعه على فهم تلك التقدمة، أي ستكون أجزاء الموضوع موزعة في المقدمة، يعني ما سيغيب في الموضوع هو حاضر في تلك التقدمة النظرية، فهو أشبه بجملة نحوية مقتضبة جاءت بعد شرح وتفصيل وتقعيد جهات إعرابها قبلها.
وهنا سنعرض إحدى البنيات وعلاقتها مع المتحكم بها من ناحيتي الإدراكي الفلسفي لها والامتلاك المنهجي لأدوات تطبيق الرؤية الفلسفية وآلية عملها. أي كيف تمكّن هذا المتحكم من الاستثمار الفلسفي والمنهجي في السيطرة على هذه البنية وتوجيهها. ولا بد من التنبيه إلى اختلاف مصطلحي لا مناص أمام القارئ من معرفته: فالبنية يعني فلسفتها النظرية الثابتة، وأما البنيوية فيعني منهجيتها التطبيقية المتحركة.
■ البنيوية -التأويل والحتمية:
تتميز العلوم الإنسانية، من العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، بكونها لا تخضع للحتمية العلمية كما تخضع لها هذه العلوم التطبيقية. وهذا التميز والاختلاف جعل كثيرين من الأبستمولوجيين والمتخصصين في العلوم التطبيقية ينكرون صفة العلمية على حقول الدراسات الإنسانية؛ إذ يأخذون في ذلك اعتبار الحتمية ويرَونها شرطاً لازماً للعلم. وعليه صارت اللاحتمية نقيصة على تلك التخصصات والحقول، بعدما بلغت العلوم التطبيقية شأواً بعيداً في النضوج والتطور والاكتشافات والنظريات؛ الأمر الذي جعلها تتصدر الحقول المعرفية في القيمة والأهمية، وصارت الأنموذج الذي تحاول أن تحتذيه وتحذو حذوه العلوم الإنسانية، بعد أن ظلت تلك العلوم -الإنسانية-لحقب وعصور وهي تتصدر العلوم وتقود الفكر البشري وتصنعه. ولهذا صار يقال: العلوم الإنسانية من باب التجوّز والتساهل، وبعضهم حاول أن يفرّق بينهما بوصف العلوم التطبيقية وتسميتها بالعلوم البحتة، أو المجردة، أو الأساسية( Basic sciences)، أو الطبيعية( Natural sciences) وقد حصلت فوارق وتمايزات دقيقة بين هذه التسميات نفسها، يعرفها المتخصصون والمنظرون الأبستمولوجيون. وكذلك الحال فيما يخص العلوم الإنسانية التي تسمّى أحياناً علوماً اجتماعية، وثمة تسميات متعددة بناء على تفرّعات وتفاصيل واختلافات أخرى. وهناك من صار يطلق عليها مسمّى ( الإنسانيّات/ Humanities)، تحرّياً للدقّة، أو إبعاداً للعلمية أو تجنباً للإشكال، أو طلباً للتحديد والتفريق.
هذا التمييز والتطور الذي حققته العلوم التطبيقية دفع المتخصصين في الإنسانيات إلى البحث عن مناهج وإنجاز نظريات تمكن الإنسانيات من أن تكون على قدر عال من العلمية والنضوج. فكان أحد هذه الإنجازات هو منهج البنيوية ونظريتها الفلسفية، التي صارت ظاهرة معرفية ومنهجية لها مكانتها المعتبرة في القرن العشرين ليس في مجال العلوم الإنسانية وحسب، بل امتدت إلى غيرها من العلوم التطبيقية الأخرى. وأضحت لدعوى الحتمية والعلمية في مجال الإنسانيات نظرياتها الشائعة، حتى بات مسمّى (العلوم الإنسانية) يستعيد ألقه ووجوده ويفرض نفسه مجدداً وبقوة أكبر، وعادت هذه الحقول تكتسب مفهوم العلمية وتستحوذ على صفة العلم. وصارت البنيوية تطبق في حقول اللغة والأنثروبولوجيا وعلم النفس والأدب والفلسفة والسياسة والتاريخ، وسواها. ولقد بلغتْ مكانة وشهرة دفعتْ بعضَ أعلامها أن يتعالى بمنجزه وفكره ومنهجه (أو ببنيويته) على الفكر الرياضي والفيزيائي والتجريبي والوضعي، وأن يرى بنيويته معيار فهم العالم الأفضل.
■ سوريا والكيد البنيوي:
يؤكد المنظرون والخبراء أن السياسة الدولية توجهها المصالح والقوة. وثمة رؤيتان سياسيتان من ذلك: رؤية ترى أن نظرية المؤامرة هي الحاكمة على طبيعة العلاقات السياسية بين الدول والتحالفات والمنظومات والمنظمات. ورؤية تزدري الرؤية السابقة وتنظر للعلاقات بوصفها بنية مركبة من عناصر متعددة لا مجال لتجاوزها، وهي جوانب اقتصادية وأيديولوجية وجغرافية وأمنية وعسكرية وتقنية وزمانية واجتماعية وتجاذبات داخلية وخارجية وأوضاع راهنة ومستجدات وحالات طارئة. فهذه تنفي فرضية المؤامرة بوصفها النظرية الوحيدة الحاكمة في العلاقات، وتحيل إلى وضع بنيوي معقد تجعل السياسة ذاتها جزءاً منه، وتجعل المؤامرة احتمالاً متغيراً وغير ثابت بين احتمالات كثيرة تخضع كلها لتلك الجوانب المتداخلة التي ذكرها البحث. فهي محكومة بمنظومة بنيوية متكاملة وبآلية جدلية منضبطة وضابطة.
