أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم















المزيد.....

2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أكتوبر 2025، وقفت "أزاك" أمام عناصر أمنية في الخرطوم. كانت قد أقامت في السودان أربعين عاماً. قيل لها إن الإجراءات "بسيطة"، وإنها تحتاج فقط إلى مرافقة قصيرة. سُجّل اسمها، وسُجّلت قبيلتها، ثم رُحّلت إلى جهة غير معلومة، دون أن تودّع أطفالها. لم تُتهم بجريمة، ولم تُقدَّم إلى محكمة، ولم تُمنح فرصة لمراجعة قانونية. لا تكمن أهمية قصتها في فرادتها، بل في ما تكشفه عن آلية أوسع من التصنيف والترحيل، وعن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الإنسان من مقيم داخل المدينة إلى شخص قابل للإخراج منها بقرار إداري وأمني.

تكشف هذه القصة أيضاً ما تخفيه الأرقام. أعلنت الشرطة السودانية أنها ضبطت نحو أربعة عشر ألفاً وتسعمئة وستة وستين أجنبياً مخالفاً للإقامة بين يوليو وديسمبر 2024 وحدها، ورحّلت منهم أحد عشر ألفاً وأربعمئة وأربعة وثلاثين، عبر مئتين وتسع وخمسين حملة. كما أعلنت خططاً لترحيل نحو ثمانية وثلاثين ألفاً إضافيين ضمن "برنامج عودة طوعية". وهذه الأرقام صادرة عن الجهة المنفذة نفسها، ولذلك ينبغي قراءتها بوصفها أرقاماً رسمية تعكس ما أعلنته السلطات عن حجم الحملات ونتائجها، بينما تبقى تفاصيل التصنيف والمصير اللاحق للمُرحّلين خارج ما تكشفه الأرقام.

وهنا يبدأ السؤال المادي. في التحليل الماركسي، لا يشير مفهوم "جيش الاحتياط الصناعي" إلى كتلة بشرية عاطلة تنتظر العمل فحسب، بل إلى قوة عمل فائضة نسبياً ينتجها تراكم رأس المال نفسه، وتؤدي وظيفة في تنظيم سوق العمل والضغط على شروط العمل والأجور. لكن هذا المفهوم يحتاج إلى تعديل حين يكون نمط التراكم السائد عقارياً وريعياً وخدمياً أكثر منه صناعياً. فهذا النمط لا يسعى إلى استيعاب الكتلة السكانية كلها داخل قوة عمل مستقرة ومحمية اجتماعياً؛ إنه ينتقي من قوة العمل ما يحتاجه من حراس وعمال بناء ونظافة ونقل وخدمات منزلية، ويترك بقية السكان خارج دورة الاستخدام المباشر أو على هامشها.

بهذا المعنى، لا يعود الفائض مجرد احتياط ينتظر استدعاءه إلى العمل، وإنما يصبح فائضاً يُنتج سياسياً واجتماعياً بوصفه زائداً عن حاجات نمط التراكم السائد. هنا يبدأ الانتقال من مفهوم "الاحتياطي" إلى مفهوم "الإهدار": قوة بشرية موجودة فعلياً، تمتلك خبرات وعلاقات وقدرات على العمل وإعادة إنتاج الحياة، لكنها تُدفع خارج المدينة أو خارج شبكاتها الاقتصادية والاجتماعية لأن رأس المال السائد لا يحتاج إلى دمجها في دورة مستقرة ومحمية من العمل.

وهذه العملية يمكن تسميتها "التراكم عبر الإقصاء السكاني". فلا ينتج التراكم هنا من مصادرة الأرض وحدها، بل من تغيير من يحق له أن يشغلها، ومن يحق له أن يعيش في المجال الحضري أصلاً. الإقصاء السكاني ليس نتيجة جانبية لنزع الملكية، بل شرط من شروطها: لا يمكن إعادة تثمين الأرض إذا ظل سكانها الأصليون يشغلونها ويستخدمونها وفق حاجاتهم. ومن هنا يصبح الترحيل جزءاً من آلية التراكم نفسها، لا مجرد سياسة إدارية منفصلة.

