أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. تفكيك الصحة العامة: من المركز الصحي إلى السوق















المزيد.....

7. تفكيك الصحة العامة: من المركز الصحي إلى السوق


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 02:49
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


في كل حي من أحياء المدن السودانية، وفي كل قرية، كان هناك مركز صحي. مكان صغير، لكنه كان يجسد مبدأً اجتماعياً واضحاً: أن العلاج الأولي، والتطعيم، ومتابعة الحمل والولادة، والكشف عن الأوبئة، خدمات ينبغي أن تصل إلى الناس حيث يعيشون وليس امتيازات يشتريها القادرون على الدفع. تعرضت هذه المراكز لتفكيك ممتد على مدى عقود، بدأ مع إعادة توزيع المسؤوليات بين المستويات الاتحادية والولائية والمحلية دون توفير الموارد الكافية، وتعمق مع تراجع العلاج المجاني وفرض الرسوم، وانتهى إلى تهميش الرعاية الأولية لصالح الاستثمار في المستشفيات التخصصية، خصوصاً في المدن الكبرى. وهكذا تحولت شبكة كانت تمثل قاعدة الصحة العامة إلى مرافق متباعدة، بعضها يعمل بإمكانات محدودة، وبعضها فقد كوادره وأدويته، وبعضها لم يعد سوى مبان بلا خدمات. في المقابل، توسعت الخدمات الصحية الخاصة حيث توجد القدرة الشرائية، بينما تراجعت إمكانية حصول سكان الأحياء الشعبية والأرياف على الرعاية الأساسية.

كانت أهمية هذه المراكز تنبع من موقعها في بنية منظومة الصحة العامة، فالرعاية الصحية الأولية هي القاعدة التي تقوم عليها المنظومة الصحية. فمن خلالها تُكتشف الأمراض مبكراً، وتتم متابعة صحة الأمهات والأطفال، وتنفيذ برامج التطعيم، ومراقبة الأوبئة، وتقديم خدمات الوقاية والعلاج الأساسي. وقد أكد إعلان ألما آتا عام 1978 هذه الحقيقة، حين وضع الرعاية الصحية الأولية في قلب استراتيجية تحقيق الصحة للجميع. وقد شكل تفكيك هذه القاعدة انهيار خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.

جرى إضعاف شبكة الرعاية الصحية الأولية التي كانت موجودة بالفعل عبر خيارات سياسية واقتصادية أعادت تشكيل دور الدولة في تقديم الخدمات. فقد نُقلت مسؤوليات إلى الولايات والمحليات دون ضمان التمويل المستقر، وتراجعت مجانية الخدمات، وأُعيد توجيه الموارد نحو العلاج التخصصي، بينما ظلت الرعاية الأولية خارج دائرة الأولويات. وتراجعت المراكز الصحية بسبب السياسات التي حكمت توزيع الموارد فأقعدتها عن المكانة التي تستحقها.

ولم يكن انتقال الموارد والاهتمام من الرعاية الأولية إلى الخدمات التخصصية عملية محايدة اجتماعياً. فالفئات القادرة على الدفع وجدت بدائلها في المستشفيات الخاصة والعيادات التخصصية، بينما فقدت الأغلبية الفقيرة الخدمات التي كانت تصل إليها داخل الأحياء والقرى. بذلك أُعيد توزيع فرص الحصول على الصحة وفق التفاوت الطبقي: أصبحت القدرة الشرائية عاملاً حاسماً في الوصول إلى العلاج، بينما تراجعت قدرة المجتمع على ضمانه باعتباره حقاً عاماً.

توسع القطاع الخاص في المساحة التي انحسرت عنها الدولة. وهو بطبيعته يتجه نحو المناطق والفئات التي تضمن له عائداً اقتصادياً، وليس نحو المناطق الأكثر احتياجاً بالضرورة. وهكذا أصبح العلاج مجالاً لتراكم رأس المال، بينما تُركت الفئات الأقل دخلاً لمواجهة المرض بإمكانات محدودة أو منعدمة.

وتظهر النتائج الأكثر خطورة في انهيار وظائف الوقاية. فالتطعيم، ومكافحة الملاريا والكوليرا، والتفتيش الصحي، وصحة البيئة، ومتابعة الحوامل والأطفال تعتمد على شبكة ميدانية متصلة من المراكز الصحية والكوادر والإمدادات. ومع تفكيك هذه الشبكة، تتراجع قدرة النظام الصحي على اكتشاف الأوبئة واحتوائها، وتتسع الفجوة بين وقوع المرض والاستجابة له. ويظل هذا الانهيار يتراكم بصمت، حتى يتحول إلى أزمة واسعة. ففي مناطق مثل دارفور، يؤدي تعطل التطعيم الروتيني، ونقص وسائل حفظ اللقاحات، وصعوبة الوصول إلى السكان، إلى زيادة مخاطر عودة الأمراض التي يمكن الوقاية منها، وفق تقارير اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان ومنظمة أطباء بلا حدود (نوفمبر 2026). وتصبح الحصبة والسعال الديكي وغيرهما تهديداً متصاعداً للأطفال بسبب تراجع البنية الصحية التي تتيح وصول هذه الخدمات إلى السكان.