وبناء على الرؤيتين السابقتين، فإن أصحاب الرؤية الأولى يعتقدون أن هناك حتمية ظرفية مُحكَمة توجّه العلاقة وتتحكم في طبيعتها وآلية عملها، لكنها حتمية مباشرة(يدوية أو أمرية إنجازية) مفروضة بقوة الإملاء والتواطؤ، فمتى انتفى أحدهما أو ضعف تأثيره أمكن إبطال هذه العلاقة أو إعاقة حركتها وإعادة توجيه مسارها. وأما الثانية فتذهب إلى أن العلاقات محكومة بعناصرها، وأن نظامها البنيوي يعمل وفق آلية تلقائية منضبطة بحسب مكان العناصر ونوع أثرها ومداه وطبيعة تأثرها واستجابتها؛ فهي جدلية علمية تحكمها قوانين معلومة، ومعرفة هذه القوانين تقود إلى فهم طبيعتها وصيرورتها ونتائجها. ومن ثمّ فإن معرفة هذه القوانين مع القدرة على ترتيب أمكنة عناصرها وتغييرها واستبدال بعضها يفضي إلى القدرة على السيطرة والتوجيه، ليس توجيهاً مباشراً(فهي ذاتية الحركة والانتظام) وإنما من خلال مراعاة وضع العناصر بما يخدم ما يراد تحقيقه، كالطاهي الذي يتحكم بالطعام من خلال العناصر والنسب، وليس من خلال السيطرة المباشرة على عملية التفاعل وخلقها؛ فهي خاصية ذاتية في العناصر ذاتها بناء على نوع العناصر ونِسبها. فهي حتمية علمية لا خلقية أو إملائية: كن فيكون، فهذه خاصية غيبية مفارقة.
ولقد تبنى الاتجاهان اليساري والديني ثم انضم إليهما أصحاب النظرية النقدية ودراسات التابع والما بعد كولونيالي وبعض توجهات ما بعد الحداثة، جميعهم تبنوا رؤية المؤامرة، في حين تبنت الاتجاهات الليبرالية والرأسمالية الرؤية البنيوية، علماً أن البنيوية قد لاقت رواجاً وشيوعاً في الكتابات اليسارية الفكرية، لكنها كانت دوماً تصب في مصلحة الاستثمار الليبرالي السياسي.
وهنا يمكن أن نفهم ما يجري في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وكيف أن هناك تحكماً بنيوياً يُمارَس عليها ويُدار من غرف مخابراتية دولية-إقليمية، وقد رَسمت مساراً بنيوياً محتوماً، بناء على قاعدة الإشراف على حركة البنية من خارجها، بعد أن صار لديها تصور كامل عن عناصرها، وعن مواقعها من البنية السورية، مع استبدال بعض العناصر بغيرها، أو استحداث واستقدام عناصر بديلة وإعادة تموضعها وفقاً للرؤية الخارجية. أي هناك عناصر من البنية نفسها في أصلها وقد كانت خارج البنية، أو تمّت صناعتها وإعادة تركيبها مخبرياً من نسيج البنية السورية، مخبرياً بمعنى أنها عناصر سورية تمّ إعدادها خارج سوريا ثم أُحضرت وأُدخلت ضمن البنية السورية وحُدّدت مواقعها وفق الإرادة المتحكمة، وهناك عناصر أخرى جرى استحداثها وتركيبها من أنسجة لا تنتمي إلى البنية السورية وأُعطيت مواقع محددة داخل هذه البنية. فبعد بناء تصوراتها عن العناصر وتحديد مواقعها، ومعرفة خصائص كل عنصر، ومدى قدرته على التأثير وقابليته للتأثر، صار واضحاً لها وظيفة تلك العناصر من الناحيتين الفردية والجمعية؛ إذ من المعروف نظرياً أن مجموع وظائف العناصر لا تفضي إلى وظيفة جمعية مكونة من مجموع وظائف عناصر البنية جمعاً تراكمياً رياضياً، بل يخلق هذا الجمع وظيفة كلية(universal) خصائصها ليس مجموع خصائص العناصر التي جُمعت فيها وكونتها، وإنما هي خصائص أخرى جديدة(Combinatorial Logic)، فيصير هناك وظيفة جديدة غير وظائف العناصر منفردة. بعد ذلك تُترك البنية لتعمل ذاتياً وعلى نحو أوتوماتيكي آلي لا إرادي، وكل عنصر يصير يعمل آلياً من دون تحريك مباشر، ولا هو يستطيع أن يتحكم بآلية عمله أو يغير من نظامها، لأنها خاضعة لجدلية التفاعل الميكانيكي البنيوي(تأثر وتأثير) شامل ومنضبط بضوابط طبيعة البنية. ويكتفي المتحكم الخارجي بالمراقبة والسيطرة البنيوية التي تسمى في علم المنطق(epistemic logic). وبالاعتماد القبْلي على فلسفة البنية ونظام حركتها وتركيبها على المعلومات الاستخباراتية لطبيعة البنية السورية الجيوبوليتيكية ( اجتماعياً، واقتصادياً، وثقافياً، وديموغرافياً، وعقدياً)؛ إذ توضع المعلومات في تلك القوالب الفطرية أو التكوينية البنيوية، ويحصل المشرف الخارجي على رؤية واضحة لمسار حركتها وعلى معرفة تامة بتفاعلاتها الداخلية أو بنظامها البنيوي الآلي الحتمي(Irrefutable logic).
