أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد















المزيد.....

9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 02:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أغسطس 2025، أُوقف رجل من دارفور عند حاجز أمني في الخرطوم بحري. كان يحمل بطاقة رقم وطني ووثيقة إيجار، لكن عناصر الحاجز سألوه عن أصله قبل اسمه، ثم عن لهجته وقبيلته، قبل أن يقتادوه إلى مركز احتجاز ظل فيه ثلاثة عشر يوماً بلا تهمة ولا محام ولا معرفة من عائلته بمكانه.

تكشف هذه الحادثة، وفق ما وثقته منظمات حقوقية وتغطيات إعلامية، عن نمط تصاعد في الخرطوم بعد الحرب: تصنيف الناس بناءً على ملامحهم وأصولهم ولهجاتهم. وأطلقت عليه بعض التغطيات تسمية "قانون الوجوه الغريبة"، وهو تعبير لا يشير إلى قانون مكتوب، وإنما إلى ممارسات تتطور في الميدان، تشارك في تنفيذها مجموعات ذات وظيفة أمنية أو شبه أمنية، ويتم تبريرها لاحقاً تحت عنوان "الأمن القومي".

في يناير 2026، نفى مستشار رئيس الوزراء وجود أي قانون رسمي بهذا الاسم. لكن النفي لم يوقف الوقائع التي واصلت التقارير الحقوقية توثيقها. وكان أبناء دارفور وجبال النوبة وكردفان، وفق تلك التقارير، من بين الفئات الأكثر تعرضاً. وهيومن رايتس ووتش وصفت الممارسات بأنها "تنميط عنصري" و"فصل اجتماعي غير معلن".

النمط ليس خاصاً بطرف واحد. في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، يُصنَّف الناس بناءً على اتهامات "التعاون مع الجيش" أو "التخابر مع العدو". وتشير تقارير وشهادات إلى أن من يُشتبه في تعاونه يُعتقل ويُهجَّر وأحياناً يُقتل. ومن زاوية الضحية، تنتج الآليتان أثراً متقارباً: يصبح الانتماء نفسه مصدراً للخطر. ويجد كثير من المدنيين المنتمين إلى جماعات غير عربية في دارفور وكردفان وجبال النوبة أنفسهم أمام فضاءات أمنية لا تضمن لهم الحماية. الهوية تحولت إلى خطر، لا إلى انتماء.

هنا يظهر سؤال مادي: لماذا تحوّل الاختلاف الجسدي واللهجي إلى أداة تصنيف أمني؟ لا تكفي إحالة الظاهرة إلى عنصرية مجردة، ولا إلى خلل مهني في العمل الأمني؛ فالسؤال هو كيف تتحول العنصرية نفسها إلى تقنية للسيطرة. فالتمييز هنا لا يقف خارج علاقات السيطرة؛ يمكن أن يصبح أداة لتنظيم الحركة والسكن والعمل وتوزيع الحماية. وفي ظل بيئة أمنية مضطربة ومجزأة، وانتشار هويات مزورة، وتداخل واسع بين التشكيلات المسلحة والبنية الأمنية، يصبح الشكل الخارجي أسهل وسيلة للفرز. تصنيف الناس حسب الملامح يحقق للأجهزة الأمنية ما لا تحققه التحقيقات الفردية: سرعة الفرز، وقابلية التنفيذ بأعداد كبيرة، وإمكانية التبرير بخطاب "الحفاظ على الأمن". وهذا يفسر قابلية الممارسة للانتشار، دون أن يبررها.

لكن هذا الفرز يعرّض الأبرياء للاعتقال والعنف وحتى الموت. من يُوقف بسبب لونه لا يُوقف بسبب فعل، بل بسبب احتمال مفترض يُستخرج من ملامحه. ومن يُصنف "وجهاً غريباً" لا يُصنف لأنه فعل شيئاً، بل لأن وجوده يُشكل "شبهة". وهذه الشبهة قد لا تُنفى أبداً. وفي الأثناء تُفقد الأعمال والاتصالات بالعائلة.

