أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 6. دمشق حين تحول الوعظ إلى تهديد سياسي















المزيد.....

أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 6. دمشق حين تحول الوعظ إلى تهديد سياسي


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 02:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في دمشق تغير موقع خطاب أبي ذر. فالتحولات التي أحدثتها الفتوحات لم تعد مجرد خلفية اقتصادية للصراع، بل أصبحت واقعاً سياسياً يواجهه أبو ذر مباشرة. فدمشق لم تكن مجرد مدينة إسلامية جديدة، بل مركزاً سياسياً وعسكرياً وإدارياً لإقليم واسع تتدفق إليه الموارد، وتحت إدارة معاوية بن أبي سفيان الذي طوّر خلالها إدارة سياسية وعسكرية واسعة، ارتبطت بشبكات من الولاء والعطاء والنفوذ. في هذا السياق، لم يعد نقد الثروة مجرد وعظ أخلاقي يمكن تمريره في مجلس أو مسجد، بل أصبح يلامس مباشرة طريقة عمل السلطة وعلاقتها بالموارد والناس.

تختلف الروايات في تفاصيل انتقال أبي ذر إلى الشام وفي صلة عثمان بذلك الانتقال، ولذلك لا ينبغي أن نجعل هذه الجزئية محور التحليل. المهم أن وجوده في الشام وضع خطابه في تماس مباشر مع سلطة معاوية. فمنذ وصوله، لم يعد الرجل الذي حمل موقفاً نقدياً جذرياً من المال ينادي في مجتمع محدود، بل في مدينة أصبحت تمثل مركزاً سياسياً وإدارياً للثروة والسلطة الناشئة. وهنا تحولت المواعظ العامة عن الكنز والزكاة إلى مساءلة مباشرة لمن يتولون أمر هذه الثروة، ولمن يستفيدون من توزيعها. لم يعد السؤال عن مال الغني الفرد، بل عن مال الإمارة، وعن حدود تصرف الوالي، وعن شرعية ما يتراكم في أيدي الولاة والقادة والوجهاء.

وهذا هو الفارق الذي يجعل تجربة دمشق مختلفة عن مجرد موعظة في ذم الغنى. لم يعد أبو ذر يخاطب فرداً غنياً بوصفه فرداً؛ بل كان خطابه يقترب من العلاقة التي تربط الثروة بالسلطة. فالمال هنا لا يظهر فقط كملكية خاصة، وإنما كوسيلة للولاء والنفوذ وإعادة إنتاج الموقع السياسي. وكلما اقترب النقد من هذه العلاقة، ابتعد عن حدود الوعظ الشخصي واقترب من بنية الحكم نفسها. ففي دمشق، كما تشير الروايات التي تتعامل مع هذه الفترة، كان أبو ذر يخطب في الناس ويحث الأغنياء على مواساة الفقراء، وينتقد ما يراه إسرافاً في الإنفاق، ويتحول بذلك من فضيلة فردية إلى مساءلة اجتماعية عن حدود تراكم الثروة وعلاقة السلطة بها.

غير أن هذه الروايات نفسها تحمل إشكالاً توثيقياً لا ينبغي تجاوزه. فبعض تفاصيل المواجهة في دمشق ترد في مصادر متأخرة نسبياً عن الحدث بقرون، وبعضها الآخر تحديداً تلك التي تفصّل حدة الحوار مع معاوية وردود أبي ذر عليه دخلتها لاحقاً روافد تدوين متعددة المشارب، بعضها أقرب إلى التأريخ العام وبعضها أقرب إلى الأدب المذهبي المتأخر. لذلك ينبغي أن نتعامل مع التفاصيل المسرودة بحذر، وأن نميز بين المضمون العام الذي تتفق عليه أكثر المصادر (وجود احتجاج على تراكم الثروة، ووقوع صدام مع السلطة) وبين التفاصيل الحوارية المحددة التي تختلف باختلاف المصدر. ومع ذلك، فإن تضافر تقاليد تاريخية متعددة في ربط أبي ذر بنقد تراكم الثروة في الشام يجعل أصل القضية جديراً بالبحث، حتى إذا تعذر قبول كل التفاصيل المنقولة حولها.

ولا ينبغي أن نسرع في استنتاج أن أبا ذر كان يقود حركة جماهيرية منظمة في دمشق. فالروايات المتعلقة بحجم جمهوره وتنظيمه متأخرة ومتفاوتة، ولا تقدم معلومات كافية لبناء صورة عن حركة اجتماعية متماسكة. ما يمكن قوله بدرجة معقولة من الثقة هو أن خطابه كان يجد آذاناً صاغية، وأنه كان يثير قلقاً لدى من يملكون الثروة والنفوذ. لكن تحويل ذلك إلى حركة سياسية منظمة ذات قيادة وهيكل واضح هو تجاوز للدليل المتاح. ومع ذلك، فإن تطور العلاقة بين أبي ذر والسلطة، وصولاً إلى استدعائه إلى المدينة ثم إبعاده إلى الربذة وفق الروايات، يدل على أن الخلاف لم يبق في حدود الاختلاف الأخلاقي الخاص. وتنقل الروايات أن هذا التحول هو ما دفع معاوية إلى الكتابة إلى عثمان يشكو خطاب أبي ذر، ثم انتهى الأمر إلى استدعائه إلى المدينة وإبعاده إلى الربذة. أما مقدار تأثير خطابه في قرار السلطة، وتسلسل الأحداث الذي قاد إلى النفي، فمسألة تحتاج إلى تفكيكها في ضوء اختلاف الروايات. ويشير انتقال الخلاف من الجدل حول الموعظة إلى تدخل السلطة في موقع أبي ذر ونشاطه إلى أن المسألة لم تعد تُفهم باعتبارها خلافاً أخلاقياً خاصاً. أما حجم تأثير خطابه في الجمهور أو مقدار ما مثله من تهديد لمصالح محددة، فلا يمكن تقديره بدقة من الروايات المتاحة. ويجدر التنبيه هنا إلى أن أبا ذر لم يكن الصوت الوحيد الذي واجه احتكاكاً مع سياسات عثمان في تلك المرحلة، إذ عرفت الفترة نفسها توتراً مشابهاً في حالات أخرى، لكن حدة موقفه ووضوح ربطه بين النص والممارسة جعلا منه الحالة الأبرز.

وهنا نصل إلى جوهر التحول: كان أبو ذر يمارس احتجاجاً أخلاقياً يمكن أن يتحول إلى احتجاج سياسي حين يضع معياراً دينياً في مواجهة مصالح وممارسات تحميها السلطة. وكانت قوة هذا الاعتراض لا تأتي من مضمونه الاقتصادي وحده، بل من مصدر شرعيته. فأبو ذر لم يواجه السلطة من خارج المرجعية التي تستند إليها؛ بل استخدم المرجعية الإسلامية نفسها في مساءلة كيفية توزيع المال، وهو ما جعل الخلاف يمس ليس السياسة المالية فقط، وإنما احتكار السلطة لتفسير ما يقتضيه الدين في المجال العام. وعندما يصبح تطبيق المعيار الديني يعني مساءلة من يملكون الثروة والسلطة، فإن الوعظ يتوقف عن كونه فضيلة فردية، ويتحول إلى مسألة سياسية تمس سلطة الحاكم وحدود تصرفه. هذه النقلة من الوعظ إلى المساءلة السياسية هي ما جعلت تجربة دمشق مختلفة: هنا لم يعد الأمر يتعلق برجل يرفض الترف الشخصي، بل برجل يضع علاقة السلطة بالمال موضع مساءلة.

أما معاوية نفسه، فمن غير الدقة وصف موقفه بأنه كان مجرد خلاف شخصي مع أبي ذر. فهو كان يمثل سلطة سياسية وعسكرية متنامية، وكانت إدارته للإقليم تعتمد على شبكة واسعة من الولاءات التي كان المال عنصراً أساسياً في بنائها واستمرارها. وكانت دمشق، في ظل حكمه، بدأت تتحول إلى قاعدة للسلطة الأموية المستقبلية، حيث كان العطاء والهبات والامتيازات وسائل لإعادة إنتاج الولاء وتثبيت النفوذ. لذلك فإن نقد أبي ذر لتراكم الثروة لم يكن مجرد إزعاج أخلاقي، بل كان يضع تراكم الثروة وعلاقة السلطة بالمال أمام مساءلة دينية واجتماعية يمكن أن تتجاوز حدود السلوك الفردي. وكان يمكن لمثل هذا الخطاب، من حيث طبيعته، أن يفتح إمكاناً لمعارضة أوسع، لكن لا تملك الروايات ما يكفي لإثبات تحقق هذا الإمكان في صورة حركة منظمة.

وهنا ينبغي التمييز بين المضمون السياسي والمشروع السياسي: كان احتجاج أبي ذر ذا مضمون سياسي واضح لأنه مسّ توزيع الموارد وحدود السلطة، لكن لا تملك المصادر ما يكفي لإثبات أنه كان يحمل مشروعاً سياسياً بديلاً أو تصوراً مؤسسياً للدولة. كان احتجاجه يكشف تناقضاً اجتماعياً يمكن قراءته طبقياً، دون أن يعني ذلك أن أطراف الصراع تشكلت في طبقات بالمعنى الماركسي الحديث أو أن أبا ذر امتلك وعياً طبقيّاً منظماً.

إذا كان وجود أبي ذر في دمشق قد كشف حدود احتمال السلطة لخطاب ديني يطعن في تراكم الثروة، فإن السؤال التالي لا يتعلق فقط بمكان نفيه، بل بالآلية التي انتقل بها الخلاف من خلاف على المال والموعظة إلى قرار سياسي بإبعاده. وهذه هي المسألة التي ستتناولها المقالة السابعة: المدينة، عثمان، وتحوّل الخلاف من نزاع حول المال إلى قرار في مصير المعارض نفسه. فحين لم تعد السلطة تكتفي بإبعاد الرجل عن دمشق، قررت إبعاده عن أي مركز سياسي يمكن أن يكون له فيه أثر، لتختار له مكاناً بعيداً عن مراكز السلطة والتجمع السياسي.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...
- 18. البرنامج الانتقالي (4).. السلطة الشعبية والدولة الجديدة
- 17. البرنامج الانتقالي (3).. السيادة المالية وفك الارتباط وإ ...
- 16. البرنامج الانتقالي (2).. الاقتصاد الوطني والتحرر من اقتص ...
- 15. البرنامج الانتقالي (1).. وقف الحرب وإعادة بناء المجتمع م ...
- التسوية التي أعادت إنتاج اختلال القوة
- 14. الأزمة الإنسانية.. الاقتصاد السياسي للجوع في الحرب السود ...
- 13. الدولة السودانية.. كيف أعادت كل مرحلة إنتاج التحالف الطب ...
- 12. الإمبريالية والتبعية.. الحلقة المفقودة في رؤية حمدوك
- 11. الحوكمة.. إصلاح الدولة أم إعادة إنتاج الرأسمالية؟
- 10. العدالة الانتقالية.. محاكمات أم تفكيك بنية الحرب؟
- ملف المفقودين وصراع السرديات
- 9. الجيش.. جهاز الدولة الطبقي أم مؤسسة وطنية؟
- 8. الفيدرالية.. لامركزية السلطة أم لامركزية الفقر؟


المزيد.....




- انقلبت رأسًا على عقب.. نجاة طيار بعد تحطم طائرته في المحيط
- ليلة رقص تنتهي بإطلاق نار وسقوط ضحايا في سويسرا
- الدفاع الروسية: إسقاط 494 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
- الرئيس اللبناني يجدد تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة والجيش عل ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديديتين في سومي شرقي أوكرا ...
- أطعمة تساعد على تهدئة أعراض الصدفية.. وأخرى يُفضل الحد منها ...
- سويلم يلتقي عددًا من أعضاء مجلس النواب لمناقشة مطالب المواطن ...
- وزير النقل يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع ...
- التعليم العالي تطلق سلسلة “اعرف الحقيقة” لتصحيح المفاهيم الم ...
- إيسلندا: تقدّم الرافضين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحا ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي 6. دمشق حين تحول الوعظ إلى تهديد سياسي