يعطي التعامل البنيوي للقوى المشرفة القدرة على معرفة ما يحصل داخل البنية وما سيحصل لها. وهذه آلية بنيوية قديمة استعارها علماء البنيوية من الفلسفة الميتافيزيقية عند أرسطو ومدرسته [وهي النظرية التي تبناها الفلاسفة العرب بحسب الغزالي: تهافت التهافت، ص199- 206]، فتبني هذه الفلسفة نظريتها الميتافيزيقية على فكرة أو قضية المحرك الأول(الله)، الذي لا يهتم بالتفاصيل وينشغل بها أو لا يدري بها. فالخالق أو المحرك الأول خلق الكائنات ووضع سنن الحياة، ومن ثم تركها تعمل ذاتياً على وفق هذه السنن وبمقتضاها. فالعالم كله يسير بمقتضى قضاء الله وقدره من دون أن يكون لله انشغال بتلك التفاصيل ومراقبة كل كائنات هذا الوجود. وهذا ما ترتكز عليه النظريات المنهجية البنيوية وتطبيقاتها المعرفية والعلمية؛ فالذي يدير الملف السوري قد رسم له مساراً محدداً معلوم المعالم من التفاصيل الأولى إلى النهايات، وهو يعرف عناصر هذا الملف ويعرف مواقعها، ويعلم آلية تحركها وتفاعلها ووظيفتها. ولذلك فهو يعرف كل ما سيجري داخل هذا الملف، ويعرف كيف ستدار مؤسسات البلد، من رئاسته إلى تعيين عامل تنظيفات في مدرسة ريفية نائية في أقاصي جبال الساحل أو في قلب البادية السورية الشامية. يعرفها ويتحكم بها ولن تسير على غير منهجها البنيوي الذي أعده لها، على الرغم من أنه ليس محتاجاً للاطلاع على هذه التفاصيل والتدخل فيها، ويعلم يقيناً أن ما من شيء يمكن أن يسير على خلاف ما رُسم للملف؛ إذ في البنية تكون جميع عناصرها ومكوناتها تعمل بمقتضى خصائص الوظيفة الكلية التي جرى ضبط خصائصها من خلال التحديد القبلي لمواقع العناصر والجزئيات التي تكونها وتسهم في صناعتها وخلق وظيفتها. ففي سوريا اليوم لا يمكن لشيء فيها من البشر والمؤسسات والطوائف والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية أن تملك شيئاً من إرادتها، فهي موجودات وكينونات تسير وفق حركة بنيوية آلية لا إرادية، وما هذا إلا لأن البنية تدار من الأعلى ومن خارج كينونتها، فجرى ترتيب عناصرها وضبط مكوناتها ونسبها ضبطاً مخبرياً تهجينياً ولم تُترك لطبيعتها وخصائصها التاريخية العضوية، وهذا جرى بغية الحصول على نتائج ومحصول يعوض التكاليف الهرمونية المجلوبة وتكاليف التخطيط والتجريب والتركيب، ويلبي رغبة الصانع ويشبع طموحاته ويزيد في رأسماله المتوحش. اليوم كل شيء في سوريا محكوم بإرادة بنيوية كيميائية تتحكم في كينونته واستجاباته وصيرورة نموه(تسمينه الهرموني)، فهو ليس أكثر من وجود وظيفي محكوم بدور زمني محدد ينتهي بنهايته(نهاية بنيوية). الشعب، المؤسسات ودوائر الدولة، الطائفة، العرق، السلاح، الثقافة، والوعي الجمعي، والخطاب التداولي..... كل شيء، لأن الكينونة ذاتها والوعي الفردي بها وترجمتها وآليات ربطها التصورية والوجدانية صارت محكومة بمنطق مختبري تم فيه خلط وتلفيق أنظمة نحوية وفلسفية وتصورية وإدراكية غير منسجمة وطبيعته الأصلية أو مع أسّه البنيوي العضوي الفطري، الأمر الذي جعل الوعي بهذه الكينونة مشوشاً مضطرباً وفاقداً لقواعد ضبطه وسداد منطقه وصحة تصوره. ولذلك صارت هذه الكينونة غير قادرة على تفسير الواقع وما يحيط بها ويستجد عليها، لأنها أصبحت عاجزة عن تفعيل آلية التواصل العصبي الإدراكي لمكوناتها الذاتية، فصار كل شيء وكأنه كائن حي مركب جسده من مجموعة من الأعضاء والأجهزة البيولوجية الحيوية الوظيفية، فكل عضو منفصل عن الآخر وما بات يُعرف ما هي وظيفته. والأخطر في هذا كله أن هذا التحكم البنيوي يجعل الإنسان أو المواطن السوري يفقد السيطرة على وعيه بالأشياء، وتصير استجاباته آلية نمطية، إذ يفقد وعيُه الإدراكي القدرةَ على وعيه بنفسه وبكينونته الخاصة المنفصلة عن قالبها، أي يصبح أشبه بالطفل الذي ما يزال عاجزاً عن تمييز وجوده وجسده من العالم والمحيط الخارجي. ولذلك يصير الفرد السوري – وهذا هو الحاصل اليوم- نمطاً مكروراً ومتماهياً مع الجماعة؛ لأن المصمم الخارجي وضع قوالب محدودة، فبات الوعي الفردي محكوماً بهذه القوالب وليس من خيارات غيرها متاحة. وهذا التحديد القوالبي هو ما يطلق عليه علماء البيولوجيا مصطلح (الثبات التطوريGenetic stability/): أي إن التطور لن ينجح من دون وجود قدر من التنوع في المجموعة، وهذا التنوع لا يمكن أن يتحقق إلا بخلط الجينات في عملية التكاثر الجنسي، ليكون سبيلاً بنيوياً نحو تجاوز المكررات الوراثية-السلوكية(Tandem repeats). [انظر كين بينمور: نظرية الألعاب ، ص130-134].

■ المكونات البنيوية وجهازها الوظيفي:
لقد اعتمد المتحكم بالملف السوري على مكونات محددة، جعلها من دون غيرها، المكوناتِ التي سيعيد تموضعها، وتحوير خصائصها هرمونياً، وسيُدخل العناصر المستحدثة والمستقدمة ويحدد مواقعها من البنية بما ينسجم وتلك المكونات المحددة، على نحو يأخذ بعين الاعتبار تحقيق نوع محدد ومضبوط من التفاعل( تأثر وتأثير) تُعرف من خلال خصائص هذه المكونات والعناصر النتائجُ التي ستكون عنها(ratiocinative).
وليس لأحد أن يعلم على وجه الدقة واليقين – إلا أن يكون من أصحاب القرار ومن المشاركين في الإشراف والسيطرة- ما هي المكونات بعينها التي اُختيرت لتكون المرتكزات البنيوية التي ستكون المعوّل عليها في إعادة هيكلة البنية السورية وإدارة نظامها البنيوي. ولكن ثمة مؤشرات واضحة يمكن من طريقها، مقاربة تلك المكونات، وهي مؤشرات مبنية على المعرفة بالتراث النظري لعلم البنية ومدونتها الفلسفية وضوابطها المنهجية، أي إن الحتمية البنيوية بلغت مستوًى من التنظير والتقعيد جعلها تتمكن من شروط العلمية التي كانت حكراً على العلوم البحتة، الأمر الذي دفع كثيرين للقول بجدارة البنيوية لتكون رائدة العلم المعاصر وبقدرة منهجيتها على تفسير كل ما يمكن دراسته والبحث فيه. وهذا يعني أن الإدارة البنيوية أو التطبيق البنيوي في أي مجال أو ملف ليست عملية تجريبية أو تخمينية، ولا هي خاصية سرية، ولكنها آلية منهجية ومعرفة فلسفية تظهر في نتائجها وطريقة عملها.
ويبدو أن إعداد البنية السورية وإدارة ملفها السياسي قد عُوّل فيهما على أربعة مكونات رئيسة: (الطائفية والعرقية)، (الاقتصاد والمال)، (الدم وحقوق الإنسان)، (جدل المصالح وتضاربها أو تصارعها)، ومن ثم أعادت توزيع العناصر الفاعلة المستحدثة والقديمة على وفق ما تقتضيه متطلباتُ المجاورة والمباعدة وجدلُ التأثر والتأثير بين العناصر والمكونات من جهة، وبين المكونات مع بعضها والعناصر فيما بينها من جهة أخرى. وهذا ما يسمى في علم البنيوية بالهندرة أو إعادة الهندسة وإدارتها(Reengineering) التي تقوم على إعادة الهيكلة جذرياً، والاهتمام بالآلية ونظامها البنيوي على حساب العناصر والمكونات البنيوية. أي تصير البنية ومكوناتها وعناصرها محصورة بدورها الوظيفي لا الوجودي، فهي وظيفة فقط.
