أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة العمل















المزيد.....


3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة العمل


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في 13 سبتمبر 2026، وقفت بائعات سوق النسوان في كسلا أمام الإزالة. تقول التقارير الصحفية إن السوق من الأسواق الشعبية القديمة في المدينة، وإنه يضم نحو 160 امرأة، وإن بعض العاملات فيه منذ عقود، وإن جزءاً من السوق أُزيل، بينما أغلقت المحتجات طريقاً رئيسياً مطالبات بوقف الإزالة وتوفير مواقع بديلة تحفظ مصادر رزقهن. وتفيد تقارير أخرى بأن الموقع جرى بيعه، وأن الموقع البديل المقترح في سوق العامرية يثير اعتراضات بسبب بعده عن حركة السوق والزبائن.

هذه الوقائع تكشف منذ البداية أن ما تنتزعه الإزالة ليس بالضرورة قطعة أرض أو جدراناً خشبية فحسب، بل يمكن أن تنتزع بنية اقتصادية كاملة: الموقع، والزبائن، وشبكات التوريد، والعلاقات الائتمانية، والمعرفة بالسوق، والسمعة، وحركة التجارة اليومية. ولذلك فإن مطالبة البائعات بموقع بديل ليست مطالبة شكلية بمكان يقفن فيه، بل مطالبة بالحفاظ على شروط إعادة إنتاج مصدر الدخل نفسه. فإذا انتقلت البائعة إلى مكان لا ينتقل إليه الزبون، ولا تتوافر فيه حركة التجارة ذاتها، ولا تستمر فيه شبكة التوريد والعلاقات التي راكمتها سنوات طويلة، فإن البديل المادي لا يعيد بالضرورة إنتاج الأصل الاقتصادي.

في الرأسمالية، يظهر العامل قانونياً بوصفه مالكاً حراً لقوة عمله، يبيعها في السوق مقابل أجر. لكن هذه الحرية القانونية تقوم، في التحليل الماركسي، على انفصال العامل عن وسائل الإنتاج ووسائل العيش التي تمكنه من إعادة إنتاج حياته خارج بيع قوة عمله. ولذلك لا يتوقف السؤال عند الشكل القانوني للعقد، بل يبحث في الشروط المادية التي تجعل بيع قوة العمل ضرورة اجتماعية. وما يجري في السودان بعد الحرب يضيف إلى هذا السؤال مستوى آخر: ماذا يحدث عندما تُنتزع من فئة كاملة وسيلة العمل الصغيرة التي كانت تعتمد عليها، من دون أن تُمنح بالضرورة وسيلة بديلة لإعادة إنتاج دخلها؟

تبدأ العملية من لحظة الإزالة نفسها. عندما تُهدم بسطة، أو يُزال كشك في سوق شعبي، أو يُمنع بائع متجول من استخدام موقع اعتاد العمل فيه، فإن ما يفقده هؤلاء ليس مجرد "مكان"، بل وسيلة عمل وشروطاً متراكمة لتحقيق الدخل. البسطة أو العربة أو الكشك ليست رأس مال بالمعنى الذي يجعل صاحبها رأسمالياً؛ لكنها بالنسبة إلى صغار الكسبة وسيلة عمل أساسية. والبائعة لا تعتمد على الشيء المادي وحده، بل على موقعه، وزبائنه، وشبكة مورديه، ومعرفتها بالطلب والأسعار، وعلاقاتها الائتمانية، وحركتها اليومية، وسمعتها، وتخصصها. وعندما تنقلها السلطة إلى مكان آخر، يمكن أن تقول إنها وفرت "بديلاً"، لكن إذا لم تنتقل معه الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل النشاط ممكناً، فإن البديل المادي لا يعيد إنتاج الأصل الاقتصادي.

وهنا تتضح فكرة مادية أساسية: نزع الملكية لا يعني دائماً انتزاع الشيء المادي ذاته؛ يمكن أن يعني انتزاع الشروط التي تسمح بتحقيق قيمته الاقتصادية. فالمكان لا يساوي شيئاً لصاحبه فقط بما يشغله من مساحة، وإنما بما يربطه من علاقات اقتصادية واجتماعية متراكمة.

وهنا يظهر الفرق بين نزع الملكية البدائي الذي تناولته الحلقة الأولى، ونزع وسيلة العمل الصغيرة الذي تتناوله هذه الحلقة. في الحلقة الأولى كانت الأرض محور العملية: فصل الجماهير عن أحد شروط السكن والإنتاج وإعادة الإنتاج. أما هنا، فالموضوع هو وسيلة العمل الصغيرة: البسطة، والعربة، والكشك، والطاحونة، والورشة، ومكان البيع. الأرض أصل ثابت أو شبه ثابت؛ أما وسيلة العمل الصغيرة فقد تكون متحركة أو قابلة للنقل، لكن كليهما يمثل شرطاً مادياً لإعادة إنتاج الحياة. وفصل صغار الكسبة عن وسائل عملهم لا يعني بالضرورة تحويلهم فوراً إلى عمال مأجورين، بل يدفعهم إلى البحث عن أشكال أخرى من كسب العيش: عمل مأجور، أو اقتراض، أو عمل عائلي، أو وساطة، أو أشكال متزايدة من التبعية.

ومن هنا يمكن صياغة السلسلة التي تستحق الاختبار: فقدان وسيلة العمل، ثم فقدان الدخل، ثم زيادة الحاجة إلى الاقتراض أو بيع قوة العمل، ثم اتساع التبعية الاقتصادية، ثم قبول شروط عمل أضعف؛ وفي بعض الحالات، إذا اقترنت المديونية بالإكراه وعدم القدرة الفعلية على الانسحاب، يمكن أن تظهر علاقات العمل القسري أو عبودية الدين. هذه ليست سلسلة ميكانيكية تنطبق على كل حالة، وإنما فرضية مادية يجب اختبار حلقاتها بالوقائع.

ويمكن، في إطار هذه السلسلة، أن نسمي العملية التي ندرسها هنا "التراكم عبر نزع وسائل العمل الصغيرة": أي انتقال القيمة وشروط الوصول إلى المكان والعمل من صغار الكسبة إلى أنماط أخرى من الاستخدام أو الاستثمار، حين تقترن الإزالة بإعادة تخصيص المواقع أو تغيير وظائفها الاقتصادية. وهذا ليس افتراضاً يثبت بمجرد وقوع الإزالة؛ بل يتطلب تتبع ما يحدث للموقع ووسائل العمل والقيمة بعد الإزالة. وهو يختلف عن "التراكم عبر الإقصاء السكاني" الذي تناولته الحلقة الثانية: هناك كان التراكم يمر عبر إعادة توزيع السكان وحركتهم؛ وهنا يمر عبر إعادة توزيع وسائل العمل الصغيرة وشروط الوصول إليها. وفي الحالتين، تبقى العملية واحدة: إعادة تنظيم شروط إعادة إنتاج الطبقات الشعبية بما يخدم أنماط تراكم محددة.

وهذا ما يجعل الفريشة والباعة الجائلين فئة طبقية مركبة، لا بروليتاريا بالمعنى التقليدي. فهم قد يملكون بعض وسائل العمل، لكنهم لا يملكون رأس المال الكافي للتوسع؛ يعتمدون بدرجات مختلفة على عملهم الشخصي؛ يتحملون مخاطر السوق؛ وقد يدخلون في علاقات تبعية للدائن أو المورد أو المالك العقاري أو السلطة المحلية. وليسوا كتلة طبقية متجانسة: بعضهم صغار منتجين، وبعضهم تجار سلع يعملون لحسابهم، وبعضهم يعتمد على العمل العائلي، وبعضهم يقترب وضعه الاقتصادي من البروليتاريا غير المستقرة. ويمكن وصف قطاعات منهم بأنها "برجوازية صغيرة حضرية فقيرة": تملك بعض وسائل العمل، لكنها لا تملك رأس المال الكافي للتوسع، وتعتمد على عملها الشخصي، وتتحمل مخاطر السوق. وهذا الموقع الطبقي المتناقض لا يلغي إمكانية تنظيمهم، وإنما يجعل أشكال تنظيمهم مختلفة عن أشكال تنظيم العامل المأجور التقليدي.

