هيثم علي الصديان
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 20:15
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لقد شاع عن أحد رخيصيّ العمالة للموساد أنّه عقد مقارنة بين (عليّ) الخليفة الرّابع و(الشّرع) الرّئيس الحالي أو أبي محمّد (الخليفة الأخير). وبعد الموازنة خرج بنتيجةِ أنّ الشّرع أقرب إلى وجدانه وفكره واعتباره السّياسيّ. وهو ذاته كان قبل عشر سنوات قد طالب بتطهير السّاحل من ملّة الشرع وأهله وطائفته؛ بيد أنّه قد تاب وناب بعد ما انكشفت بصيرته على كرامة ربّانيّة بيّنت له الحقيقة وصحّحت مساره، وما الغرابة في ذلك فقد سبقه الشّرع إلى هذه الكرامة وصحّح مساره بفضلٍ من الله ومنّة منه. [للأمانة ما شاع عنه من طلبه تطهير السّاحل منشورٌ مزيّف- وإن كان فيه قابليّة الطبع].
وأنا هنا سأبيّن التّشابه السّياسيّ والظّرفيّ الصّحيح- كما يبدو لي- بين الإمام عليّ والرّئيس الشّرع، من خلال هذه المقاربة التي تتوسّل بأدوات النقد السيميالوجيّ وآليّاته.
وسأفقّرها تفقيراً لتوائم ذائقة جمهور الفيسبوك وفهمه قدر المستطاع، وإن كان في هذا إخلال ببنيويّة المقاربة:
1. الشّرع كعليّ جاء بقرارِ يد ضاربة منه له فيه، وهو كعليّ راغب بها ويرى نفسه حقيق بها بل الأحقّ.
2. والقوّة الضّاربة اليوم هي جبهتان: الإرادة الدّوليّة، والإرادة الداخليّة الطائفيّة المتمثّلة في السنّة العربيّة.
3. والشّرع، كعليّ، يعلم أنّ ثمانين بالمئة(80%) من هذه القوّة كانت إلى يوم [7- 12- 2024] قلوبها ليست معه، كما هو حال الثّوار على الخليفة الثّالث وحال قتلته، في هواهم العثمانيّ- الأمويّ طيلةَ النّصف الأوّل من حكم ذي النّورين.
فالسّنّة ليست في طبيعتها التّكوينيّة الاجتماعيّة طائفيّةً، وهي لا تستطيع أن تكون كذلك، لأسباب بيّناها في مكان آخر. فأكثرها طوال أيّام الثّورة- عدا بعض مَن هُجّر وصار بحكم الواقع في مناطق سيطرة المعارضة- قلوبها مع النّظام القديم، ولا تثق بالمعارضة ونهجها(نحو 70%) وبعضهم (10%) ليس حبّاً بالنظام وإنّما عدم قناعة بالبديل المعارض أو إيثاراً للسلامة وميلاً مدنيّاً نحو الاستقرار. هذه هي السنّة؛ طائفةٌ تنزع أكثر من غيرها نحو الاستقرار وتهتمّ بحياتها المدينيّة أو الرّيفيّة أكثر من تطلّعاتها السّياسيّة، باستثناء فئة قليلة منقسمة بين العلمانيّة والسلفيّة السّياسيّة ذات التكوين الجديد المدعوم بالدّعاية والمال الخليجيّين.
4. والشّرع، كعليّ، لا يعطي ثقته لهذه القوّة لأنّه يعلم قدرتها على التقلّبات بحكم تكوينها اللا طائفيّ، كما كان عليّ يعلم تقلّبات شيعته أو نواة تكوينها البنيويّ العبابيديّ(قرشيّ- مصريّ).
5. والشّرع، كعليّ، لا يقدر أن يحاسب هذه الكتلة المهولة الكبرى التي كانت الدّافعة الأقوى والرّافعة الأبرز في استنهاض الشّعور الطائفيّ الضّارب ليد الأسد- والذي ارتكب ما يندى له الجبين البشريّ من جرائم- وكانت المشرّع النّفسيّ لاندفاعتها؛ فلا شكّ أنّ جُلّ جرائم التّنكيل والتّشفّي كانت على يد طائفيّي الأسد. لكنّ هذا التّجبّر الطّائفيّ والهيجان المتوحّش ما كان ليتجرّأ على الظّهور لو أنّه رأى الأغلبية السّنيّة تأخذ الخطّ الطّائفيّ المقابلَ- على عكس ما يُروّح ويروج من أنّ الطّائفيّة العلويّة ظهرت ردَّ فعلٍ على الطّائفيّة السّنيّة- فما كان للوحشّ الطّائفيّ للنظام أن يتجرّأ على الخروج لو حسبها من زاوية طائفة صغيرة في مواجهة طائفة كبيرة، لأنّه حينها سينزع الحسُّ الطّائفي فيه إلى أخذ الحيطة؛ فالطّائفيّةُ تعقلنُ الطّائفيّةَ. لكنّ الحسّ الطّائفيّ المتوحّش هاج حين تصوّر أنّ المسلّحين والمعارضة شرذمةٌ صغيرة عقّت طائفتها قبل أن تعُقّ النّظام. وإن كانت بحسب هاجسه الطّائفيّ نواة صغيرة تمثّل نسخها القذرة في كلّ سنّي؛ وهنا لا بدّ من التّنبّه إلى التّفريق بين حالين: حال التكتّل السياسيّ للطائفة الذي بدأ بدافع الخوف لا بدافع الطّائفيّة الكارهة الحاقدة، لكنّه انتهى إلى طائفيّة متوحّشة متغطرسة حاقدة: أي بدأ طائفيّة معنويّة سياسيّة وانتهى إلى طائفيّة جنائيّة(وهذا ما ستأتي أسبابه):
وعليه، هكذا تُفسّر جنايةُ هذه الـ(80%)، القوّةَ الأكثريّةَ التي تميل مع القوّة والاستقرار أنّى مالت شراعه. وهكذا يعيها الشّرع وفريقه، فهم القيد الذي فُتح وسَمح للوحش الطّائفيّ أن يرتكبَ موبقاته، قتلاً وتنكيلاً وتعذيباً. نعم، الطّائفيّ العلويّ أو الأقلّويّ كان أشبه بأداةٍ أو إشارة عائمة، كما يقول السّيميائيّون، فتحتْ لها أكثريّةُ الأكثريّةِ قيدَ نِيرها لتخرجَ. وكان هؤلاء الـ(80%) هم المرجع المُعجميّ- أيضا بحسب السّيميائيّات- الذي يمنح الجرم الطّائفيّ مدلولَه التّعريفيَّ، وهم سبب تشريع دلالته. هم وليس ذاك المجرم الطّائفيّ الذي دَفن حيّاً مواطناً مدنيّاً سنّيّاً لأنّه قيل أنّه كان يصوّر ليبعث بصوره إلى العربيّة والجزيرة السُّنّيتين الطّائيّفتين باعتراف أكثريّة الأكثرية من أهل السُّنّة العربيّة الـ(80%)، دفنه من دون أن يشعر بأدنى درجات الرأفة والإنسانيّة، وخاصّة أنّ المدفون أنهى أخر كلماته من الحياة بالشّهادتين- ذواتي الطّابعين السُّنّيين في وجدان الوحش الطّائفيّ.
السّيميائيّات تقول إنّ هذا دفنه الـ(80%) من أكثريّة الأكثرية، الذين منهم جيشُ النّظام وزملاء الدّافن، ومنهم المصوّتون للنظام وزملاء أبي الدّافن، ومنهم أصحاب قصائد تمجيد الرّئيس سيّد الدّافن، ومنهم أصحاب منابر الدّعاء بسلامة تراب الوطن، التّراب الذي طَمر فيه الدّافنُ ذاك النّكرةَ المتشاهد بالشّهادتين الخبيثتين اللتين لا يُسمح بتعاطيهما إلّا لأصحاب تلك المنابر المبارك، وكذلك، منهم الرّفيق الحزبيّ الذي صار حزبه ديناً ووحياً جاء لتحطيم دين ذاك المدفون الخبيث. ومنهم ومنهم ومنهم. هؤلاء هم معجم التّوحّش الطّائفيّ وهم الملجأ والمفسّر لتلك الحالة التي كانت محظوظةً بكاميرا الدّين الجديد محطّمِ دين هذا الخبيث، في حين حُرمت مئات المتشابهات من هذه الكاميرا المقدّسة.
6. والشّرع يعلم أنّ هؤلاء الـ(80%)هم الجُناة الحقيقيّون، لكنّه يعرف هو وما وراءه من مطابخ إقليميّة ودوليّة أنّ هؤلاء هم القوّة الضّاربة اليوم، وهم الذين يمكن أن يحفظ السّلطة من أخطار المعارضة الدّاخليّة؛ فليس من بدّهم من بدّ، ولا مناص من السّكوت وغضّ الطّرف، وهذا لا يكون إلّا بإرضائهم وتمرير جريرتهم، وما من سبيل إلا بجعل الثّورة منجزاً طائفيّاً، يُعطى هؤلاء حصّتهم الاعتباريّة من الثورة(80%).
7. والشّرع، كعليّ، يعلم أنّ الذين يصرخون ويطالبون بالاقتصاص للضّحايا، سواء من جناة النّظام أم الجناة الجدد، هم أشبه برافعي قميص عثمان؛ يريدون مكانَه وكرسيّه، وبعدها سيقولون ما يقوله الشّرع اليوم لرفاق سلاحه الصّادقين وأهل حزبه الأقربين، وكما قال قبل إمام الأمويّين: "النّاس أعطونا سلطاننا، فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد؛ هذا بهذا. ولأنْ تكونوا من شارع السّلطة وأبنائها خيرٌ لكم من أن تكونوا من بقّية الشّوارع المطلوبة والطّوائف المغبونة".
8. يضاف إلى ذلك أنّ الشّرع وخصومه يعلمون، كما علم عليّ وخصمه قبلُ، أنّ ثمّة قوّة خليجيّة تريد تحويل الشّارع السّنّي المدينيّ إلى شارع بذهنيّة أقلويّة سلفيّة وهّابيّة جاميّة تكون ناراً على النّاس والمذاهب، ونوراً وهداية لليبراليّة الأمريكوصهيونية، وتكون حمايةً للسلطان المستبدّ( وبهذه المناسبة لا بدّ من التّنويه إلى خَطَل الذين يبغضون ابن تيميّة؛ فليت هذا الألمعيّ بيننا اليوم، لكان هو المشخّص لحمير اليهود والنّصارى اليوم بحسب تعبيره- ولكان لمبغضي اليوم ترياقاً- الدّاء والدّواء). فسَلْفَنَة الدّولة والمجتمع قرارٌ وليس خياراً. وكلّ مَن يقول غير ذلك فهو يبيع شارعه أوهاماً وأحلاماً(وبهذه المتاسبة- أيضاً- أودّ التّنبيه إلى أنّ هذا ردّ طبيعيّ على قِصَر نظر النّظام السّابق واستكباره المغفّل حين شرّع- أو فتح باباً- لشارعه سبَّ العروبة والتبرّؤ منها وفتح أبواب بلد عربيّ لمشروع تغيير شامل: هَوِياتيّ وديموغرافيّ).
9. وأخيراً: كما أخطأ (عليّ) حين قبِلَ أن يخلع رداء الغضبة العلويّة المعروفة عنه ويرتدي رداء المصانعة والمداراة، ويجهد نفسه لإرضاء الأفرقاء كافّة(شيعته، والأمويين، والقحطانيّين، والعدنانيّين، وأهل العقيدة، وأهل الغنيمة، وأهل القبيلة، والثّوّار، وحزب أمّ المؤمنين، والخوارج) فخسرها كلّها، ولم يعد يُعرف أهو عليّ الفتى وصاحب ذي الفقار، أم هو الخليفة المعقوق والرجل المخذول؟ كذلك، الشّرع خلع رداءً واستبدل به رداءً، فهل هو السّابق أم الرّاهن؟ وهذا طريق سالكٌ نحو الخسران وما لا يحمده الحامدون من عاقبة.
هذه مقاربة سيميائية فيها من الاختزال ما تفرضه الحال والمقام. وتذكّروا عبارة(الخليفة الأخير) التي هي إحدى غايات الإرادتين الإقليميّة والدّوليّة.
#هيثم_علي_الصديان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