أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم علي الصديان - كيف صُنع التوحّش الطائفي- جناية الأبد والمتلازمة الذئبية














المزيد.....

كيف صُنع التوحّش الطائفي- جناية الأبد والمتلازمة الذئبية


هيثم علي الصديان

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 11:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لماذا أظهر نظامُ الأسد كلّ هذه الوحشيّة؟
ولماذا كان هذا الاستهتار بالفساد أغلب فترات وجوده؟
لماذا تحوّل عنصر الأمن إلى متوحّش هائج، تجاوز كلَّ حدود التصوّر مع ضحيّته؟
هذه كلّها تعود إلى عامل واحد رئيس أكثر من كلّ ما عداه:
إنّه طول مدّة الحكم.
لقد استفاقت هذه الأجيال على الحياة لترى نظاماً بعثيّاً أسديّاً يحكم البلاد ويسيطر عليها..
لم تعرف هذه الأجيال البعثَ حزباً يكافح بين أحزاب أخرى؛ لكنّها عرفته الحزبَ الحاكم.
لم تسمع شعاراتٍ حزبيّةً أخرى تزاحم شعار البعث.
لم تعرف الأسد مرؤوساً، يتدرّج في الرتب والمناصب. عرفته رئيساً بالرتبة الأعلى في البلد.
لم ترَ حملةً انتخابيّة تقدّم مرشّحاً له برنامج سياسيّ مختلف عن شعارات البعث وعن نهج سياسة الأسد.
منذ أن نبضت الحياة في حواسّها الخمس لهذه الأجيال وهي تستقبل الأسدَ القائد الأوحد، والبعثَ حزباً قدّم حاله على أنّه الحامل للوطن وللأمّة.
وهذه حالة تشبه حالة الرّبوبية والألوهة.
فما الذي يجعل الإنسان ينطوي تحت معتقده، غير أنّه تفتّحت حواسّه ومداركه ومشاعره على هذا المعتقد ديناً وربّاً؟
من هنا فإنّ الحكم المطلق وغير المقيّد بزمنٍ يخلق حالة من الألوهة؛ تدفع الاتباع إلى استكناه طاقات وحشيّة عند أيّ هزّة تهزّ ثوابت هذا المعتقد.
ولهذا كان البعث والجيش (بفروعه الأمنيّة) مؤسّستين منحتا عناصرهما قابليةَ الفساد والإفساد؛ لأنّهما تجسّدان حالةً لا شعوريّة بالمطلقيّة، غيرِ القابلة للمراجعة أو المسائلة.
ولهذا لم يستطع المنطوون تحت تبعيّة الأسد كبحَ جماح التوحّش حين رؤوا أنّ ثمة طارئاً يريد أن يحطّم هذا الوجود المطلقَ غيرَ القابل لتصوّر النهاية، حاله حال الإله الذي لا تجوز بحقّه النهاية.
وهذا ما يفسّر كلّ هذه الوحشيّة التي تجسّدت في رجال الأسد وأتباعه...
وقيام معظم المدن السّنية عليه خلقَ حالةً من الإحساس بالأنا الطّائفيّة عند أتباعه، حالةً أحيت فيهم- ولا سيّما محدودي التّعليم- المكبوتَ الطّائفيّ؛ ما جعلهم يدفعون بكلّ ما لديهم من رهان طائفيّ من دون حساب رجعة.
ولهذا أخذ يظهر خطاب يشتم العرب ويتبرّأ من العروبة، ضمن حالة من السّعار الطائفي المجنون.
صار معه هذا التّابع لا يستطيع أن يستعيد إنسانيّته إلا بين أهله وناسه؛ من هنا يمكن فهم الاختلاف الجذريّ بين حالتين من حالات التّناقض: بين رجل الأمن وعنصر الجيش في اللاذقية أو طرطوس عنه في باقي المدن الأخرى؛ هنا يستردّ طبيعته وفطرته المتسامحة التي يفتقدها هناك، أشبه بذئب بشريّ حين يغادر أهله، وكأنه إنسان أفاتار بين عالمين مختلفين.
نعم، إنّه الأسد، بنظامه وبعثه، خلق من الإنسان التّابع حالةً ذئبيّةً مستعرةً. وهي طارئة بيولوجيّة تشبه داء السّعار أو الهيجان الذي يصيب بعض الحيوانات الأليفة التي تزداد شراسة بقدر خوفها ضمن حالة طردية متناسبة. وهذا لا يعفي المكبوت الطائفي السنيّ من شحذ هذا السّعار وتهييجه؛ أو يمكن القول: إنّها حالة جدليّة، كلُّ مكبوت فيها حرّك المكبوت الآخر.
وهذا لا يعفي تلك الدول الإقليمية- ولا سيما العربية الشقيقة- التي غذّت الخيار العسكريّ في مواجهة الدولة والنظام. هذه الدول كان بإمكانها تجنيب البلد هذا الخيار المدمّر، خيار أظهر مكبوتات وعيوباً كادت أن تختفي من المخيال ومن الذاكرة.
وهنا يأتي الاختلاف بين الأسدين الأب والابن، فقد كان الأب ابنَ التّاريخ وأحدَ آباء البعث وصانعيه، فلذلك ما كان سيحصل ما حصل لو كان هو الموجود. وأمّا الابن فهو ابن القصر وابن الحزب وصنيعة نظريّات البلاط، فهو لهذا لم يستطع التّمييز بين الواقع وصراعاته الطّائفيّة من جهة، وبين القصر وأبراجه العاجية النّظرية من جهة مضادّة.
اليوم ثمّة فرصة أمام حاضنة الأسد للتحرّر من هذه الوذمة، واستعادة روحها الجميلة بما لديها من رصيد إنسانيّ، ومن نظرة فلسفيّة للحياة تتمثّل قيمَ الرقيّ الحضاريّ المعاصر. لقد باتت طليقةً حرّةً، لتعيدَ بوصلتها نحو تنشئة جيل بعيد عن العقليّة الأمنيّة، وقريب من العلوم والمعارف، ولا سيما أنّ الأسرة لديهم ونظامها التّثقيفيّ والتّربوي فيها من القابلية ما يجعلهم في مقدّمة الرّكب. ولا أظنّ أنْ يختلف اثنان ممّن عاش بينهم، على أنّهم من أطيب أهل الأرض وأكثر العرب بساطة وتلقائية بعيدة عن التكلّف.
وختاماً، لقد اختصر المستشرق الفرنسي والجغرافي جاك ويلرس(Jacques Weulersse) ما وقع على العلويين عبر تاريخهم من الحيف والظلم والتهميش بهذه العبارة : " لم يغفل التاريخ عن شعب بقدر غفلته عنهم".
فيبدو أن هذه الذاكرة المسكونة بالخوف قد ولّدت أو أسهمت في خلق حالة ذئبيّة وحشيّة مرعبة، أو سعار دائي مجنون. وهي ذاتها حالة مرعوبة أو مهجوسة برعبها. حالة يجب أن تدرس بحياديّة وموضوعيّة علميّتين، حتى تُعرف أسبابها وحيثيّاتها، ومن ثمّ يُعمل لأجل وأد هذه المسبّبات وتجنّب خلقها في المستقبل، بغية تجاوز أي حالة مماثلة في مكان عربيّ آخر، بل في أي مكان من هذا البسيطة المسكونة بالبشر وعوارضهم، ما أمكن إلى ذلك سبيلاً.
وهذا المقال ليس الغاية منه التّشنيع على جهة أو جماعة، وإنّما هو يريد الإضاءة على حالة حصلت، وليست مختلقة اختلاقاً، حالة بشرية اعترتها عوامل اجتماعيّة ونفسيّة يمكن أن تعتري أيّ شعب؛ ولهذا فمواجهتها مواجهة علميّة واجب اجتماعيّ إنسانيّ، وليس تجاهلها أو تمويهها بغطاء بلاغيّ مزيّف أو وهميّ.
كانت حالة من العمى الرؤيوي جمعت تيهان النظام وتيهان المعارضة، وتيهان الطوائف، وتيهان السند العربيّ الإقليميّ؛ إذ استعرت الأيديولوجيّات فأُحرق الحسُّ الإنسانيّ والمنطقُ العقلانيّ، وهاجت المصالح السياسيّة والاقتصاديّة العمياء فأُعطب الهاجس الوطنيّ والشعور القوميّ الجامعين. حالة من حالات حيونة الإنسان كما سمّاها يوماً الراحل ممدوح عدوان في كتابه الشهير الذي يحمل العنوان ذاته.