وهنا يبرز السؤال الماركسي المركزي: لماذا تتسامح الدولة مع الاقتصاد غير الرسمي في لحظة، وتقمعه في لحظة أخرى؟ لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الحالات. فقد تتداخل اعتبارات تنظيم الأسواق، وحركة المرور، والجباية، والأمن، واستخدام الأرض، والضبط الحضري، مع مصالح الاستثمار وإعادة تخصيص المواقع. ولذلك لا ينبغي افتراض أن كل إزالة تستهدف بالضرورة رأس المال، بل ينبغي فحص ما يحدث للموقع بعد الإزالة: من يستولي عليه؟ هل يعاد تخصيصه؟ لمن؟ وبأي شروط؟ وهل تتزامن الإزالة مع مشروع استثماري أو إعادة تطوير أو تغيير في استخدام الأرض؟

في الحالة التي يمكن إثباتها، تصبح المسألة أوضح: عندما تتزامن إزالة صغار الكسبة مع إعادة تخصيص الموقع أو تطويره لصالح نشاط آخر، يمكن دراسة ما إذا كانت الإزالة تعمل كآلية لإعادة تنظيم السوق والمكان بما يخدم نمطاً محدداً من التراكم. أما إذا لم تظهر هذه الحلقة، فيبقى تفسير الإزالة بوصفها أداة ضبط حضري أو إداري احتمالاً قائماً يحتاج بدوره إلى الاختبار. قوة التحليل هنا لا تأتي من افتراض النتيجة، بل من تتبع انتقال الأرض ووسائل العمل والقيمة بعد الإزالة.

وهذا ما يجعل سوق النسوان في كسلا حالة شديدة الأهمية. ففي 13 سبتمبر 2026 احتجت بائعات وعاملات في السوق على إزالة جزء منه، وأغلق المحتجون طريقاً رئيسياً مطالبين بوقف الإزالة وتوفير مواقع بديلة تحفظ مصادر الرزق. وتقول تقارير لاحقة إن السوق يضم نحو 160 امرأة، وإن بعض العاملات فيه منذ عقود؛ وتروي إحدى البائعات أنها تعمل فيه منذ عام 1971، فيما تقول أخرى إنها تعمل فيه منذ 45 عاماً. كما تشير التقارير إلى أن الموقع البديل المقترح في سوق العامرية لا يوفر بالضرورة حركة الزبائن نفسها.

لهذا السبب لا ينبغي اختزال مطلب "الموقع البديل" في مجرد الحصول على قطعة أرض أخرى. إن ما تطالب به البائعات، من الناحية الاقتصادية، هو الحفاظ على شبكة كاملة: الزبائن، وحركة المارة، وموقع السوق داخل المدينة، وصلاته بالموردين والقرى المحيطة، والسمعة التي تراكمت عبر عقود. وتروي التقارير أن السوق نفسه ارتبط ببيع المصنوعات اليدوية والمنتجات المحلية التي تنتجها النساء أو يجلبنها من المناطق والقرى المحيطة، وهو ما يجعله حلقة بين اقتصاد ريفي واقتصاد حضري صغير، وليس مجرد تجمع من الرواكيب.

والأهم أن القضية لا تتوقف عند التعويض النقدي. بعض التقارير تشير إلى خلافات حول التعويض وترتيبات البديل، بينما ركزت مطالب المحتجات على وقف الإزالة وتوفير مواقع تحفظ مصادر الرزق. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأساسي ليس فقط: كم دفعت السلطة لمن أزيلت راكوبتها؟ بل: هل يستطيع التعويض، إن وُجد، أن يعيد إنتاج الدخل الذي كان الموقع يتيحه؟ وهل يستطيع الموقع البديل أن يعيد إنتاج شبكة الزبائن وحركة التجارة؟ هنا يتحول التعويض من رقم مالي إلى سؤال عن إعادة إنتاج وسيلة العمل نفسها.

وفي موقف جاكسون وسط الخرطوم، يقدم تاريخ الحملات السابقة مثالاً موثقاً على الصراع حول المكان والعمل. ففي 30 مارس 2022 أزالت السلطات محلات للفريشة في موقف جاكسون، وأقام متضررون متاريس احتجاجاً على منعهم من العمل في الموقع الذي يشهد حركة نقل كثيفة. وتناولت مصادر أخرى الحملة بوصفها جزءاً من إجراءات قالت السلطات إنها تستهدف تنظيم الأسواق والطرق العامة وإزالة ما اعتبرته مخالفات.