وهذا يحدث في سياق أوسع: إعادة تعريف من ينتمي إلى المدينة. فبعد الحرب، أخذت تظهر في الخطاب العام والسياسي ثنائيات تفرّق بين "السكان الأصليين" و"الوافدين"، وبين "من عاد" و"من بقي". ويعمل التصنيف على ثلاثة مستويات متداخلة: تصنيف أمني يحدد من يبدو مشبوهاً، وتصنيف سكاني يحدد من يبدو أصيلاً أو وافداً، وتصنيف عمراني يحدد من يبدو ملائماً لصورة المدينة الحديثة. وحين تتداخل المستويات، يصبح الاختلاف في الهوية أو نمط العمل أو مكان السكن سبباً للانتقال من خانة "السكان" إلى خانة "المشكلة".

وهنا تتحول المدينة إلى خريطة سياسية: هذا "حاضنة"، وذاك "وجهاً غريباً"، وآخر "وافداً"، وآخر "مخالفاً"، وفي المقابل يظهر المواطن المرغوب. وداخل هذه السردية، يمكن أن يصبح من بقي في الخرطوم خلال الحرب موضع اشتباه، بينما يُقدَّم من غادر ثم عاد بوصفه جزءاً من "العودة". ويمكن أن يُنظر إلى النازحين باعتبارهم عبئاً، وإلى الأجانب الذين أقاموا عقوداً باعتبارهم "مخالفين". وبهذا، رغم اختلاف أوضاعهم القانونية، يمكن أن ينتهوا إلى موقع واحد: موقع "غير المرغوب فيهم".

هذا التصنيف لا ينتج تراتبية في المدينة فقط، بل ينتج خطاباً عن المدينة. في جولة والي الخرطوم على شارع النيل في يوليو 2026، ظهرت إلى جانب مفردات الأمن ومفردات الواجهة الحضارية والمقصد السياحي والمتنفس للأسر. وهكذا تتجمع في صورة واحدة مفردات الأمن والجمال والسياحة والاستثمار، لتصنع تعريفاً محدداً للمكان المرغوب.

هنا يتحول العمران إلى أيديولوجيا. المدينة النظيفة والمنظمة تصبح صورة مرغوبة، بينما تتحول البسطات والأسواق الشعبية والازدحام إلى علامات على الفوضى. العمران لا يصف المدينة فقط؛ بل ينتج معياراً لما ينبغي أن تكون عليه، ومن ثم معياراً لمن يُنظر إليه بوصفه ملائماً للسكن والعمل فيها. ما ينسجم مع الصورة يُقدَّم جزءاً من "الحداثة"، وما يخرج عنها يصبح مرشحاً للإزالة أو النقل.

هذا ما يمكن تسميته "العمران الأخلاقي". فهو يربط شكل المدينة بمجموعة من القيم: الأمن، الهدوء، النظافة، النظام، الجمال. هذه القيم ليست مشكلة في ذاتها؛ المشكلة تبدأ عندما تُستخدم لتحديد من يحق له الوجود في المكان. عندها تتحول إزالة البسطة إلى "تنظيف"، وإبعاد البائع إلى "تنظيم"، وإخلاء الحي الشعبي إلى "تطوير".

وهنا تظهر العلاقة بالحلقة السابقة. فالحلقة الثامنة أظهرت أن تعدد مراكز العنف ينتج بيئة أمنية مضطربة ومجزأة: تواجه الأجهزة الأمنية صعوبة في تحديد من يحمل السلاح، ومن ينتمي إلى أي تشكيل، ومن يخطط لأي فعل. وحين تغيب المعرفة الفردية الدقيقة، تصبح العلامات الظاهرة — السحنة، اللهجة، الاسم، الحي، الأصل — بدائل سريعة للتحقق. التصنيف هنا لا ينشأ من عنصرية خالصة، بل من عجز في إنتاج أمن عام قائم على التحقيق الفردي. وهذا لا يبرر العنصرية، لكنه يفسر لماذا تتحول إلى أداة منهجية في جهاز السيطرة.

ولهذا لا تكفي مواجهة الظاهرة بالخطاب الأخلاقي وحده. فإذا استمر العجز عن معرفة من يحمل السلاح ومن لا يحمله، سيستمر إنتاج الدوافع الهيكلية للفرز السريع. ومواجهة التصنيف الأمني لا تتطلب فقط منع التمييز، بل إعادة بناء ضمانات التحقيق الفردي والمساءلة والفصل بين الفعل والهوية.

التصنيف الأمني يحدد من يبدو خطراً، والتصنيف العمراني يحدد من يبدو فائضاً؛ وعندما يلتقيان، يصبح الإبعاد قابلاً للتبرير من جهتين: الأمن والتطوير. وهذه التراتبية تعيد إنتاج الانقسام الطبقي في المكان: من يستطيع الدفع يبقى، ومن لا يستطيع يُدفع إلى الأطراف؛ ومن ينسجم مع صورة المدينة يبقى، ومن لا ينسجم يُصنَّف "عشوائياً".

وتظهر هذه العلاقة بوضوح في حالة الأجانب. فقد أعلنت لجنة إخلاء الولاية من اللاجئين والوجود الأجنبي غير المشروع عن إبعاد مئات الأجانب خلال أشهر، وعن خطط لترحيل عشرات الآلاف. تعبر هذه الأرقام عن حجم العمليات لا عن مصير كل فرد. ومع اختلاف أوضاعهم القانونية، قد يجمعهم في الممارسة موقع واحد داخل جهاز الفرز: موقع "غير المرغوب فيهم".

وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية: التصنيف لا يقتصر على الجنسية أو الوضع القانوني، بل يمتد إلى الجسد نفسه. من يحمل بطاقة سودانية، لكن ملامحه إفريقية، يمكن أن يُوقف. ومن يحمل وثائق إقامة سارية، لكن لهجته مختلفة، يمكن أن يُستجوب. التصنيف هنا لا يستهدف "الأجنبي" فقط، بل يستهدف كل من يبدو "غريباً" عن المعيار الضمني لسكان المنطقة. وهذا المعيار نفسه غير مكتوب، وغير معلن، وغير خاضع للطعن.

وهكذا يبقى التناقض قائماً: نفي رسمي من جهة، ووقائع وتقارير عن ممارسات التصنيف من جهة أخرى. والنفي وحده لا يوقف الممارسة، ولا يعيد للمصنَّف حقه في الطعن، ولا يفصل بين الفعل والهوية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...


المزيد.....




- -التحالف-: استهداف مطار الملك خالد -هجوم إرهابي يرتقي إلى جر ...
- إيلون ماسك: زيلينسكي تمادى أكثر من اللازم
- ترامب يوجه ضربة لزيلينسكي في أسوأ توقيت بالنسبة إلى كييف
- التحالف يعلن اعتراض وتدمير صاروخ باليستي في محافظة الخرج الس ...
- ترامب: ألمانيا كانت على بعد يومين من الانقراض وتتجه إلى حافة ...
- زاخاروفا: أمثال رئيس الوزراء الإستوني يجرون أوروبا إلى مستنق ...
- وسط التوتر مع الصين.. تايوان تؤكد أن زيادة إنفاقها الدفاعي ت ...
- دراسة تكشف عن علاج غير متوقع لآلام الركبة قد يحدّ من تدهور ا ...
- البخيتي لـRT: أنصار الله تقف وراء الهجوم على مطار الملك خالد ...
- ترامب: حان وقت رحيل زيلنسكي وعقد صفقة


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد