أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 11. من نقد الرمز إلى سؤال الفعل















المزيد.....

أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 11. من نقد الرمز إلى سؤال الفعل


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 02:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد عشر مقالات تتبعت مسار أبي ذر من موقعه الاجتماعي وتكوينه الفكري والديني، إلى موقفه من الكنز، إلى تحولات الفتوحات والصراع مع السلطة، إلى تعدد الروايات، ثم إلى حدود التحليل الطبقي، وأخيراً إلى معارك التأويل الحديثة، نصل إلى السؤال الذي ظل معلقاً منذ المقالة الأولى: ماذا نفعل بهذه المعرفة عندما نعود من الماضي إلى واقعنا؟

ليس المقصود أن نبحث في الماضي عن تعليمات جاهزة للحاضر. فالتاريخ لا يمنحنا برنامجاً؛ يمنحنا مادة لفهم الشروط التي تشكلت فيها إمكانات الفعل والصراع. فالسؤال الذي تطرحه هذه الخاتمة ليس "كيف نطبق دروس أبي ذر في حياتنا؟" بل "كيف نستخدم ما تعلمناه عن تشكل الاحتجاج واصطدامه بالسلطة، لتطوير قدرتنا على فهم شروطنا نحن؟"

أول ما تكشفه لنا هذه الرحلة هو أن الشخصيات التاريخية لا تصل إلينا بشفافية. فبيننا وبين أبي ذر طبقات من الرواية، وتداخلت فيها عمليات النقل والانتقاء والتأويل، كما أعادت التقاليد الدينية والمذهبية والسياسية اللاحقة تشكيل صورته وفق أسئلة كل عصر. وهذا ليس بالضرورة عيباً في الروايات، بل هو جزء من طبيعة انتقال الأخبار التاريخية نفسها؛ فالذاكرة لا تنقل الماضي كما كان، بل تعيد تنظيم ما يصل إليها منه. لكن هذا لا يعني، بالمقابل، أن المعرفة التاريخية مستحيلة. فثمة عناصر أكثر ثباتاً يمكن ترجيحها، وثمة تناقضات يمكن قراءتها، وثمة حدود للمعرفة ينبغي الاعتراف بها دون تحويل هذا الاعتراف إلى شك عدمي.

وإذا كان لنا أن نستخلص نتيجة منهجية واحدة من هذه السلسلة، فهي ضرورة التمييز الدائم بين ثلاثة مستويات: ما يمكن تثبيته تاريخياً بدرجة عالية من الثقة، وما نرجحه بالمقارنة بين الروايات، وما نستخلصه بوصفه تفسيراً تحليلياً. فالخلط بين هذه المستويات يحوّل القراءة التاريخية إلى أيديولوجيا، سواء اتخذت صورة تقديسية أم اتخذت صورة نقدية. وهذا التمييز ليس مجرد دقة أكاديمية؛ إنه شرط لأي قراءة سياسية جادة للتاريخ، لأن القراءة السياسية التي لا تمر بالنقد التاريخي وتمحيص المصادر قد تتحول إلى مجرد إسقاط أيديولوجي.

أما الدرس السياسي الذي تتركه تجربة أبي ذر، فهو أكثر تعقيداً من مجرد القول إنه كان «ثائراً» أو «زاهداً». فما تتيحه لنا دراسته ليس نموذجاً جاهزاً يمكن تقليده، ولا أسطورة يمكن تقديسها، بل مادة تاريخية تثير أسئلة مفتوحة حول علاقة الوعي الديني بالعدالة الاجتماعية، وحول حدود الاحتجاج الفردي في مواجهة السلطة، وحول إمكانية تحويل الاعتراض الأخلاقي على الثروة والامتياز إلى نضال جماعي منظم. وهذه الأسئلة التي تثيرها إعادة قراءة تجربته اليوم لم تفقد راهنيتها؛ بل إنها تتجدد كلما أعادت علاقات اقتصادية وسياسية جديدة إنتاج التفاوت والامتياز.

وهنا تظهر المسافة التي ينبغي ألا نمحوها بين لغة أبي ذر وأدواتنا التحليلية. أبو ذر احتج بلغة دينية وأخلاقية على الثروة والامتياز؛ أما التحليل الماركسي فيسأل عن العلاقات الاجتماعية التي تجعل الثروة والامتياز ممكنين، وعن القوى التي تعيد إنتاجهما، وعن الشروط التي تجعل تغييرهما ممكناً. هذه المسافة ليست نقصاً في أبي ذر، ولا تفوقاً للتحليل الماركسي؛ إنها الفرق بين لغة الاحتجاج في سياق تاريخي محدد وأدوات تحليل نشأت في سياق تاريخي مختلف. والتحليل الطبقي لا يبدأ بتقسيم التاريخ إلى أخيار وأشرار، بل بالسؤال عن علاقات الملكية والسيطرة والاستحواذ، وعن المواقع الاجتماعية التي تتشكل داخلها المصالح والتناقضات.