وتكشف هذه الواقعة شيئاً مهماً: الصراع ليس بين "النظام" و"الفوضى" فقط، كما تصفه اللغة الإدارية، بل حول من يملك حق استخدام المكان وكيف تُوزع القيمة التي يولدها الموقع. فموقف نقل كثيف يعني تدفقاً مستمراً للزبائن؛ والرصيف ليس مجرد إسفلت، بل موقع اقتصادي تتحدد قيمته بحركة الناس والنقل والسلع. ولذلك يمكن أن تكون إزالة الفريشة في بعض الحالات إعادة توزيع لحق استخدام المكان، لا مجرد تنظيف للشارع. لكن إثبات أن المستفيد النهائي هو رأس مال بعينه يتطلب تتبع ما حدث للموقع بعد الإزالة، لا الاكتفاء بواقعة الإزالة نفسها.

وهنا يبدأ السؤال الثاني: ماذا يحدث بعد الإزالة؟ لا يمكن القول إن الإزالة "تنتج" الدين بصورة آلية. ما يمكن قوله هو أنها قد تزيد الحاجة إلى الاستدانة عندما تفقد الأسر مصدر دخلها ولا تتوفر لها بدائل إنتاجية أو حماية اجتماعية كافية. ولذلك يصبح السؤال البحثي أكثر أهمية من الحكم الجاهز: هل ارتفع الدين فعلاً بعد الإزالة؟ من هم الدائنون؟ ما نوع الدين: غذاء، إيجار، علاج، تعليم، أم رأس مال صغير؟ ما شروط السداد؟ وهل يرتبط الدين بعلاقة العمل؟ وهل يصبح المدين ملزماً بالعمل لدى الدائن أو الوسيط؟

فالدين ليس رقماً فقط، بل علاقة اجتماعية. عندما تستدين أسرة لشراء الغذاء أو دفع الإيجار أو تمويل نشاط صغير، فإنها تدخل في شبكة من الالتزامات. وقد يبقى الدين أداة بقاء عادية في ظروف الفقر، وقد يتحول إلى علاقة تبعية عندما يصبح مصدر العمل نفسه مرتبطاً بالدائن، وقد يبلغ مستوى مختلفاً تماماً عندما يقترن بالإكراه وعدم القدرة الفعلية على ترك العمل.

ولهذا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات: الدين كأداة بقاء، عندما تستدين الأسرة لتغطية حاجات الحياة؛ والدين كأداة تبعية، عندما يصبح المدين مرتبطاً اقتصادياً بدائن أو مورد أو صاحب عمل؛ والدين كأداة إكراه، عندما يؤدي الدين إلى تقييد قدرة العامل على الانسحاب، أو تقترن العلاقة بعقوبة أو تهديد أو حجز للأجور أو الوثائق أو غير ذلك من وسائل الإكراه.

والمستوى الأخير هو الذي يمكن أن يدخل في نطاق العمل القسري وعبودية الدين وفق المعايير الدولية. ولا يكفي وجود الدين وحده لإثبات ذلك. منظمة العمل الدولية تربط العمل القسري بوجود عمل أو خدمة تحت التهديد بعقوبة ومن دون حرية فعلية في ترك العلاقة، وتتناول في إطارها منع أشكال مثل عبودية الدين. وقد صدق السودان على بروتوكول منظمة العمل الدولية لعام 2014 بشأن العمل الجبري في 17 مارس 2021، ودخل البروتوكول حيز النفاذ بالنسبة إليه في 17 مارس 2022.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يفتح أمام البحث الميداني: هل توجد في السودان بعد الحرب حالات تستوفي هذه الشروط؟ لا يمكن تقديم الجواب من دون توثيق مباشر. لكن يمكن تحديد ما ينبغي البحث عنه: السلف المقدمة للعامل، وطريقة احتساب الدين، وتأخير الأجور، والخصومات، وحجز الوثائق، وتقييد الحركة، والعقوبات عند الانسحاب، ومدى قدرة العامل فعلياً على ترك العمل. فإذا اجتمعت المديونية مع الإكراه وعدم القدرة على الانسحاب، نكون أمام مؤشرات تستحق اختبارها ضمن إطار العمل القسري وعبودية الدين. وإذا لم تثبت هذه الشروط، فلا يجوز القفز إلى هذا الوصف؛ ويظل ما يمكن إثباته هو فقدان وسيلة العمل واتساع التبعية الاقتصادية.