وقد تبدو هذه المقاربة أقرب إلى التحليل الأدبي والتأويل الرمزي للنصوص، التي تغرق في الشطط التنظيري غير المبرهن عليه وهو ما يعرف بالسميوزيس التأويلي[ انظر إمبيرتو إيكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيك، ص51 وبعد]، وعليه تكون أقرب إلى الرؤية الأولى المتمثلة في نظرية المؤامرة، وتفقد صلتها بالرؤية الثانية القائمة على المنهجية البنيوية ومعطياتها النظرية والتطبيقية. ووضع هذه المقاربة ضمن رؤية نظرية المؤامرة يعني أنها مبنية على تحليل بلاغي انفعالي بعيد عن الموضوعية والروح العلمية، وأنها ليست أكثر من سرد رغبوي وفذلكة مصطلحية تُرجع الظواهر كلّها إلى يد شريرة وتآمر مباشر وتواطئ عوامل محيطة ومؤثرة، لتنتهي الحكاية إلى رؤية كوميدية سوداء. فرفض هذه الرؤية البنيوية مبني على عدم تصديق ما يقال عن النفوذ الإمبريالي وقدرته على بلوغ هذا الحد والمستوى من التحكم والسيطرة. وما هذا إلا لأنه يصدر عن عجز عقلي غير قادر على تصور القدرات الذهنية واللوجستية التي بات يملكها البشر في ظل العلم الحديث والثورة التكنولوجية المهولة، وهذا تصور عاجز يصدر عن ذهنية بشرية استقال فيها العقل من وظيفته في مواكبة الصيرورة التاريخية والركب البشري الحضاري والتزم فيها العزلة في صومعته الأثرية وظن أن هذه حدود العقل وقدراته[ انظر مفهوم العقل المستقيل عند الجابري وطرابيشي في كتابيهما: تكوين العقل العربي، والعقل المستقيل في الإسلام]. هذه العزلة تبعد المرء عن القدرة على استحضار الملكة المنطقية الفطرية وامتلاك أدوات محاكماتها، أي يصير العقل في حالة (Saphead) ركود منطقي أو عداء مع آلة المنطق(Cognitive impairment)، ونحن نعيش في عصر استطاع فيه العقل البشري العلمي استثمار الممكنات الرياضية والفيزيائية والكيميائية والفلسفية والمنطقية والهندسية وجمعها في منظومة بنيوية واحدة، قادرة على التحليل والتفسير العلميين القادرين على إشباع النهم المعرفي للإنسان، وعلى توثيق صلته بالكون الذي يحتويه، وعلى تمكينه من التفاوض والتعامل معه، وتحقيق قدر عال من التفاهم والانسجام، وما أمكن من السيطرة على المتاح منه. ولقد أعطي هذا العقل الثقة في توكيله لتحقيق هذه المهمة. ومن هنا يمكن فهم مقولة هيغل: " إن ما هو عقلي متحقق بالفعل، وما هو متحقق بالفعل عقلي" [أصول فلسفة الحق، ص87]. فقد جمع فيها العقل والمعرفة والواقع، ضمن علاقة جدلية بنيوية متسلسلة: فواقعُ الإنسانِ مصنوعُ وعيهِ، وواقعُه يصنع وعيَه؛ فالإنسان ابن وعيه بنفسه، ومن ثم وعيه بالعالم، وهذا العالم بدوره يسهم في صناعة وعي الإنسان وتطويره أو في إعادة إنتاجه. ويتوقف تمكن الوعي من العالم بقدر مخزونه العلمي، وهذا المخزون نفسه يستمد طاقته وينميها بالاعتماد على آلية الشحن الذاتي المستمدة من آلية التمكن نفسها التي ينجزها الوعي؛ وهنا يصير كل ما هو علمي فهو واقعي، مثلما كل ما هو واقعي فهو علمي. وتأتي قيمة هذه المقولة وخطورتها في القسم الثاني؛ إذ إن القسم الأول يعبر عن الإرادة الإنسانية وفلسفة الوعي وعلميته الواقعية، وأما الثاني فهو يشير إلى علمية الواقع وظواهره، حتى تلك التي تبدو ميتافيزيقية فهي علمية ما زال وعينا بها عاجزاً عن كشفها وفهمها. فالعلم ما هو واقعي متحقق، والواقعي ما هو علمي متحقق، قطبان يربط بينهما الوعي ويستمد منهما علميته وواقعيته. وقد أشكلت هذه المقولة على المدرستين: المثالية والوضعية؛ إذ رأت فيها الأولى إعلاء للعقلي وتحجيماً للاعقلي، في حين رأته الفلسفة الوضعية إعلاء للميتافيزيقي وتمكيناً له. وليس هذا المقال لمناقشة هذه الإشكالية، وإنما القصد هنا هو التنويه بالدور الذي أوكل للعقل وبالأهمية التي أعطيت للعلم الوضعي الواقعي، ومن ثم التوحيد بينهما في منظومة بنيوية واحدة تضمهما مع الواقع؛ وهو ما يفسر تأكيد الفكر الغربي على الدلالة المزدوجة للتسمية (عقل) وربطه بالسبب كما هو في اللغات ذات الأصل اللاتيني، أو بالمنطق كما في الألمانية وغيرها[انظر الجابري: تكوين العقل العربي، ص20-23]، أي جمع العقلانية والعلمية والواقع في منظومة بنيوية واحدة، وبواسطة هذه البنيوية يجري تفسير ظواهر العالم وفهمها بوصفها بنية قابلة للإدراك والتعليل. وقد شهدت البنيوية تطورات كبيرة، حتى صار هناك اليوم حقل معرفي جديد يعنى بعلم الاحتمالات البنيوي ونظريات التجريب، وهو ما يطلق عليه مسمى (Game Theory) وقد وصل إلى مستويات علمية عالية، وصار له علماؤه وأبحاثه ودراساته ونظرياته التي مُنحت لأجلها (نوبل)، وغيرها من الجوائز العالمية المرموقة.