وكما تحرك أبو ذر داخل شروط تاريخية لم يخترها، فإننا نتحرك داخل شروط لم نخترها نحن أيضاً. غير أن الاعتراف بقوة الشروط لا يعني الاستسلام لها؛ فالمعرفة تكشف الشروط، والسياسة تكشف المصالح والقوى المتصارعة داخلها، والتنظيم يبني قدرة جماعية على الفعل؛ وكل ذلك يتشكل داخل الممارسة والصراع، لا في تسلسل ميكانيكي مسبق. لا نحتاج إلى أبي ذر جديد، ولا إلى استنساخ احتجاجه في زمن مختلف؛ ما نحتاجه هو أن نقرأ شروط زمننا بالصرامة نفسها التي حاولنا أن نقرأ بها شروط زمنه.

وهذا يقودنا إلى الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على واقعنا: كيف تُنتج الثروة؟ من يملك وسائل إنتاجها؟ من يسيطر على شروط إنتاجها وتوزيعها؟ من يستحوذ على ثمارها؟ كيف تُنظم الدولة علاقات الملكية والامتياز؟ ما القوى الاجتماعية المستفيدة من استمرار هذه العلاقات؟ وما القوى القادرة على تغييرها؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها أبو ذر، ولا ينبغي أن نطلب منه الإجابة عنها؛ إنها مسؤولية الحاضر نفسه.

وهنا تظهر المسافة بين الرمز والقوة. فالرمز يستطيع أن يمنح النضال ذاكرة ومعنى، لكنه لا يصنع وحده القوة الاجتماعية القادرة على تغيير الواقع. فالوعي الأخلاقي بالظلم لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على تنظيم الفعل لتغيير البنية التي تنتجه. والرمز لا يعوض عن تحليل علاقات القوة والثروة، كما أن التحليل لا يعوض عن التنظيم والقدرة الجماعية على الفعل. فالماركسية لا تبحث عن ماركس مخفياً في القرن السابع، ولا عن الاشتراكية في كل احتجاج على الثروة، وإنما تبحث عن العلاقات الاجتماعية التي جعلت أشكالاً معينة من الاحتجاج ممكنة ومفهومة ومؤثرة، ثم تسأل: كيف يمكن تحويل هذا الاحتجاج إلى قوة اجتماعية منظمة قادرة على تغيير شروط إنتاج التفاوت ذاتها؟

وكما كتب ماركس في «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت»: «يصنع البشر تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف موجودة مباشرة، معطاة وموروثة من الماضي». وهذه العبارة تختصر ما أردنا الوصول إليه: أن نفهم شروط الفعل لكي نتمكن من تغييرها، وأن نقرأ التاريخ لا بحثاً عن أبطال جاهزين، بل بحثاً عن العلاقات التي صنعت صراعاته وحددت إمكاناته. فالوعي والإرادة والرمز، مهما بلغت قوتها، لا تتحول بذاتها إلى قوة تغيير؛ إنما تتحدد إمكانية التغيير حين تدخل في ممارسة اجتماعية وتنظيم وقدرة جماعية على الصراع، داخل شروط تاريخية لا نختارها بالكامل.

وهكذا تنتهي السلسلة، لا بإغلاق معنى أبي ذر، بل برفض الوهم القائل إننا نستطيع قراءة الماضي بلا أسئلة الحاضر، أو قراءة الحاضر بلا تاريخ الماضي. فالتاريخ لا يمنحنا رموزاً نكررها، ولا وصفات جاهزة نستنسخها، بل علاقات نفككها، وشروطاً نفهمها، وتجارب نعيد قراءتها لكي نعرف بصورة أفضل كيف يصنع البشر مقاومتهم داخل العالم الذي ورثوه. وفي النضال الراهن، لا يكفي أن نعلن رفض الظلم أو نستدعي رموز العدالة؛ المطلوب أن نفهم العلاقات التي تنتج الظلم وتعيد إنتاجه، وأن نعرف المصالح والقوى الاجتماعية التي تستفيد منه، وأن نبني القدرة الجماعية على تغييره. فالوعي والإرادة والرمز لا تكتسب قوة تاريخية بمجرد وجودها؛ إنما تكتسبها حين تتحول إلى ممارسة اجتماعية واعية ومنظمة داخل شروط تاريخية محددة.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك


المزيد.....




- -حقا؟!-.. وزير خارجية إيران يوجه انتقادا ساخرا لحل أمريكا -ا ...
- نتنياهو تلقى تحذيراً قبل أيام من السابع من أكتوبر.. مراسل CN ...
- قرقاش: الإمارات تتطلع إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع ألمانيا
- زاخاروفا: أوكرانيا لا تملك مناعة من الإجراءات الغربية الهدام ...
- الخدمة السرية الأمريكية تصدر تقريرها بشأن مسيرات -هددت حياة ...
- بغياب كيم عن المراسم.. كوريا الشمالية تحيي الذكرى الـ78 لتأس ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف 20 سفينة في مضيق هرمز
- رئيس الصين يعرض 4 نقاط لبناء هيكل أمني جديد بالشرق الأوسط
- ملياردير أمريكي يعرف كيف يحل أزمة الديون الأمريكية
- انهيار الجبهة الأوكرانية بات حتميًا


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 11. من نقد الرمز إلى سؤال الفعل