#هيثم_علي_الصديان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الظلم والكذب- ومكانتهما الوجوديّة
- ثوّار أم تجّار
- الحرية والنص- نحو الفكر وعَروضه
- المثالية المضلِّلة
- القوّة الضاربة من عليّ إلى الشرع- دمُ عثمان وقميصه
- في خفايا الشرق الأوسط الجديد-مقاربة بنيوية
- غليونٌ ونيكوتينُ وقطرانُ ودخان
- أيهما أعظم حوباً- جزار التضامن أم جزار الفتاوي؟
- سوريا السقوط- البنية والبنيوية
- العمالة والعملاء- والاستثمار الصهيو/نفسي
- الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
- الدجال ومتابعوه- بين النقدين الأعلى والأدنى𞁥》
- من فزعة السويداء إلى فزعة على السويداء- هرم الثورة المقلوب
- ظاهريات الدولة السورية- رحلة المفهوم من الوعي إلى البندقية


المزيد.....




- المراقب الجوي.. صوت خفي يقود الطائرة من الإقلاع حتى الهبوط
- شاهد.. نجم سابق في برنامج -أمريكان آيدول- ينهار بعد إدانته ب ...
- مصدر لـCNN: نتنياهو أطلع رئيس الإمارات على معلومات بشأن برنا ...
- لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد.. أبرز ردود الفعل في الإما ...
- لحظة بلحظة.. الاشتباه بتعرض طائرة متجهة من الإمارات إلى إسرا ...
- طهران تتلقى الرد الأميركي.. قطر تطرح مقترحًا جديدًا ومفاوضات ...
- -الرحلة الأكثر قذارة-.. طاقم طائرة أمريكية يوثق ما خلفه المس ...
- إصابة 3 جنود لبنانيين في غارة إسرائيلية استهدفت الجنوب
- البنتاغون يختار -بوينغ- لتطوير جيل جديد من المقاتلات
- طائرة متجهة من الإمارات إلى إسرائيل تفعل نداء الاستغاثة ومخا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم علي الصديان - كيف صُنع التوحّش الطائفي- جناية الأبد والمتلازمة الذئبية