عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 02:53
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
بعد خمس حلقات من الرصد والتصنيف والمقارنة، ينتقل البحث إلى سؤال مختلف. لم يعد السؤال أين حدث الاحتجاج، ولا ما القطاعات التي دخلت في الإضراب، ولا كيف استجابت السلطات، وإنما ماذا تكشف هذه الوقائع عندما توضع معاً داخل الصراع الاجتماعي الذي يجري في السودان في زمن الحرب.
هذا السؤال يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، لأن كثرة الاحتجاجات لا تعني في حد ذاتها نشوء حركة اجتماعية. فقد رصدت الحلقات السابقة تحركات في التعليم والصحة والتجارة، ثم امتدت إلى الأرصاد الجوية والرعاية الصحية الأولية، وظهرت احتجاجات مرتبطة بالطرق والمعابر. لكن المادة التي أمكن توثيقها لا تكشف عن قيادة مشتركة أو مركز تنسيق يربط هذه التحركات. لذلك لا تنطلق هذه الحلقة من افتراض أن حركة جديدة قد ولدت، وإنما تبحث في المسافة بين الاحتجاجات الموثقة وإمكان تحولها إلى قوة اجتماعية أوسع.
وتبدأ المسألة من تحديد طبيعة الفاعلين أنفسهم. فالعامل بأجر ليس بالضرورة جزءاً من حركة عمالية، والمطالبة بزيادة الأجر لا تتحول تلقائياً إلى صراع سياسي. يتحدد موقع العامل من خلال علاقات العمل والملكية والإنتاج وإعادة الإنتاج الاجتماعي، بينما تتشكل الحركة العمالية عندما تصبح المصالح المشتركة للعاملين أساساً لتنظيم مستمر وقدرة جماعية على الفعل. أما الحركة الاجتماعية فتتجاوز حدود المهنة والقطاع عندما تنشأ روابط مستمرة بين جماعات مختلفة حول قضايا أو مطالب مشتركة.
لهذا لا يمكن وضع جميع الحالات التي رصدتها السلسلة في خانة واحدة. معلمو كسلا وأساتذة الجامعات والأطباء والعاملون الصحيون وعمال الأرصاد الجوية يشغلون مواقع مختلفة داخل علاقات العمل المأجور والمؤسسات العامة. التاجر يتحرك في علاقة مختلفة بالملكية والتبادل، والمحتجز المضرب عن الطعام يتحرك في مجال الحقوق والإجراءات القضائية، بينما يستخدم من يغلقون الطرق وسيلة ضغط احتجاجية لا تعني بالضرورة الإضراب عن العمل.
هذه الفروق تحدد طبيعة المصالح التي يحملها كل فاعل. فالمعلم الذي يطالب بتحسين أجره يخوض نزاعاً داخل علاقة العمل، والتاجر الذي يعترض على الضرائب يواجه كلفة الجباية وشروط النشاط التجاري، والعامل في معبر حدودي قد تتداخل مصالحه مع حركة البضائع والنقل والرسوم. وقد تلتقي هذه المصالح عند قرارات الدولة أو عند آثار السياسة الاقتصادية، لكنها لا تصبح مصلحة واحدة لمجرد أن أصحابها يواجهون مؤسسة السلطة نفسها.
ومن هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات تحليلية. الأول هو الاحتجاج المطلبي أو القطاعي، حيث يتحرك فاعل أو جماعة حول قضية محددة. والثاني هو التنظيم العمالي أو النقابي، حين تصبح المصالح المهنية مرتبطة بتنظيم مستمر يمتلك قدرة على التفاوض وتراكم الخبرة. والثالث هو الحركة الاجتماعية الأوسع، حين تنشأ علاقة مستمرة بين جماعات ذات مواقع مختلفة وتتجاوز المطالب حدود المهنة أو القطاع. ولا تمثل هذه المستويات مراحل حتمية؛ فقد يبقى الاحتجاج قطاعياً، وقد تتشكل روابط أوسع، وقد ينتهي التحرك قبل أن ينتقل إلى مستوى آخر.
معظم الحالات التي رصدتها السلسلة تقع في المستوى الأول. مطالب معلمي كسلا ارتبطت بالأجور والمتأخرات وشروط الخدمة، وتحرك أساتذة الجامعات حول هيكل الأجور وشروط العمل، وارتبطت احتجاجات العاملين الصحيين بالأجور والحوافز وبيئة العمل، بينما طالب عمال الأرصاد الجوية بقضايا تتصل بالأجور والتمثيل النقابي. أما التجار فارتبطت احتجاجاتهم بالضرائب والرسوم، وكان إضراب المحتجزين عن الطعام متعلقاً بالإجراءات القضائية. هذه المطالب يمكن أن تكون ذات مضمون سياسي، لكن ذلك شيء مختلف عن تحولها إلى برنامج سياسي مشترك.
فالأجر والضرائب والإنفاق العام ليست قضايا خارج السياسة؛ إنها ترتبط بتوزيع الموارد وبقرارات مؤسسات الدولة. لكن هناك مسافة بين إدراك المصلحة المباشرة وبين تحويلها إلى وعي سياسي منظم. العامل الذي يرى أن أجره لا يكفي يعي مصلحته المباشرة، وعندما يتحرك مع زملائه تتشكل مصلحة جماعية في حدود القضية التي تجمعهم. أما الانتقال إلى وعي سياسي منظم فيتطلب أن تصبح العلاقة بين هذه المصلحة وبين بنية الدولة والاقتصاد والحرب وعلاقات القوة موضوعاً للخطاب والتنظيم والفعل الجماعي.
ولا تسمح الوقائع التي رصدناها بإثبات أن هذا الانتقال قد حدث على نطاق يتجاوز القطاعات. هناك تنظيمات مهنية ومحلية، وهناك تجارب تفاوضية وتكرار لبعض التحركات، لكن الأدلة لا تكشف حتى الآن عن بنية مستقرة تربط هذه التنظيمات ببعضها.
وهنا يصبح التمييز بين التزامن والتشابه وانتقال الخبرة والاتصال التنظيمي ضرورياً. قد تقع احتجاجات في الفترة نفسها دون أي اتصال بينها. وقد تتشابه المطالب لأن جماعات مختلفة تواجه الظروف الاقتصادية نفسها، دون أن تكون إحداها قد تأثرت بتجربة الأخرى. وقد تنتقل وسيلة احتجاج من موقع إلى آخر دون أن ينتج عن ذلك تنظيم مشترك.
إغلاق التجار في عطبرة ثم شندي يوضح المشكلة. التقارب الزمني وتشابه المطالب يبرران طرح سؤال حول انتقال الخبرة، لكنهما لا يثبتانه. يحتاج إثبات الانتقال إلى مؤشرات مثل تصريح يستند إلى تجربة سابقة، أو تبني تكتيك سبق استخدامه مع الإشارة إليه، أو الاستناد إلى نتيجة تجربة أخرى عند صياغة المطالب أو إدارة التفاوض. وفي غياب هذه الأدلة، لا تتجاوز النتيجة وجود تشابه وتقارب زمني.
والشيء نفسه ينطبق على لجان المعلمين في الولايات المختلفة، وعلى التشابه بين مطالب الأطباء والمعلمين، وعلى أي علاقة محتملة بين عمال الأرصاد وقطاعات أخرى. وجود أطر تنظيمية متشابهة يخلق إمكانية للاتصال، لكنه لا يثبت أن الاتصال وقع فعلاً.
الحرب هي العامل المشترك الأوسع في هذه الصورة، لكنها ليست تفسيراً جاهزاً لكل احتجاج. لقد أعادت تشكيل الاقتصاد والإدارة والخدمات وحركة السكان والعمل، وضغطت على الدخول ورفعت كلفة استمرار النشاط في قطاعات عديدة. غير أن تأثير الحرب في شروط العمل والحياة لا يعني أن المحتجين جميعاً يتحركون بوعي سياسي مشترك تجاهها. فالحرب لا تؤثر في المعلم والتاجر وعامل الأرصاد بالطريقة نفسها، ولا تنتج المطالب ذاتها في كل موقع. ينبغي التمييز بين الحرب باعتبارها سياقاً مادياً للنزاعات وبين تحولها إلى قضية مشتركة يجري حولها تنظيم وفعل جماعي.
ومن هنا يصبح السؤال الحاسم: هل بدأت المطالب المختلفة تتجاوز حدودها القطاعية؟ حتى الآن توجد تقاطعات في الضغوط المعيشية والمالية، لكن المطالب ظلت في معظم الحالات مرتبطة بالموقع الذي نشأ فيه الاحتجاج. الأجر يظل قضية للعاملين، والضريبة قضية للتجار، وشروط العمل قضية للقطاعات المهنية، والإجراءات القضائية محوراً لاحتجاج المحتجزين. ولم نتمكن من توثيق آلية مستقرة تحول هذه المطالب المتجاورة إلى فعل جماعي واحد.
ومن منظور مادي، تكشف هذه النزاعات مع ذلك عن شيء أبعد من طبيعة المطالب المباشرة. الأجر يكشف علاقة العمل وإعادة إنتاج قوة العمل، والضريبة تكشف علاقة النشاط التجاري بالجباية والإنفاق العام، وشروط الخدمة تكشف علاقة العامل بالمؤسسة التي يعمل فيها. لذلك فإن الاحتجاجات تضع علاقات الإنتاج والتوزيع وإعادة الإنتاج الاجتماعي في صورة نزاعات ملموسة. لكن وجود هذه العلاقة الموضوعية لا يعني أن أصحاب المواقع المختلفة يدركونها باعتبارها مصلحة مشتركة.
فالمعلم في كسلا يتحرك من موقع داخل علاقة العمل والخدمة العامة، والأستاذ الجامعي من موقع مهني آخر، وعامل الأرصاد من موقع مختلف داخل جهاز الدولة، والتاجر في عطبرة من موقع مختلف في الملكية والتبادل. يمكن أن تتقاطع هذه المواقع عند آثار السياسة الاقتصادية أو قرارات الدولة، لكن تحويل التقاطع الموضوعي إلى مصلحة جماعية واعية يحتاج إلى صراع وتجربة وتنظيم وتبادل للخبرات.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي تكرار الاحتجاج لإثبات تراكم الوعي. فقد يتكرر الإضراب لأن المشكلة لم تُحل، أو لأن الإضراب أصبح وسيلة تفاوض مألوفة، أو لأن التنظيم اكتسب خبرة جديدة، أو لأن الظروف التي أنتجت الاحتجاج ما زالت قائمة. لذلك يُستخدم هنا مفهوم التراكم بمعناه الوصفي: تتابع الاحتجاجات، وتكرار بعضها، وظهور خبرات تنظيمية وتفاوضية، وتقارب بعض المصالح. أما تراكم الوعي السياسي فلا يمكن استنتاجه من التكرار وحده.
وبهذا المعنى، أضافت الحلقات الخمس طبقات مختلفة إلى صورة الاحتجاج. كشفت الأولى تعدد الوقائع، وأظهرت الثانية تفاوت الروابط بينها، وأبرزت الثالثة مسارات التكرار والتسوية، وكشفت الرابعة تنوع استجابات السلطات، بينما نقلت الخامسة البحث إلى قطاعات تقع في مواقع حيوية داخل الخدمات والبنية التحتية. النتيجة ليست حركة موحدة، وإنما مشهد احتجاجي أصبح أكثر اتساعاً وتنوعاً وتعقيداً.
وتحتاج المقارنة مع ديسمبر 2018 إلى المنهج نفسه. ليست قيمة تلك التجربة في تقديم نموذج ينبغي تكراره، وإنما في إظهار أن انتقال الاحتجاجات الاقتصادية والمعيشية إلى مواجهة سياسية أوسع ارتبط في ذلك السياق بتطور شبكات وأطر تنظيمية وسياسية واجتماعية، من تجمع المهنيين إلى لجان المقاومة. أما الحالات التي رصدناها في 2026 فلا تظهر فيها حتى الآن بنية عابرة للقطاعات يمكن مقارنتها مباشرة بذلك المستوى من التنظيم. كما أن المرحلة الراهنة لم تنته، ولذلك لا يمكن تحديد موقعها النهائي في المسار التاريخي للاحتجاج السوداني.
ما يمكن تحديده الآن هو مستوى التحول الذي تسمح به الأدلة. هناك احتجاجات مطلبية قطاعية ومحلية ثبت وجودها. وهناك مؤشرات على تراكم تنظيمي وخبروي، تظهر في وجود الأطر المهنية، وتكرار بعض التحركات، وتطور الخبرة في التفاوض. أما الحركة الاجتماعية الأوسع، التي تربط فاعلين مختلفين ضمن علاقة مستمرة وتتجاوز حدود المطالب القطاعية، فلم تثبت بعد.
ولذلك ينبغي أن يكون البحث القادم أكثر تحديداً في مراقبة المؤشرات التي يمكن أن تثبت حدوث هذا التحول: بيانات مشتركة بين قطاعات مختلفة، اجتماعات أو قنوات اتصال مستقرة، تضامن يتحول إلى فعل مشترك، انتقال موثق للخبرة من موقع إلى آخر، توسيع للمطالب إلى قضايا عامة، أو ظهور أطر قادرة على تمثيل مصالح أكثر من قطاع. ويضاف إلى ذلك سؤال الاستمرارية: هل تستطيع هذه الروابط البقاء عندما ترتفع كلفة الاحتجاج بفعل فقدان الدخل أو الاعتقال أو الفصل أو التضييق أو تعطل المؤسسات؟
فالقدرة على الاستمرار جزء من تكوين القوة الجماعية نفسها. وقد تكون جماعة صغيرة أكثر قدرة على بناء تنظيم مستمر من تجمع واسع لا يمتلك آلية تحفظ استمراره. لذلك لا يكون عدد الاحتجاجات وحده معياراً للتحول؛ الأهم هو ما إذا كانت هذه الاحتجاجات تنتج علاقات جديدة بينها.
وفي هذا السياق، يجب أن تبقى حدود المعرفة واضحة. لم نتمكن من توثيق اتصالات فعلية بين المعلمين والأطباء وعمال الأرصاد، ولا قيادة عابرة للقطاعات، ولا تنسيقاً موثقاً بين تجار عطبرة وشندي، كما لم نتمكن من حسم نتائج بعض الاحتجاجات المرتبطة بالمعابر والطرق. ولا يعني ذلك أن هذه الروابط أو النتائج غير موجودة؛ يعني فقط أنها لم تظهر في المادة التي أمكن الوصول إليها بما يسمح بإثباتها.
وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تضع حداً فاصلاً بين الرصد والتمني. فالبحث لا يحتاج إلى إعلان ولادة حركة جديدة كي تكون الاحتجاجات التي درسها ذات أهمية. لقد أظهر وجود فاعلين متعددين، ومواقع مختلفة داخل الاقتصاد والمجتمع، وتنظيمات قطاعية ومحلية، وتجارب تفاوضية، وتكراراً لبعض التحركات، وتقاطعاً في بعض المصالح، ووصول الاحتجاج إلى مواقع وظيفية حساسة. لكنه لم يثبت بعد أن هذه العناصر أصبحت قوة جماعية عابرة للقطاعات.
وهنا تتحدد المسافة بين تراكم الاحتجاج والتحول الاجتماعي. التراكم يمكن رصده في تتابع الوقائع واتساع القطاعات وتكرار التحركات وتراكم الخبرة. أما التحول فيظهر عندما تتغير العلاقة بين هذه الوقائع نفسها: عندما تنتقل الخبرة بين المواقع بصورة موثقة، ويتحول التضامن إلى فعل، وتتجاوز المطالب حدود القطاع، وتصبح الروابط التنظيمية قادرة على الاستمرار، وينشأ من ذلك كله شكل جديد من القدرة الجماعية.
لهذا لا تنتهي السلسلة بإعلان نشوء حركة اجتماعية، ولا باعتبار الاحتجاجات أحداثاً منفصلة. تنتهي عند الحد الذي تسمح به الأدلة الحالية:
التراكم موجود، أما التحول فلم يثبت بعد.
ويبقى السؤال الذي يتجاوز هذه الحلقات مفتوحاً أمام الوقائع القادمة: متى يتحول تكرار النزاع من إعادة إنتاج للاحتجاج إلى قدرة جماعية على تغيير شروطه؟
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