أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السكان والأرض















المزيد.....

10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السكان والأرض


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في 26 أكتوبر 2025، دخلت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر بعد حصار استمر أشهراً. خلال أيام، وقعت عمليات قتل واسعة، واغتصاب جماعي، واختفاء قسري، وتهجير بمئات الآلاف. لم تكن الفاشر مدينة محاصرة فقط؛ كانت آخر مركز حضري كبير في دارفور لا يزال خارج سيطرة الدعم السريع. وسقوطها فتح صفحة جديدة في الحرب، لم تكن مجرد انتقال عسكري، بل تحول في طبيعة العنف نفسه.

في فبراير 2026، خلصت بعثة الأمم المتحدة إلى أن الهجمات على الفاشر تحمل "سمات الإبادة الجماعية". وفي يونيو من العام نفسه، نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً استند إلى مئتين وسبع وأربعين مقابلة، اتهمت فيه قوات الدعم السريع وحلفاءها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتطهير عرقي، استهدفت بشكل أساسي مجموعات الزغاوة والفور والمساليت. هذه ليست تصنيفات أكاديمية، بل توصيفات قانونية صادرة عن جهات دولية، تصف ما جرى بوصفه جزءاً من نمط واسع.

ما يجعل الفاشر حالة مختلفة عن المراحل السابقة للحرب ليس فقط حجم القتل، بل اقترانه بالحصار والتهجير ونزع السيطرة عن الأرض. فالحصار لم يكن مجرد منع للطعام والدواء، بل آلية لإجبار السكان على الفرار. ومن فرّ فقد أرضه وماشيته وممتلكاته. ومن بقي واجه الموت جوعاً أو رصاصاً. كلا المصيرين أنتج النتيجة نفسها: إخلاء الأرض من سكانها.

وهنا يظهر السؤال المادي المركزي: متى يتحول قتل السكان أو طردهم من الأرض من نتيجة للعنف إلى شرط لإعادة توزيع الأرض والموارد؟

هذا ليس سؤالاً نظرياً مجرداً. فبعد سقوط الفاشر، بدأت تقارير تتحدث عن نهب منظم للماشية والأراضي والممتلكات. ومن لم يعد إلى مدينته قد يجد أن ممتلكاته نُهبت أو استولى عليها آخرون، وأن عودته نفسها لم تعد تعني استعادة الحيازة. وهذا التحول — من القتل والتهجير بوصفهما أفعالاً للعنف إلى نتائجهما المادية على الأرض والحيازة — هو ما يجعل الفاشر حلقة مركزية في فهم اقتصاد الحرب السودانية.

لكن التوصيف القانوني للإبادة لا ينبغي أن يُخلط بالتحليل الطبقي. فالقول إن هجمات الفاشر تحمل "سمات الإبادة الجماعية" هو توصيف قانوني وأخلاقي صادر عن جهات دولية. أما الإبادة بوصفها منتجة لشروط مادية جديدة فهي سؤال تحليلي: من يستفيد من الأرض التي أخليت؟ من يسيطر على الماشية التي نُهبت؟ من يعيد تشكيل الخريطة السكانية في الإقليم؟ ومن يملك القدرة على السماح بعودة السكان أو منعها؟ هذا التمييز لا يعني أن الإبادة كانت حلاً اقتصادياً مبيتاً؛ بل يعني أن نتائجها المادية تخدم مصالح محددة، وأن العنف الجماعي في سياقات معينة يمكن أن ينتج ظروفاً تسمح بإعادة ترتيب الملكية والحيازة.

في هذا السياق، يظهر جيل كامل معرّض للتفكك. فتقارير تحدثت عن اختطاف أطفال وتجنيدهم، وعن اختفاء آلاف الأطفال بعد سقوط الفاشر. هذا ليس أثراً جانبياً، بل آلية تضرب إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية: التعليم ينقطع، وشبكات الرعاية تتفكك، والعلاقة بالأرض والمجتمع تنقطع، ويعاد تشكيل الجيل الجديد داخل شروط الحرب والنزوح.

وهذا يقود إلى سؤال عن الانقسام داخل دارفور نفسه. فليست كل المجموعات العربية مشاركة في ما جرى. بعض القبائل رفضت المشاركة، وتعرضت للاستهداف. لكن الخطاب الطائفي يعمّم ويجعل كل عربي "مجرم" وكل غير عربي "ضحية". وهذا التعميم يخدم منطق الحرب نفسه: يحول الانتماء الإثني إلى ذريعة جماعية، ويجعل المسؤولية فردية في ظاهرها وجماعية في ممارستها، ويصعّب بناء تضامن يتجاوز الاصطفافات الإثنية.

لكن التوصيف القانوني، مهما بلغت أهميته، لا يترجم تلقائياً إلى تغيير مادي في شبكات التمويل والتسليح والتجارة التي تجعل استمرار الحرب ممكناً. الإدانة اللفظية لا تُغلق طريق الذهب، ولا توقف شحنات السلاح، ولا تفكك شبكات التهريب. وتبقى العدالة، في غياب تغيير مادي في هذه الشبكات، أداة سياسية جزئية أكثر منها آلية لتفكيك شروط الحرب.

ثم يبقى سؤال العودة. إذا انتهت الحرب، من سيعود إلى الفاشر؟ ومن سيُحاسب على ما جرى؟ ومن سيعيد بناء المدينة؟ ومن سيحكم الإقليم؟ ومن سيملك الأرض التي أخليت؟ وهل يمكن المصالحة بعد إبادة موثقة؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بالخطاب. إنها تتطلب تتبعاً مادياً: من يحمل الوثائق؟ من يسيطر على الأرض الآن؟ من يعترف بحقوق من نزحوا؟ ومن يستفيد من إبقاء الوضع على ما هو عليه؟

فالسؤال الأهم ليس فقط من قتل، بل ما الآليات التي تسمح بتحويل الفراغ السكاني إلى سيطرة مادية. ويمكن أن يؤدي الإخلاء إلى فقدان الحيازة، ويفتح فقدان الحيازة الباب أمام السيطرة المسلحة، والسيطرة المسلحة قد تسمح بإعادة توزيع الماشية، والسيطرة على الطرق والمياه، وفرض الإتاوات، وإعادة تنظيم الزراعة والرعي، وتثبيت واقع حيازة جديد. هذه ليست سلسلة حتمية تنطبق على كل حالة، لكنها الآلية التي يمكن تتبعها في سياقات محددة. وهنا تصبح الفاشر جزءاً من أطروحة السلسلة، لا مجرد حلقة عن فظائع الحرب.

وفي كل هذا، لا يمكن التعامل مع الإفناء بوصفه حدثاً منفصلاً. إنه يتصل بالحلقات السابقة: فالتصنيف الذي تحدثت عنه الحلقة السابقة هو ما جعل استهداف مجموعات بعينها ممكناً. وتعدد مراكز العنف الذي تحدثت عنه الحلقة الثامنة هو ما جعل الحماية مستحيلة ومتعددة المصادر. والسيولة التي تناولتها الحلقة السادسة هي ما جعلت استمرار القتال ممكناً. وإعادة الإعمار التي تناولتها الحلقة السابعة هي ما سيحدد مستقبل الأرض بعد أن يفرغ سكانها.

وهكذا تنكشف مفارقة مزدوجة: من جهة، تُدان الإبادة قانونياً وأخلاقياً. ومن جهة أخرى، تُنتج الإبادة ظروفاً تسمح بإعادة ترتيب الملكية والحيازة والاستثمار. وهذا لا يعني أن كل من يستفيد من نتائج الإبادة شريك فيها. لكنه يعني أن الإفناء، في سياقات الحرب التابعة، ليس نهاية، بل يمكن أن يصبح بداية لدورة جديدة من السيطرة على الأرض والسكان.

بعد الفاشر، لن تعود دارفور كما كانت. ولن تعود الفاشر نفسها. ومن يريد أن يفهم ما سيحدث بعد الحرب لا يحتاج إلى متابعة البيانات فقط، بل يحتاج إلى تتبع الأرض: من يملكها الآن؟ من يزرعها؟ من يرعى الماشية؟ من يسيطر على الطرق؟ من يمنح الوثائق؟ من يحمي العائدين؟ ومن يمنعهم؟

لكن من يملك الأرض وحده لا يملك الحياة؛ فبعد إخراج السكان تبدأ معركة أخرى حول الماء، والكهرباء، والطرق، والمستشفيات، والغذاء، وكل البنية التي تجعل العودة ممكنة أو مستحيلة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...


المزيد.....




- مكياج الشتاء يبدأ من البشرة.. خبيرة تجميل تشرح أبرز اتجاهات ...
- مطار كيب تاون الدولي الجديد يراهن على ربط إفريقيا جوّا
- لقطات درامية توثق لحظة هجوم الحوثيين على مطار الملك خالد في ...
- -تصعيد خطير وتهديد مباشر-.. الكويت تعلّق على هجمات الحوثيين ...
- لماذا لا نصنع المزيد من أسقف المنازل من ألواح شمسية؟
- روسيا وأوكرانيا: انقطاع الكهرباء وضربات جديدة بعد إعلان ترام ...
- مقتل شخص وإصابة آخرين في هجوم جديد للحوثيين على مطار الرياض ...
- نائبة أوروبية تطالب بفتح نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة أما ...
- معارض أوكراني: ترامب أدرك عدم جدوى التفاوض مع زيلينسكي واتجه ...
- -لا نحتاج سوى حظ لمرة واحدة-: تفاصيل الهجوم على فندق -غراند- ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السكان والأرض