هيثم علي الصديان
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 20:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس يعقل أن يظن ظانّ أن الفكر الذي يستثمر في جزيئات الذرة ويبذل لأجلها ملايين الدولارات، ليس هناك بقعة في الأرض لا يستثمر فيها. الفكر الذي يستثمر في الخيال ويهدر أموالاً طائلة فيه لا يمكن أن يهدر حيزاً في الواقع من دون استثمار. الفكر الذي يغزو الفضاء ويبحر في الأعماق، هل يعقل أنه قد يمتنع عن غزو متاح من الأرض وفيها؟!.
الكيان الصهيوني يعلم أنه في عُرف البشر هو محتل غاصب، ويعرف أنه يواجه أمة فيها من المؤمنين بزوال هذا الكيان ما يفوقه عدداً ووفرة، وفيهم من قوة العقيدة وفائض القناعة ما يخيف المحتل ويرعبه. فليس أمامه إلا أن يعمل جاهداً لإضعاف هذا الإيمان، ولزعزعة هذه القناعة بوجودها كأمة وبأحقيتها في الدفاع عن أرضها ووجودها، وذاك بالتوازي مع تكوين منظومة علمية تقنية تصنع الفارق. ولقد تحقق له الفارق العلمي التقني، فكيف هو سعيه لتحقيق المراد الأول؟ هو - أيضاً- بالعلم ونظرياته.
يريد الكيان بداءة أن يتحول من وجود بوصفه كياناً، إلى وجود بوصفه دولة إسرائيل. وفي هذا ثلاث مراحل متداخلة عضوياً: الأولى الوجود، والثانية إلغاء فكرة الكيان، والثالثة تثبيت فكرة الدولة بمسماها التوراتي المعتبر بالحرف الكبير(Israel)، وهذا لا يكون على الورق ووسائل الإعلام ولا في أروقة الأمم، إنما يجب أن يتحقق في محيطها المعادي الرافض المنكر سطوها. وهذا لا يكون إلا من خلال الاستثمار في تلافيف الدماغ العربي-الإسلامي المحيط، أي إن المراد زرعُه وسقيه وتشجيره وتحقيقه في العقل، ليصير جزءاً طبيعياً ضمن بنية الفكر المعادي.
ولهذا يسعى الكيان ليصير حالة طبيعية متداولة في الذهنية العربية-الإسلامية، بوصفها دولة إسرائيل، وهذا يتم عبر خلق تماثل بنيوي من خلال احتمالين: إما جعل إسرائيل أمة تمثل يهود العالم بوصفهم أمة من الأمم وليس شتاتاً منبوذاً، وإما بوصف الآخرين كيانات مماثلة للكيان اليهودي المجاور؛ ولذلك هي تعمل جاهدة ضمن الخلية النفسية للعقل الجمعي المعادي، على احتمالَي قطة شرودنغر(إما أن يتحقق التفتت وإما أن تثبت فكرة الدولة-الأمة/إسرائيل المماثلة للفكر المعادي ديناً إبراهيمياً وأمة عقدية وقرابة قبلية سبطية من نسل نبوي واحد).
وما يجري اليوم من خلق قلاقل، معتمدةً على عملاء مباشرين تستثمر في الجزيء الغبي من ذكائهم السياسي المتجرد من أخلاقيات الانتماء، وعلى عمالة جمعية غير مباشرة تستثمر في الجزيئات القادرة على الحس التفكيري موهمتها أنها تفكر وتفكر بذكاء، أي بخلق تفكير غبي وإيهامه أنه تفكير ذكي، وهذا يكون على مستوى الحس الجمعي الجماهيري. وهذا ما يجري اليوم في المنطقة: من إيران، إلى العراق، فلبنان، ثم سوريا، وما بعدها ربما في مصر بعد إخفاقتها الأولى، وربما في تركيا ولا سيما أن الأخيرة عقلها الجمعي أكثر سذاجة وقابلية لهكذا استثمار. ثم وثم دواليك.
وكل ما يحدث اليوم هو في هذا الإطار وضمن هذا المسعى؛ فما يبذله الكيان من تحريض هنا ودعم هناك وتواصل وتهديد ومخادعة ومهادنة ثم انقلاب، ووعود ثم تسريبات، كل ذلك يجري بغية جعل الذهنية والوجدان المعاديين لهذا الكيان يعتادان عليه وعلى ذكره ومن ثم على وجوده وقبوله عبر مرحلتين نفسيتين: الأولى التسليم كحقيقة واقعة بحكم القوة والاحتياج والضرورة، والثاني الاقتناع بأحقيته في الوجود المماثل، أي يتحول هذا الكيان من الحقيقة الذهنية المفروضة بحكم الواقع إلى الأحقية الذهنية القارة في الوجدان، فهو يريد أن يصير حالة نفسية مقبولة بالرضى والقناعة وليس حالة جغرافية واقعة بالفرض والقوة.
والفكر الصهيوني يعرف أن التفتيت قد يحقق له الاستقرار القريب، بحكم القوة والفرض مرة أخرى، وأما البعيد فلا؛ لأنه ربما تعود وتستفيق وتنهض الروح المعادية لهذا الكيان ووجوده غير الشرعي، بعد أن ينتهي مفعول التخدير النفسي والتهييء الذهني المصطنع بوهم شرعية البيوت البلاستيكية ونجاعتها في صقيع التبلد الذهني، الذي سيصير وبالاً حارقاً بعد انجلاء هذا الصقيع وتبدل الأحوال وقدوم الصيف. ولذلك فالكيان أمامه حلان: حل سياسي عاجل يحقق مكاسب سياسية للساسة القائمين الآن، ولا سيما نتنياهو، وحل استراتيجي بعيد يكون من خلال إدامة القلاقل البنيوية في الذهن والوجدان المعاديين، أي في الإبقاء على محيطها العربي-الإسلامي جسداً متفسخاً متعادياً مضطرباً قابلاً للانفجار متى أريد له ذلك، وهذا أفضل من خلق كيانات أقزاماً لكنها ربما تستقر ويستنهض فيها وعيها بحقيقة واقعها. فثمة اليوم صراع بين جناحين داخل الكيان: جناح نتنياهو الذي يريد تحقيق مكاسب عاجلة تحسب له، وبعدها يخلق الله ما يشاء من الطوفان، وهو يسعى للإقناع أن بعد التفتيت الطائفي- العرقي سيتبعه تفتيت جديد دواليك إلى ما لا نهاية، وبين جناح آخر يريد جسداً عليلاً من دون إجراء عمليات علاج وهمية من إزالة واستبدال واستغناء.
لقد استطاع هذا الكيان تهيئة الجو وأعد العدة للاختراق والدخول بواسطة نوعين من العمالة والعملاء: عملاء أفراد، قد لا يعون عمالتهم ولا يسلمون بها لكنهم يعون تواصلهم وخضوعهم تحت ذرائع نفسية واهية ووهمية مخدرة، يُحرَكون مباشرة من القرار الصهيوني، وثمة عمالة جمعية تُحرك من خلال حسها الطائفي-العرقي الغبي. بالمقابل من ذلك نجد كثيراً من النخبة السياسية والثقافية التي تتصدى للواقع وما دروا أن الكيان يستثمر، كذلك، بغبائهم الجرثومي المعطوب في زوايا رؤيوياتهم السياسية والفكرية.
لقد استطاع الكيان خلق بنية مغناطيسية قطبيتي المنشأ الذهني السالب والموجب، من خلال دس فيروس التغبية ضمن ما يوهم بالذكاء، وبالمقابل من ذلك من خلال خلق وهم التذاكي في بنية العقل المستقيل والحس المعطوب طائفياً والوجدان التائه في مفازات الهلاك، لا يملك إلا الدعاء بالنجاة والتواكل الموكل إلى مزيد من الضياع.
قالها صراحة، وليس من قبيل الاستعراض وحسب، رئيس الموساد السابق يوسي كوهين:" نحن في كل مكان يمكن أن تتخيله. لدينا من المعدات التي تلزمنا في كل الدول". وقالها رئيس الاستخبارات الراهن ديفيد يرنباع:" قمنا بأشياء أقرب إلى الخيال". هؤلاء لا يتحدثون للاستعراض فقط، ولا للإرعاب وحسب، ولا لبعث العزيمة في الروح الصهيونية المنهكة لا غير، وإنما لهذه كلها وللتنويه بأشياء لديهم ثقة تامة ببعدها عن أي خطر انكشاف وانفضاح أو تعثر في ظل محيط معاد مشغول بقلاقله وغباء قلقه.
الموساد ليس وحيداً، على الرغم من قوته وضعفنا ويقظة هواجسه وسباتها عندنا، لكنه ينسق مع أقوى أجهزة الاستخبارات الكولونيالية وليس الأمريكية وحدها التي أشار إليها يرنباع. فهذه الأجهزة هي في سعي دائم حثيث لتحويل الخيال الروائي والفني إلى واقع منجز استخباراتياً؛ فليس يستبعد أن يكون هناك صهيونيون بيننا، بوجوه مألوفة تكون صاحبة قرار، أو في مراكز حساسة من اتخاذ القرار، بعد تغييب الشخصيات الحقيقية وزراعة جواسيسها وعناصرها كما هي في الأفلام والمسلسلات الأجنبية التي كانت في يوم ما أقرب إلى الخيال. وهذه قد تكون إحدى الطرائق والوسائل وليست أدهاها وأخطرها، ولا سيما إنهم قادرون على خلق عملاء من البنية العربية-الإسلامية ذاتها، وهذا أكثر نجاعة لهم وخطراً علينا من طريقة الجواسيس؛ بل وربما لديهم وسائل وطرائق وتقنيات وأفكار لم تسبق إليها يد الخيال الروائي والفني، وقد صارت واقعاً فاعلاً معششاً بيننا وعلى أسطح بيوتنا السياسية ذات القرار والتأثير...!
إنها حالة فريدة من حالات الاستثمار النفسي الجزيئي في العقل الجمعي والفردي لعالمنا العربي-الإسلامي.
#هيثم_علي_الصديان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