لا يمكن الزعم أن مجالات العلوم الاجتماعية والسياسية يمكن أن تخضع للحتمية البنيوية، مثلها مثل البيولوجيا والرياضيات وغيرها، ولكنها حققت تقدماً كبيراً وتطوراً نوعياً لا يمكن – كذلك- نكرانه. ولقد حققت الأبحاث البنيوية الاحتمالية نتائج علمية سدت معظم مساحة الفجوة بين الحتمية العلمية والفرضيات الإنسانية، خاصة أن معايير التطور العلمي بدأت تعيد النظر في مفهوم الحتمية، ولا سيما في مجالات فيزياء الكم ونظرياتها الأخيرة. وما تزال التجارب العلمية في عمل دؤوب غير منقطع في مجالات الحياة كافة. وما من بلد يقع بين فكي كماشة الأزمات الدولية إلا ويمسي حقلاً من حقول هذه التجارب. وهذا ما يحدث في سوريا اليوم. وكما ذكرنا فإنه من العسير تحديد ماهية هذه التجارب ومرتكزاتها وغاياتها تحديداً دقيقاً جازماً، ولا سيما أنها تجارب استخباراتية محمية، وضمن تقاطعات المصالح المتصارعة. وقد يكون لهذا الاصطراع دور في إحداث عوائق معرفية أو أبستمولوجية في جانبين: نجاح التجارب، ومعرفة تفاصيلها. أي كثيراً ما يكون في تضارب المصالح عامل مهم في إخفاق هذه التجارب وعدم نجاحها أو إتمامها على وفق المراد منها، وأيضاً، فإن الاصطراع الاستخباراتي يجعل أمر الاطلاع على تفاصيل التجربة غاية عسيرة المنال من جهة، وهو كذلك الأمر، يجعل التغيير في قوانين اللعبة ومحدداتها سمة ديناميكية حاضرة فيها، هذا من جهة أخرى. وذلك كله يتم بوصف هذه التجربة لعبة تقوم على أسس تتداخل فيها قوانين النزاع والتنافس والتعاون بين اللاعبين المتصارعين والمتشاركين على مكتسباتها وعائداتها.
ولكن على الرغم من صعوبات التحديد والكشف في خفايا هذه الألعاب، فإنه ثمة مؤشرات بنيوية دالة على كثير من محدداتها وملامح ماهيتها. وفي سوريا تتضح مؤشرات متعددة يمكن أن تقود إلى طبيعة اللعبة ومحدداتها وتموقع عناصرها، وقد ذكر المقال أن هناك أربعة محددات مهمة أو رئيسة في المنظومة البنيوية السورية يجري التركيز والتعويل عليها في إدارة هذا الملف؛ وهي الطائفية أو العرقية- كلتاهما في دور واحد- والمال أو الاقتصاد، والدم وحقوق الإنسان، والمصالح الخارجية المتضاربة. وترتبط هذه المحددات بعلاقة عضوية جدلية، الأمر الذي يجعلها ذات طبيعة معقدة ويصعّب من استراتيجية التحكم بها والتنبؤ بمسارها وصيرورتها. وهي من جهة أخرى قد تكون أكثر فاعلية وأنجع في تحريكها؛ إذن تنطوي العلاقة على خاصيتين متمايزتين واحتمالين متضادين متلازمين(superposition)، وقد أخذها علماء البنيوية من مفهوم فيزيائي: ثنائية الحياة- الموت، التي قال بها الفيزيائي النمساوي أرفين شرودنغر، والمسماة بمفارقة شرودنغر(Schrödinger’s cat paradox). وهذا يزيد الواقع السوري صعوبة ويعمق مأساته، لكنه في الوقت ذاته قد يحول بين المخططات ونجاحها على النحو المراد منها.
■ الأثر، العلامة، الاسم والصوت:
يشبه تحرك هذه المحددات ضمن البنية السورية إلى حد كبير حركة عناصر الذرة ودورانها حول النواة، فهي حركة معقدة وتحتاج إلى قوة رصد عالية الدقة. بيد أن أس المأساة أن المسيطرين على الملف السوري(ملف اللعبة) ليسوا حريصين على سلامة التجربة بقدر حرصهم وانشغالهم بالنتائج، فلا مشكلة عندهم من تكرار التجربة بغية استثمار الوقت والسبق إلى الغنيمة. وهذا يعود على تسارع المتغيرات الدولية وما يرافقها من تقلبات المزاج السياسي، وربطها بملفات أخرى والتفاوض عليها؛ أي تتحول من لعبة استراتيجية إلى مجرد وظيفة في لعبة أكبر.
هذه الآلية التفاوضية والتنازعية في إدارة اللعبة والسعي للسيطرة على منظومتها البنيوية بغية إعادة هيكلة البنية السورية وفق المصالح الدولية، من دون الحرص على طبيعة البنية بمحدداتها وعناصرها، جعل الفرد السوري مجرد أداة ووظيفة مرحلية منزوع الإرادة الحرة. فلم يعد إنساناً بقدر ما أصبح عنصراً وظيفياً آلي الحركة والاستجابة والتفكير؛ فقد يقاتل أو يقتل أو يبيع أو يخون، هي خاصية القابلية لكل شيء. وذلك بعد أن فُقدت طبيعة التميز والاختلاف، وصار الجميع نسخة واحدة ويمكن إعدادها لأي وظيفة ضمن هذه البنية. ليس هناك عقل فردي ولا ضمير متمايز، هناك فقط عقل جمعي مسيطر، نقل المواطن السوري من حيزه الطبيعي إلى حيز القطيع. ومن نتائج هذه اللعبة أنها سلبت من الفكر النخبوي نخبويته وجردت مخزونه القِيَمي من رصيده وجمع سنينه، وشوهت فيه معاييره البنيوية التي كانت مصدراً أو مرجعاً ضابطاً لمكونات المنظومة البنيوية السورية وأركانها وأسسها: الاجتماعية والثقافية والسياسية والأخلاقية؛ فلم يعد مستغرباً أن ترى نخبوياً تنويرياً يعتصم بحبل جماعته وينافح عن مكاسبها الضيقة، وقد تجد آخر يرمي بقيم وطنيته وثوابته الأخلاقية ويشرع التعامل مع دول معادية أو محتلة، والعلماني صار أصولياً، والديمقراطي غدا مستبداً، والمتدين أمسى علمانياً في الجوانب التي تخدمه ومتشدداً فيما لا يخدمه. ولقد سلب القطيع صوته، وضاع في لجة الصياح والهرج. فهو عنصر وأداة صوت وتسجيل، قد يظن بنفسه أنه يتكلم، بين ما هو إلا آلة تبث ما يوضع فيها من شريط تسجيل، وقابلة لتفعيله وتبليغه مهما تنوعت وتباينت الأصوات: ساعة موسيقى، وأخرى موعظة دينية، ثالثة بلغة أعجمية، وبعدها بلهجة محلية...! فليس هناك أسماء بل هي ماهيات فقط، ماهية تحدد هويتها المكان الذي رميت فيه: بري، قطبي، استوائي، أليف، عشبي، لاحم، مفترس، مدجن...!. وسترى الفرد السوري يوماً مع التقسيم ويرفض الوحدة، ثم تراه يوماً آخر ضد التقسيم ومع الوحدة. ومن يصبح مع محور المقاومة قد يمسي ضده، وقد يباشر صبحاً جديداً بموقف ثالث مختلف. ومن كان ضد استخدام السلطة للعنف والسلاح مع خصومها ومعارضتها أضحى يراه ضرورة وأحقية...!
كل ذلك يحدده المكان وليس القيم أو الثوابت التي فُقدت بوصلتُها. وثمة تفاصيل ميدانية وأحداث ومواقف كثيرة توضح ما قيل وتبينه وتؤكده، لكن المجال لا يتسع لتقديمها، وما من فائدة حقيقية في ذكرها سوى أنها تنوعات شكلية لدلالة واحدة: آلة صماء تعمل من دون أن تعي ذاتها، ومحددات جرى تحضيرها وإعدادها وتحوير طبيعتها بما ينسجم مع دورها ومهمتها، وعناصر تم تدجينها أو خلقها أو تعديلها للنقل من حيز البشرية إلى حيز الأداة الوظيفية. ومن أهم الإشكاليات البنيوية في تحول الفرد السوري عامة، والنخبوي خاصة، إلى أداة وظيفية وسلب صوته وضياعه في لجة القطيع هو أنه يقع في متاهة الخلط بين الحق والصدق، فيظن أن صدقه في التعبير عن رؤيته ومعتقده يكسب تصوراته قيمة الحق والحقيقة، وما هذا الخلط إلا لأن الجميع بات يحتكم للتصور الشعبي- القطيعي الذي يماهي بين الصدق والحقيقة أو بين الإخلاص والحق، فتصير هناك فجوة شاسعة وهوة عميقة بين الدال والدلالة وبين المصطلح والمفهوم المنبثق عنه وبين الموضوع والمحمول أو تشوه علاقة الإسناد النحوي بين الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، وتفقد اللغة معناها وهذا من أخطر وجوه ضياع الصوت، مما يخلق زيفاً موهماً بنقائه وصحة تركيبه، ويشيع ظاهرة المثقف الزائف المغتر بصوته والموهوم بنقائه وحكمته، ويعمم حالة الإنسان المسلوب الصوت؛ الصوت الذي يعتقده صاحبه أنه صوت، في حين أن العقل الاعتزالي، قبل أكثر من ألف وخمسمئة سنة، أنكر أن يكون الكلام معنى قائماً في النفس، فلا بد أن يظهر ويتحقق ليصير كلاماً، ولا يمكن أن يكون ظهوره وتحقق من غير الصوت؛ فهما شيء واحد. والصوت لا يكون كلاماً إلا إذا تجاوز كونه أصواتاً مقطعة، من غير أن يحصل فيه التواصل المقصود المؤدي للمعنى[المغني في أبواب العدل والتوحيد، ج7، ص15، 22]. وليس ذلك وحسب، وإنما بيّنوا أن المتكلم لا يحقق شرط التكلم إلا أن يتكلم بصوت مفهوم ومقصود وعن إرادة ووعي ودواعيه، ولهذا فإن العرب" يقولون في المصروع أن الجن يتكلم على لسانه، ولا يضيفون ذلك الكلام إليه، وإن سمعوه من ناحية فيه على الوجه الذي يسمعونه من السليم"[المغني، ج7، ص49]. فلا كلام من دون متكلم، ولا متكلم من دون صوت وقصد ووعي بدواعي صوته وكلامه.