لكن التصنيف لا يتوقف عند "المخالف للإقامة". هناك ثلاثة أنماط من التصنيف تتداخل في إنتاج قابلية الإبعاد: التصنيف القانوني، مثل مخالف الإقامة واللاجئ المسجل والمواطن النازح؛ والتصنيف الأمني، مثل مشتبه به أو "حاضن اجتماعي" أو "وجه غريب"؛ والتصنيف الإثني ـ الجغرافي، مثل دارفوري أو جنوبي أو نازح من الأطراف أو أجنبي. ولا يعني جمع هذه الفئات أنها متطابقة قانونياً؛ فاللاجئ يختلف عن المهاجر، والمواطن النازح يختلف عن الأجنبي، ولكل وضع ضماناته وإجراءاته الخاصة. ما يجمع الحالات هنا هو دراسة آليات التصنيف التي يمكن أن تحول اختلاف الوضع القانوني إلى تفاوت في قابلية الإبعاد. وحين تُسجّل قبيلة "أزاك" قبل ترحيلها، فإن الانتماء الإثني يدخل في عملية الفرز الأمني والإداري التي سبقت الإبعاد، ويتحول من معلومة عن الهوية إلى عنصر محتمل في تحديد المصير.

وإلى جانب التصنيف القبلي، يظهر تصنيف أمني ينتج عدواً افتراضياً. تقول السلطات إن وجود أعداد كبيرة من الأجانب غير المقننين بات يشكل "مهدداً أمنياً"، ولا سيما بعد رصد مشاركة مجموعات أجنبية في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع. وتؤكد أنها تستهدف المخالفين للقانون وتسعى إلى "تنظيم الوجود الأجنبي وحماية أمن المواطنين وممتلكاتهم". غير أن مشاركة أفراد أجانب في القتال لا تثبت بذاتها مسؤولية جماعات أو جاليات كاملة. الانتقال من مسؤولية فردية أو تنظيمية محددة إلى تصنيف جماعي هو النقطة التي تبدأ عندها المشكلة السياسية والحقوقية. وقد حذرت مراكز حقوقية من أن ربط الوجود الأجنبي على نحو عام بالتخابر أو العمل العسكري لصالح أطراف النزاع يمكن أن يغذي خطاب الكراهية والتحريض ضد الجاليات واللاجئين الذين لا علاقة لهم بالحرب.

وأخطر ما في هذه العملية لا يكمن في لحظة الترحيل وحدها، وإنما في مصير المُبعدين بعد خروجهم من المدينة. فالمعسكرات الواقعة خارج المدن يمكن أن تتحول من أماكن انتظار مؤقت إلى فضاءات للعزل والفقر وانقطاع الخدمات وفرص العمل. عندها يصبح الإبعاد اجتماعياً دائماً، حتى إذا ظل قانونياً مؤقتاً. وتقول المصادر الرسمية إن المبعدين يُنقلون إلى معسكرات حددتها الحكومة الاتحادية خارج العاصمة: في ولايتي القضارف وكسلا للاجئي إثيوبيا وإريتريا، وفي ولاية النيل الأبيض للاجئي جنوب السودان، أو يُرحّلون مباشرة إلى بلدانهم عبر المعابر الحدودية مثل القلابات.

يفقد هنا السؤال الماركسي التقليدي، "هل يشكل هؤلاء احتياطياً ينتظر الاندماج؟"، كثيراً من قدرته التفسيرية. فالتراكم الجاري في الخرطوم الجديدة يحتاج إلى الأرض، وإلى الخدمات المخصخصة، وإلى السيولة المغسولة، وإلى قدر محدود من الأيدي العاملة الماهرة وشبه الماهرة، لكنه لا يقوم على دمج ملايين الفقراء في سوق عمل صناعية مستقرة. لذلك يصبح الإبعاد دائماً بمعنى اجتماعي: قطع علاقة السكان بالمدينة، وتفكيك شروط بقائهم فيها، وتحويل العودة إلى احتمال استثنائي، لا بمعنى أن كل حالة ترحيل يستحيل أن تعقبها عودة.