وهنا تكتسب إعادة الإعمار أهمية خاصة. فإذا كان الاقتصاد بعد الحرب يحتاج إلى أعداد كبيرة من العمالة في البناء والنقل والخدمات وسلاسل الإمداد، فإن انتقال من فقدوا وسائل عملهم الصغيرة إلى هذه القطاعات لا ينبغي أن يُقرأ آلياً بوصفه انتقالاً إلى "العمل" فقط. السؤال المادي هو: بأي شروط؟ ومن يملك العقود؟ ومن يملك السكن؟ ومن يدفع الأجر؟ ومن يحدد شروط الاقتراض؟ ومن يتحمل تكاليف الغذاء والنقل؟ وهل يستطيع العامل مغادرة العمل إذا لم يقبل شروطه؟ هذه هي الأسئلة التي تسمح بتمييز العمل المأجور الهش عن التبعية، والتبعية عن العمل القسري.

والجندر جزء عضوي من هذه العملية، لا فقرة إضافية عليها. فالمرأة التي تفقد وسيلة عملها لا تفقد دخلاً نقدياً فقط؛ وقد تتحمل في الوقت نفسه جانباً أكبر من العمل الضروري لإعادة إنتاج الأسرة: إعداد الطعام، والرعاية، ورعاية الأطفال والمرضى والمسنين، وتدبير النقص، وإدارة الديون. ولهذا فإن إزالة وسيلة العمل يمكن أن تضرب المرأة في مستويين متزامنين: خفض الدخل النقدي وزيادة العمل غير المدفوع. وتوضح حالة سوق النسوان في كسلا هذا البعد بوضوح، إذ تصف التقارير نساء يعتمدن على السوق في إعالة أسرهن، وبينهن أرامل ومعيلات لأسر.

وهنا يصبح مفهوم إعادة إنتاج قوة العمل أكثر من مصطلح نظري. فالأسرة التي تفقد دخلاً يومياً تحتاج إلى إعادة ترتيب استهلاكها، وزيادة الاقتراض، أو إرسال فرد آخر إلى سوق العمل، أو زيادة العمل غير المدفوع داخل المنزل. وبالتالي فإن الإزالة لا تؤثر في "البائع" بوصفه فرداً منفصلاً، بل في وحدة اجتماعية كاملة تعيد إنتاج قوة العمل يومياً. وهذا ما يجعل اقتصاد الرعاية والعمل المنزلي جزءاً من الاقتصاد السياسي للإزالة.

وهناك تفاوت طبقي آخر داخل الاقتصاد غير الرسمي نفسه. فصغار الكسبة، أصحاب البسطات الصغيرة والباعة الجائلون وعمال اليومية، قد يتعرضون لآثار أشد من آثار مخالفة مماثلة يرتكبها صاحب نشاط أكبر يمتلك قدرة أعلى على تحمل الغرامات أو الانتقال أو الوصول إلى المسؤولين. لكن لا يكفي القول إن القانون يُطبق على الجميع بصورة انتقائية؛ فهذا يحتاج إلى مقارنة حالات موثقة. يجب وضع حالة إزالة لصغير كاسب إلى جانب حالة مخالفة أكبر لم تُزل، أو عولجت بطريقة مختلفة، ثم مقارنة حجم المخالفة، والجهة المالكة للموقع، والعلاقة بالسلطة، والإجراء المتخذ. عندها فقط يصبح الحديث عن انتقائية تطبيق القانون تحليلاً مادياً قائماً على الوقائع.

وهكذا تبدأ الآليات المختلفة في الارتباط داخل عملية واحدة: نزع وسيلة العمل الصغيرة، تضييق الاقتصاد غير الرسمي، فقدان الدخل، زيادة الحاجة إلى الاقتراض، اتساع التبعية، انتقال بعض الأفراد إلى العمل المأجور الهش، وتضاعف أعباء إعادة إنتاج الحياة داخل الأسرة. وفي حالات محددة فقط، عندما تنضم المديونية إلى الإكراه وعدم القدرة على الانسحاب، يمكن أن تنتقل العلاقة إلى مستوى العمل القسري وعبودية الدين.

ولا تتناقض الرأسمالية تاريخياً مع وجود أشكال متعددة من العمل غير الحر. فقد عرف تاريخ التراكم الرأسمالي أشكالاً مختلفة من العمل المأجور والعمل القسري والعمل التابع والعمل المنزلي غير المدفوع، وتداخلت هذه الأشكال في أزمنة وأماكن مختلفة. ولذلك فإن السؤال الماركسي ليس ما إذا كان الشكل القانوني للعلاقة يحمل اسم "العمل المأجور" فقط، بل ما هي الشروط المادية التي تحدد قدرة العامل على بيع قوة عمله، وعلى رفض شروط معينة، وعلى ترك علاقة العمل عندما يريد.

وهذا تحديداً هو السؤال الذي ينبغي طرحه على السودان بعد الحرب: هل تؤدي إعادة تشكيل المدينة إلى توسيع قدرة الناس على الوصول إلى وسائل العيش والعمل، أم إلى فصل قطاعات منهم عن وسائل العمل ثم دفعهم إلى أسواق عمل أكثر هشاشة واعتماداً على الدين والوساطة؟ وهل تتحول بعض هذه العلاقات، في حالات محددة، إلى علاقات قسرية؟ لا يمكن حسم هذه الأسئلة بالشعارات؛ بل بتتبع الملكية، والدخل، والائتمان، وشروط العمل، وحركة العمال، ومن يملك القدرة على الانسحاب.

لكن المقاومة موجودة أيضاً. احتجاج بائعات كسلا وإغلاقهن الطريق للمطالبة بوقف الإزالة وتوفير بديل يحفظ مصادر رزقهن يبين أن المتضررين لا يتعاملون مع المكان بوصفه مساحة محايدة. وفي جاكسون عام 2022، لجأ المتضررون من الإزالة إلى المتاريس احتجاجاً على منعهم من العمل في موقع يعتمد نشاطهم عليه. هذه الوقائع لا تكفي وحدها لوصف كل احتجاج بأنه تنظيم طبقي مكتمل، لكنها تكشف أن إعادة توزيع المكان ووسائل العمل تولد صراعاً مادياً حول شروط العيش والعمل.

وسوق النسوان في كسلا يقدم هنا مثالاً مكثفاً: النساء لا يدافعن عن رواكيب خشبية بوصفها أشياء، بل عن شبكة اقتصادية صنعتها سنوات من العمل. الموقع، والزبون، والسمعة، وحركة السوق، والعلاقات مع الموردين، والارتباط بالريف والمدينة، كلها تدخل في القيمة الفعلية لوسيلة العمل. لذلك فإن السؤال عن البديل ليس سؤالاً هندسياً فقط؛ إنه سؤال عن إمكانية إعادة إنتاج النشاط الاقتصادي نفسه.

وبذلك لا تصبح "الإزالة" مجرد إجراء إداري منفصل عن الاقتصاد. إنها يمكن أن تكون لحظة في إعادة توزيع شروط الوصول إلى المكان والعمل. لكن تحديد اتجاه هذا التوزيع يحتاج في كل حالة إلى معرفة من يفقد ماذا، ومن يحصل على الموقع بعد ذلك، وكيف تتغير شروط العمل والدخل والائتمان. هنا تحديداً يتحول التحليل من نقد عام إلى اقتصاد سياسي قابل للإثبات.

والسؤال الذي تتركه هذه الحلقة مفتوحاً ليس: هل تحولت كل الإزالة إلى عمل قسري؟ فهذا استنتاج لا تسمح به الوقائع المتاحة بعد. السؤال الأدق هو: هل تعيد إعادة تشكيل المدينة بعد الحرب إنتاج شروط تجعل قطاعات من قوة العمل أكثر اعتماداً على الأجر، والدين، والوساطة، وأقل قدرة على امتلاك شروط إعادة إنتاج حياتها؟

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع


المزيد.....




- 10 أسابيع من الترفيه بانتظار جمهور النسخة الـ7 من موسم الريا ...
- إعادة ‏تأهيل مطار اللاذقية الدولي تمهيدا لإعادته إلى الخدمة ...
- سوسكين: زيلينسكي -انكسر- بعد ضرب مراكز البيانات وعليه أن يست ...
- ترامب وإيران.. بين التفاوض والحرب
- أكسيوس: ترامب يتوقع مفاوضات جديدة مع إيران قريبا
- هروب جماعي من مهنة الصيدلة في مصر.. ما الأسباب؟
- صحفي قبرصي: لقاء فاديفول ولافروف يعكس حالة اليأس في الغرب
- هولندا تفتش ركاب طائرة إسرائيلية لضمان عدم إدخال منتجات من ا ...
- اليمن.. مشاهد من سوق في مدينة تعز بعد تعرضه لقصف أدى إلى مصر ...
- الآلاف يحيون الذكرى الثانية لاغتيال الأمين العام لحزب الله ح ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة العمل