ولأن طابع تلك السيطرة وطرائق مخططاتها تنبني على السرية والتمويه والتستر، فليس يسهل تعيينها على وجه دقيق ومؤكد، بيد أن أثرها بائن ويسهل رصده، وهو ما حاول هذا المقال تقديمه من خلال الآثار السابقة أعلاه وعلاماتها الدالة أو الفاضحة.
وأما فيما يخص مخططات هذا التحكم والسيطرة والإدارة وغاياتها الاستراتيجية، فهي ما تزال لمّا تكتمل بعد وتنتهي، ولكنها- بلا شك- لن تقتصر على غاية واحدة، وإنما هي تدخل ضمن نظرية لعبة الاحتمالات الممكنة التي يُعمل لأجلها، كلها أو بعضها، ومنها ما يمكن أن يفضي إليه هذا المقال من احتمالات مرصودة الإشارات، بحسب السياق الذي كاد أن يستوفى تحليله، ومتوقعة الحصول؛ وهي:
- تشويه/ كشف صورة أبي محمد الجولاني- بغية إنهاء هذا التيار.
- تشويه/ كشف الإسلام السياسي.
- كشف المكونات الجهادية.
- خلق حالة من النفور العاطفي والتهجيج الوجداني من الدين وملازماته الروحانية.
- هدم أحقية الثورة ضد النظام السابق وإبطال كل ما بني عليها.
- توريط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجره إلى لاهاي، ولا سيما أنه على مقربة من نهاية ولايته الأخيرة.
- تمكين قسد ورفع نسبتها من نصيب السلطة والحكم في سوريا.
- إضعاف المكانة الاعتبارية للوجود السني، ووصمها بقابلية التنازل والمساومة على الأرض والجغرافية السورية.
- إعادة إنتاج الأسد اعتبارياً ووجدانياً وتاريخياً في الذاكرة الشعبية السورية.
- خلق حدود جديدة جغرافية وعاطفية.
- منح إسرائيل أفضلية على الصعيدين التفاوضي خاصة والجيوبوليتيكي عامة.
- خلق ذاكرة طائفية وعرقية متجذرة في تربة المنطقة ونسيج تاريخها.
- خلق حالة قلق هوياتي وشلل تاريخي وإعطاب وجداني يقود إلى تشويه علاقة المكونات السورية بحاضنتها العربية.
- ابتزاز الخليج العربي مالياً.
ضمن هذا الواقع وفي ظل هذه السيطرة البنيوية الخارجية، على الملف السوري، وانعكاساتها على بنيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإنه من المحال على السوريين اليومَ أن تكون لديهم القدرة على معالجة وضعهم، وذلك لأن السوري بات أسير صيرورة آلية جبرية لا حول له ولا قوة ولا إدراك سليماً بما يحيط به. ولهذا فما من تعويل إلا على التدخل العربي لإنقاذ هذه البنية وفك ارتباطها بالمسيطر الخارجي وتأثيره البنيوي، بغية تحرير الإنسان السوري بفك إنسانيته من قالبها الآلي الجبري الأداتي، والمساعدة لأجل إصلاح وعيه المعطوب، واستعادة صوته المسلوب وإعادة تأهيله وتمكينه وانتشاله من ظاهرة الصوت الموهوم التي قال عنها حسن حنفي[التراث والتجديد، ص16]: " فنخطب ونظن أننا نفكر، وننفعل ونعتقد أننا نفعل"



#هيثم_علي_الصديان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العمالة والعملاء- والاستثمار الصهيو/نفسي
- الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
- الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
- من فزعة السويداء إلى فزعة على السويداء- هرم الثورة المقلوب
- ظاهريات الدولة السورية- رحلة المفهوم من الوعي إلى البندقية


المزيد.....




- تساقطت في إلينوي.. احتمال تسجيل رقم قياسي جديد لحجم حبات الب ...
- حصريًا لـCNN: روسيا تقدم لإيران تكتيكات متطورة لضرب أهداف أم ...
- مصر: معدل التضخم السنوي ارتفع قبيل حرب إيران.. خبراء يوضحون ...
- التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي: المعركة الخفية في ال ...
- رومانيا تسمح لطائرات أمريكية بالتزود بالوقود لأغراض -دفاعية- ...
- ضحايا بالملايين… التمييز يضرب قلب المجتمع الألماني
- حرب المسيرات في السودان.. ضربات دامية في جنوب كردفان والنيل ...
- بين الأنقاض والخطّ الأصفر.. سكان حي الزيتون في مرمى العطش وا ...
- بين أهداف ترمب ونتنياهو.. كيف يمكن أن تنتهي الحرب على إيران؟ ...
- طهران تحذر والجيش الأمريكي يلوّح بضرب الموانئ الإيرانية على ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم علي الصديان - سوريا السقوط- البنية والبنيوية