وامتد التفكيك إلى منظومة الإمدادات الطبية التي كانت توفر الأدوية والمعدات والمستلزمات. فكلما تراجع دور المؤسسات العامة في تأمين الإمدادات وتوزيعها، ازدادت تبعية المرافق الصحية للسوق وللشركات الخاصة وآليات الاستيراد والتوزيع التجاري. وعندما يصبح توفير الدواء مرتبطاً بالقدرة على الدفع، تتحول الحاجة الصحية إلى طلب اقتصادي، ويُستبعد من السوق من لا يملك ثمن العلاج. فالقطاع الصحي ينهار حتى لو ظل المستشفى مفتوحاً، إذا انعدم فيه الدواء أو المعدات أو المستلزمات الأساسية. والمركز الصحي الذي يفقد مصدر إمداده المنتظم لا يستطيع أداء وظيفته، حتى لو بقي مبناه قائماً وموظفوه في مواقعهم.

وقد كان الأثر الأشد لهذا التحول على الأرياف والأحياء الشعبية، فهذه المناطق تفتقر إلى الخدمات لأنها لا تمثل سوقاً مربحة بالقدر الذي يجذب الاستثمار الخاص. ومع تراجع التمويل العام والإمدادات والكوادر، فقدت المراكز الصحية قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية. وهكذا أصبح الفقر الجغرافي والطبقي حاجزاً إضافياً أمام العلاج، ولم يبق في بعض المناطق سوى مبان تحمل اسم المركز الصحي دون أن تمتلك مقومات أداء وظيفته.

وامتد التفكيك أيضاً إلى الكوادر التي كانت تدير هذه المؤسسات. فقد ساهمت سياسات التمكين والفصل والإقصاء السياسي في إضعاف المؤسسات الصحية وإهدار خبراتها، بينما دفع تدني الأجور وسوء شروط العمل آلاف الأطباء والكوادر المساعدة إلى الهجرة. وارتبطت الهجرة بتراجع قدرة القطاع العام على توفير بيئة مهنية مستقرة تحفظ الكفاءات وتتيح لها أداء دورها. ويمثل استنزاف الكوادر فقدان الخبرة المتراكمة والقدرة المؤسسية على تدريب الأجيال الجديدة وإدارة الخدمات. وحين تُفرغ المؤسسات العامة من خبراتها، تصبح إعادة بنائها أكثر تعقيداً وكلفة، حتى إذا توفرت الأموال والمباني والمعدات.

عمقت الحرب الانهيار وكشفت حجمه، فقد تعرضت المستشفيات والمرافق الصحية في الخرطوم وغيرها للنهب والتدمير والإغلاق، وخرجت مؤسسات حكومية عديدة عن الخدمة نتيجة الهجمات والقتال وانقطاع الإمدادات. أما المراكز الصحية في الأرياف والأحياء الشعبية، التي كانت تعاني أصلاً من ضعف التمويل ونقص الكوادر والأدوية، فقد وجدت نفسها أمام انهيار إضافي في شروط عملها. وبذلك فقد ملايين السكان إمكانية الوصول إلى خدمات صحية كانت محدودة أصلاً، واضطر المرضى إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن العلاج، أو اللجوء إلى المؤسسات الخاصة التي ترتفع تكاليفها مع تزايد الطلب وانكماش الخدمات العامة. وفي مناطق النزاع والنزوح، تتفاقم المخاطر مع تعطل التطعيم وصعوبة الحصول على الأدوية والخدمات الوقائية. وحين تنهار هذه المنظومة، تتحول الأمراض التي يمكن الوقاية منها إلى تهديد مباشر للحياة، خصوصاً حياة الأطفال والنساء والفئات الأكثر فقراً.

هل يمكن إعادة بناء ما تم تفكيكه؟ تبدأ الإجابة بإعادة تأسيس شبكة الرعاية الصحية الأولية في كل حي وقرية، باعتبارها القاعدة المادية للصحة العامة. ويتطلب ذلك توفير ميزانيات مستقرة، وإعادة تفعيل منظومة الإمدادات الطبية العامة، وضمان توفر الأدوية والمعدات بأسعار مدعومة، واستعادة الكوادر التي هاجرت أو أُقصيت، وتحسين شروط العمل والأجور. كما يتطلب إعادة توجيه الاستثمار الصحي نحو الاحتياجات الفعلية للسكان، وليس نحو معدلات الربحية وحدها. فالمناطق الأكثر فقراً واحتياجاً ينبغي أن تحصل على نصيب أكبر من الموارد العامة، لا أن تُترك لقوانين السوق التي تعيد إنتاج التفاوتات القائمة. ولا يمكن تحقيق ذلك بمعزل عن استعادة السيادة الصحية والاقتصادية، وعن تغيير الأولويات السياسية التي جعلت الخدمات الأساسية مجالاً للتراجع والخصخصة. فالصحة العامة هي أحد الشروط الأساسية لإعادة إنتاج المجتمع وقواه العاملة، وحماية قدرته على الحياة والعمل والنضال.

وإذا كان وجود مركز صحي قريب من كل حي وقرية أمراً ممكناً في الماضي، فإن إعادة بنائه ليست حلماً بعيداً، بل استحقاق اجتماعي. غير أن هذا الاستحقاق لن يتحقق عبر مزيد من الخصخصة، ولا عبر ترك العلاج لقوانين الاستثمار، وليس عبر مشاريع تُنشأ لتبيع خدماتها لمن يستطيع الدفع. إن إعادة بناء الصحة العامة تتطلب استعادة مسؤولية الدولة عن ضمان العلاج والوقاية، وإعادة الاعتبار للصحة باعتبارها حقاً اجتماعياً وليس صدقة، ومسؤولية عامة لا فرصة للربح.

المعركة ليست معركة مبان وأجهزة وميزانيات فقط، بل معركة حول طبيعة المنظومة الصحية والطبقات التي تخدمها: هل تُبنى لخدمة المستثمر الذي يبحث عن الربح، أم للمريض الذي يبحث عن الحياة؟ هل يُترك العلاج للسوق الذي يسعره وفق القدرة الشرائية، أم يُضمن للمجتمع باعتباره حقاً؟ هل تُخصص الموارد للأقلية القادرة على الدفع، أم للأغلبية التي لا تملك سوى حقها في البقاء؟ إن إعادة بناء مركز صحي مجهز في كل حي وقرية تعني استعادة أحد شروط العدالة الاجتماعية، وكسر العلاقة التي تجعل الفقر سبباً في الحرمان من العلاج. وهي ليست مهمة فنية معزولة، بل جزء من معركة أوسع من أجل إعادة بناء الدولة على أساس تلبية الاحتياجات الاجتماعية للسكان وليس حماية مصالح رأس المال.

الصحة العامة ليست سلعة، والمريض ليس زبوناً، والمرض ليس فرصة للتراكم الرأسمالي.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 6. شركات الدواء والربح: من يحدد أسعار الحياة والموت؟
- 5. حين يصبح العلاج سلعة: كيف يربح السوق من آلام البشر؟
- 4. جسد العامل تحت سلطة رأس المال: كيف يُستهلك العمر في سبيل ...
- 3. المرض ابن المجتمع: البنية الاجتماعية كآلية إنتاج للمرض
- 2. الفقر يُمرض الإنسان: كيف تتحول اللامساواة إلى معاناة جسدي ...
- صحة الإنسان حق اجتماعي: من نقد اقتصاد المرض إلى بناء مجتمع م ...
- أكتوبر: سقوط الصنم وبقاء المعبد
- الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟
- 13. شطب الذاكرة المادية — التطهير الرمزي وإعادة إنتاج المكان ...
- 12. العمل غير المأجور وإعادة إنتاج الحياة
- 11. البنية التحتية للحياة اليومية — الخصخصة الصامتة والاستبع ...
- 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السك ...
- 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم


المزيد.....




- -البوابة الحديدية-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة مهام لمنع إيران ...
- السيسي يعقد اجتماعا طارئا مع قيادات عسكرية
- وسط انتقادات ومقاطعة .. نجل شاه إيران السابق يتسلم جائزة الح ...
- بعيداً عن ترامب.. جي دي فانس يشق طريقه لخوض سباق انتخابات 20 ...
- التضامن تحذر من صفحات مزيفة تروج لمعلومات مغلوطة عن برنامج “ ...
- وزيرة الإسكان تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وعواقل وشيوخ ...
- محافظ القليوبية يوجه بتعميم آليات جديدة لتطوير الأداء بالوحد ...
- التضامن :  فريق التدخل السريع بالإسكندرية يُعيد شاباً من ذوي ...
- لماذا تستهدف بلاغات بوجود قنابل الحركة الجوية في أوروبا؟
- ما دلالات تعيين ترامب لستيفن ميلر مديرا لمكتبه في البيت الأب ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد حسب الرسول الطيب - 7. تفكيك الصحة العامة: من المركز الصحي إلى السوق