وهذا ما يجعل مفهوم "الفائض البشري المُهدر" أكثر ملاءمة من مفهوم "الاحتياطي الصناعي" في قراءة هذه الظاهرة. والمقصود بالفائض البشري المُهدر هنا ليس أن هؤلاء البشر فائضون بطبيعتهم، وإنما أنهم يُنتجون سياسياً واجتماعياً بوصفهم فائضاً عن حاجات نمط التراكم السائد. الإنسان الذي كان جزءاً من حي وسوق ومدرسة وشبكة رعاية وعلاقات عمل يتحول، عبر سلسلة من التصنيفات والإجراءات، إلى جسم قابل للإبعاد. ولا يعود السؤال: متى سيحتاج إليه رأس المال؟ بل: ماذا يفعل رأس المال والسلطة بمن لا يحتاجان إلى وجوده داخل المكان الذي يجري إعادة تثمينه؟

المُبعدون من الخرطوم، سواء أكانوا أجانب أم نازحين أم سودانيين من أطراف مهمشة، قد يجدون أنفسهم أمام معسكرات معزولة، أو أطراف مدينية تفتقر إلى الخدمات وفرص العمل، أو عودة قسرية إلى مناطق لا يتوافر فيها الأمان. هنا يتحول الإبعاد إلى شكل من أشكال إدارة الفائض السكاني. لا يعني ذلك أن كل مُبعد يعيش المصير نفسه، وإنما أن الآلية العامة تعيد توزيع السكان وفق معيار جديد يربط حق الإقامة بقابلية المكان للاستثمار والأمن والسيطرة.

ويضيف الإطار القانوني الدولي بعداً آخر إلى هذه المسألة. فمبدأ عدم الإعادة القسرية، أو "Non-Refoulement"، يمنع إعادة اللاجئين إلى أماكن تتعرض فيها حياتهم أو حريتهم للخطر. وتشدد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على ضرورة التمييز بين أوضاع الأجانب المختلفة، ولا سيما بين المقيمين لأغراض العمل والهجرة وبين اللاجئين وطالبي اللجوء الذين يتمتعون بضمانات حماية خاصة بموجب اتفاقية 1951. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما لا يُفصل عملياً بين وضع اللاجئ أو طالب اللجوء وبين وضع المخالف لشروط الإقامة، لأن لكل فئة ضماناتها القانونية ومساراتها الإجرائية المختلفة. عندها يمكن أن يصبح التداخل بين التصنيفات مدخلاً محتملاً لتمرير إجراءات قسرية تحت غطاء قانوني.

والترحيل لا يضرب الفرد وحده؛ إنه يصيب إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية نفسها. ففي أكتوبر 2025، رُحّلت قسرياً عشرات النساء والفتيات من مواطني جنوب السودان نحو الحدود، إلى منطقتي جودة والرنك. أُبعدت أمهات، وبقي أطفالهن داخل الخرطوم دون عائل. هنا ينتقل أثر الترحيل من قوة العمل إلى إعادة إنتاج قوة العمل نفسها. الطفل الذي يفقد أمه، والأسرة التي تتفكك، وشبكة الرعاية التي تنقطع، كلها تكاليف اجتماعية تُدفع من أجساد وحياة الأطراف الأضعف. وقد دفعت هذه التطورات حكومة جنوب السودان إلى الاحتجاج رسمياً، مستنكرة إبعاد أكثر من مئة امرأة قسرياً من الخرطوم.

تكشف هذه الواقعة أن الترحيل يتجاوز أحياناً مفهوم "إخراج المخالف" إلى تفكيك شبكة اجتماعية كاملة. فالأسرة ليست وحدة عاطفية فقط؛ إنها جزء من البنية المادية لإعادة إنتاج قوة العمل: رعاية الأطفال، إعداد الطعام، المرض والعلاج، السكن، الحماية، ونقل الخبرات اليومية. تفكيك هذه الشبكة يحمّل من تبقى داخل المدينة وخارجها تكاليف جديدة، ويعيد توزيع عبء إعادة الإنتاج الاجتماعي على الفئات الأقل قدرة على تحمله.

وامتدت التداعيات إلى خارج الحدود. في جوبا، أثارت أنباء الترحيل غضباً واسعاً، تلاه ما ورد من هجمات انتقامية ضد رعايا سودانيين وممتلكاتهم في جنوب السودان، أسفرت عن مقتل ستة عشر سودانياً. ورداً على ذلك، فتحت الحكومة السودانية جسراً جوياً عاجلاً لإجلاء المئات من رعاياها. تكشف هذه السلسلة كيف يمكن لسياسة الإبعاد أن تتجاوز القرار الإداري فتنتج أزمات أسرية ودبلوماسية وعنفاً انتقامياً عابراً للحدود. ولا تحتاج هذه النتائج إلى افتراض أن كل حادثة لاحقة كانت نتيجة مباشرة لقرار الترحيل؛ يكفي ملاحظة أن سياسة التعامل مع مجموعات بشرية بوصفها قابلة للإزالة يمكن أن تخلق سلسلة من التداعيات تتجاوز المكان الذي صدر فيه القرار.

ولاحتواء الأزمة، انتقلت العملية في بعض الحالات من الترحيل الفردي إلى خطط أكثر تنظيماً وجدولة. أعلنت معتمدية اللاجئين السودانية عن تحديث البيانات وتسجيل الأفواج، وبدأت بتسيير أفواج نظامية، مثل الفوج الثالث في أواخر يوليو 2026، الذي نقل أربعاً وخمسين أسرة تضم مئة وأربعة وأربعين فرداً من منطقة نيفاشا بأم درمان. ولم تعد الوجهة في هذه الحالة الرمي المباشر خلف الحدود، وإنما النقل إلى معسكرات دائمة في ولاية النيل الأبيض.

غير أن تغيير الشكل لا يكفي لإثبات تغير البنية. فالانتقال من الترحيل الفردي إلى الأفواج المنظمة قد يضيف التسجيل والتوثيق والإجراءات، لكنه لا يحسم وحده سؤال الطوعية أو سلامة العودة أو حق الشخص في الاعتراض. كما أن تنظيم عملية الإبعاد لا يعني بالضرورة أن الاتجاه العام قد تغير، إذا ظل الهدف العملي تقليص وجود الفئات التي تصنفها السلطات باعتبارها غير مرغوبة أو غير نظامية في العاصمة.

وفي المقابل، تعمل المنظمات الدولية على مسار مختلف. ففي سبتمبر 2026، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة استئناف رحلات الطيران المستأجرة لبرنامج العودة الطوعية من مطار الخرطوم الدولي لأول مرة منذ اندلاع النزاع في 2023، لمساعدة الراغبين في العودة إلى بلدانهم الأصلية. وهنا تظهر مفارقة مهمة بين الترحيل القسري والعودة الطوعية. فالطوعية لا تُقاس بالاختيار المجرد وحده؛ معناها العملي يرتبط أيضاً بالبدائل المتاحة أمام الشخص: هل يستطيع البقاء بأمان؟ هل يملك السكن والعمل؟ هل يستطيع الوصول إلى الحماية؟ وهل توجد أمامه إمكانية حقيقية للرفض دون أن يتحول الرفض إلى خطر أو فقدان للسكن أو العمل أو الحماية؟ لذلك يمكن أن توجد إرادة معلنة بالعودة، بينما تظل البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالقرار شديدة الإكراه.

ولا يقتصر المشهد على الخرطوم. ففي الولاية الشمالية، شكّلت الأمانة العامة للحكومة في دنقلا "اللجنة العليا لضبط الوجود الأجنبي بالولاية"، وبدأت في ترحيل الأجانب المخالفين لشروط الإقامة. ويوسع هذا التطور نطاق المسألة من سياسة مرتبطة بالعاصمة إلى نهج إداري وأمني يمكن أن يمتد إلى مناطق أخرى خاضعة للسلطة القائمة.

وتتباين المواقف من هذه الحملات بين التبرير الرسمي المرتبط بالأمن وضبط الإقامة، والرفض الحقوقي المبني على ضمانات اللجوء والمواثيق الإنسانية. وتؤكد السلطات أن الإجراءات تستهدف المخالفين للقانون وحماية الأمن والممتلكات. أما القوى الديمقراطية واليسارية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوداني، فترى، بحسب موقف منشور لها، أن ترحيل الرعايا الأجانب واللاجئين الفارين من صراعات دول الجوار في الظروف الحالية يمثل انتهاكاً للمواثيق الإنسانية، وتدعو إلى الفصل بين "الملف الأمني وضبط الجريمة" وبين الالتزامات الأخلاقية والدولية تجاه اللاجئين. وتركز المنظمات الحقوقية المحلية والدولية في انتقاداتها على الضمانات القانونية، وتفريق الأسر، وخطاب التحريض.

وهنا يبرز السؤال الطبقي الذي لم يُحسم تجريبياً بعد: من يستفيد من تحرير الأرض والخدمات من وجود هذه الفئات؟ المرشحون نظرياً هم ملاك الأراضي والمستثمرون العقاريون وشركات الأمن ومقاولو إعادة الإعمار. لكن إثبات انتقال القيمة إليهم يحتاج إلى تتبع الملكية والعقود والأسعار قبل الإزالة وبعدها. ويُضاف إلى هؤلاء مرشحون آخرون لا يظهرون في خرائط الإزالة الحضرية، لكنهم حاضرون في اقتصاد الحرب: شبكات التعدين والتهريب، التي تستفيد من تفكك المدن وترحيل سكانها، والتي سيكون لها موقع في حلقة لاحقة.

بهذا المعنى يصبح الإبعاد جزءاً من عملية إعادة تثمين المكان، لا مجرد سياسة سكانية. فخروج السكان من حي ما يغير تركيبته الاقتصادية والاجتماعية، وقد يضعف في المدى الأول قدرة السوق الشعبي على المنافسة على استخدام الأرض، ويفتح المجال لإعادة تعريف وظيفتها باعتبارها سكناً خاصاً أو مشروعاً استثمارياً أو مرفقاً أمنياً أو واجهة تجارية. وما يسميه الخطاب الرسمي "ازدحاماً" لا يمثل مجرد وصف ديموغرافي محايد؛ ففي التحليل الطبقي يمكن أن يصبح الاسم الذي تُعطى به كثافة الفقراء والباعة والنازحين والمهاجرين في فضاء تريد السلطة إعادة تعريفه وفق معايير الاستثمار والأمن.

وإذا كانت الحلقة الأولى قد سألت: كيف تُنتزع الأرض؟ فإن هذه الحلقة تسأل: من يجب أن يغادر كي تصبح الأرض قابلة لإعادة التثمين؟ والإبعاد لا يخرج العامل وحده من المدينة؛ إنه يقطع شبكة إعادة إنتاجه الاجتماعي. الأسرة، والسكن، والمدرسة، والرعاية، والجوار، والمعرفة المحلية كلها أجزاء من قدرة الإنسان على بيع قوة عمله وإعادة إنتاجها. لذلك يعيد الترحيل تشكيل سوق العمل بصورة غير مباشرة، عبر تفكيك الشروط الاجتماعية التي تنتج قوة العمل نفسها.

هنا تتضح إحدى حلقات السلسلة المركزية: نزع الملكية يفتح الأرض، والإبعاد يعيد توزيع السكان، وفقدان وسيلة العيش يدفع إلى البحث عن بدائل، والبدائل قد تقود إلى الدين والعمل القسري والتبعية الاقتصادية. وبذلك لا تكون سياسة الترحيل منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها حلقة في عملية أوسع لإعادة تشكيل المدينة وقوة العمل معاً. المدينة الجديدة تُقاس تدريجياً بقدرتها على تثمين الأرض وجذب الاستثمار، بينما تتراجع قيمة قدرتها على إعادة إنتاج حياة سكانها الأصليين والمهمشين.

لكن المقاومة موجودة، وعلى أكثر من مستوى. المقاومة القانونية تطالب بالضمانات والإجراءات، والمقاومة السياسية ترفض تحويل اللاجئ إلى تهديد جماعي، والمقاومة الاجتماعية تحاول حماية الأسر وشبكات الرعاية، بينما تعمل عمليات التوثيق على منع اختفاء الضحايا من السجل العام. هذه الأشكال لا توقف الحملات بالضرورة، لكنها تنتج معرفة مضادة، وتحفظ الذاكرة، وتكشف آليات التصنيف والإبعاد، وتربط قضية الترحيل بقضايا الأرض والسكن والعمل.

إخراج السكان من المدينة لا ينهي حاجتهم إلى العيش. ما يُنتزع منهم في الأرض سيظهر في الحلقة التالية في شكل آخر: دين، وعمل قسري، وتبعية اقتصادية. فالرأسمالية التابعة لا تلغي حاجة الإنسان إلى البقاء؛ إنها تعيد تنظيم شروط هذا البقاء بحيث يصبح أكثر كلفة، وأكثر تبعية، وأقل قدرة على المقاومة.

وفي معسكر خارج الخرطوم، امرأة من جنوب السودان تنتظر ابنتها التي رُحّلت إلى جهة أخرى. لا تعرف إن كانت حية أم ميتة. لا تملك رقماً تهاتف عليه، ولا عنواناً تقصده. كل ما تملكه اسم، وقبيلة، وذاكرة. والسلطة التي حاولت تحويل الاسم والقبيلة إلى أدوات للتصنيف تترك للمرأة نفسها مادة يمكن أن تعود بها إلى العالم: شهادة، وذاكرة، وحق في السؤال عن ابنتها. هنا يبدأ المعنى السياسي للمقاومة من أبسط الأشياء: أن يظل الإنسان اسماً لا رقماً، وأسرة لا ملفاً، وصاحب حق لا جسماً قابلاً للنقل.

"إن الرأسمالية لا تكتفي باستغلال ما هو موجود، بل تنتج ما تحتاجه لاستغلاله، وتهدر ما لا تحتاجه."
روزا لوكسمبورغ.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي. ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي
- أبو ذر الغفاري في الأدب الثوري العربي: النضال المباشر ضد الإ ...
- 20. ملحق المفاهيم الأساسية والمراجع
- 19. البرنامج الانتقالي (5).. القوة الاجتماعية والتنظيم وآليا ...


المزيد.....




- عراقجي يكشف تفاصيل خطة -السبعة أيام- لإعادة فتح مضيق هرمز
- غروسي يصف اجتماعه مع لافروف بأنه مهم و-في التوقيت المناسب-
- فيضانات مميتة.. عمليات الإنقاذ في بني وليد بعد سيول خلفت ضحا ...
- تاكر كارلسون يرجح زوال أوكرانيا خلال عشر سنوات
- بوتين: تصعيد نظام كييف يعقّد وضعه أكثر
- البنتاغون يكشف عن حصيلة الجنود المصابين منذ بدء الحرب ضد إير ...
- دميترييف يعقد جولة جديدة من المحادثات مع نظرائه الأمريكيين ف ...
- ثورتي الـ26 من سبتمبر 62م، والـ14 من أكتوبر 63م، في ذكراهما ...
- هل تشعر بـ-الغيرة- من لقاء ترامب مع رئيس الصين؟.. بوتين يرد ...
- إيران تعرض مجددا -خطة الـ7 أيام-.. وتوجه -رسالة- لأمريكا وإس ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم