أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟















المزيد.....

الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يجري في السودان بعد الحرب لا يختزل في إعادة إعمار المباني أو تنظيم الشوارع أو استعادة السيطرة الأمنية. جوهر العملية يقع في إعادة تنظيم شروط الوصول إلى الأرض والعمل والخدمات والأسواق. الأرض والسكن والماء والنقل والصحة والتعليم والاتصال ليست قطاعات منفصلة؛ إنها أجزاء من منظومة واحدة تعيد إنتاج الحياة اليومية، وتحدد من يستطيع البقاء في المدينة، ومن تصبح كلفة وجوده فيها أعلى فأعلى. ومن يسيطر على هذه الشروط يشارك في تحديد البنية الطبقية للمدينة بعد الحرب.

في الخرطوم، أُعلن أن خطة الإزالة تستهدف أكثر من سبعين ألف موقع. الرقم يوضح حجم التدخل في المجال العمراني، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي يبدأ بعد الإخلاء: ماذا يحدث للأرض؟ الإزالة لا تنتج قيمة تلقائياً، لكنها تزيل علاقات استعمال وحيازة قائمة، وتفتح إمكانية لإعادة تخصيص الأرض وإعادة تثمينها. لذلك لا تكفي معرفة عدد المواقع التي أزيلت لمعرفة المستفيدين. يلزم تتبع الملكية اللاحقة، وعقود التطوير والبناء، والاستخدام الجديد، والأسعار، وحقوق الانتفاع، والجهات التي تحصل على هذه الحقوق.

وتستمر العملية على مستوى أصغر وأكثر يومية. ففي النصف الأول من أكتوبر 2026 أعلنت محلية الخرطوم إزالة 459 مخالفة وتعدياً، شملت أكشاكاً ورواكيب وطبالي، إلى جانب إغلاق مطاعم بدعوى مخالفة الاشتراطات الصحية. وشملت الحملات الشجرة وأركويت والرياض والطائف والصحافة وشارع المطار ووسط الخرطوم، تحت عنوان "تهيئة البيئة لعودة المواطنين". هنا تدخل اللغة الإدارية في علاقة مباشرة مع اقتصاد العيش: "المخالفة" قد تكون كشكاً تعتمد عليه أسرة، أو ركيزة عمل لامرأة، أو موقعاً صغيراً لتجارة يومية. ومع تكرار الإزالة، تنتقل المدينة تدريجياً من تعدد أشكال العمل والاستعمال إلى فضاء تحدد شرعيته وفق شروط عمرانية وصحية وأمنية تستطيع فئات تحمل كلفتها أكثر من غيرها.

وفي المقابل، تعلن هيئة الطرق والجسور في ولاية الخرطوم عن إنجاز مشاريع بنية تحتية جديدة. فبعد اكتمال تأهيل شارع الغابة وشارع البلدية، تم فتح مسار جديد لطريق الواجهة النيلية شرق النيل بطول 3.2 كيلومتر، ويقدم المشروع بوصفه خطوة لتحسين انسياب الحركة المرورية ومعالجة الاختناقات. لكن الاختناق المروري ليس مشكلة هندسية فحسب؛ فهو يتقاطع مع كثافة أشكال العيش والعمل غير الرسمي التي تشغل بعض هذه المسارات. إزالة الباعة والبسطات تسبق أو تتزامن مع إعادة تنظيم الطريق، بينما يعيد الرصف تعريف استخدامه وحركته وقيمته الحضرية. لا يعني ذلك أن كل مشروع طريق صمم لخدمة التثمين العقاري، لكنه يوضح كيف يمكن للبنية التحتية، حين تقترن بالإزالة وتنظيم الاستعمال، أن تعيد توزيع الوصول إلى المكان، وأن ترفع قابلية بعض المواقع لاستخدامات جديدة.

ثم تأتي الأكشاك الجديدة لتكشف التناقض بصورة أوضح. فقد أعلنت الحكومة تسلم التصاميم النهائية لثلاثة آلاف وخمسمائة كشك مخصصة لبائعات الأطعمة والمشروبات، بواقع خمسمائة كشك لكل محلية من محليات ولاية الخرطوم السبع. يمكن أن يوفر المشروع بديلاً لبعض من فقدن وسائل عملهن، لكن البديل نفسه يعيد تعريف العلاقة بين المرأة والعمل والفضاء العام. البائعة التي كانت تملك وسيلة عمل صغيرة ومباشرة تصبح مرتبطة بأصل تحدد الدولة موقعه وتصميمه وشروط استخدامه. لذلك لا يتعلق الأمر بعدد الأكشاك وحده، وإنما بطبيعة الحق الذي تمنحه: هل هو ملك أم انتفاع؟ من يحدد الموقع؟ ما مدة الاستخدام؟ وما شروط الاستمرار؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان المشروع استعادة لوسيلة إنتاج صغيرة أم إعادة إدماج للعمل الهش تحت إدارة أكثر إحكاماً للفضاء.

وفي الولاية الشمالية، لم يقتصر الصراع على تنظيم المكان، بل امتد إلى التحكم في حركة السلع والاقتصاد اليومي. في معبر أشكيت، اعتصم مواطنون في خيمة للمطالبة بإلغاء قرار حظر استيراد السلع وإيقاف الاستيراد الشخصي، وتفهم والي الولاية مطالبهم ووعد بمتابعتها مع الجهات المختصة. تكشف الواقعة أن شروط البقاء لا ترتبط بالعمل والأرض وحدهما؛ فهي تتصل أيضاً بالقدرة على الوصول إلى السلع والأسواق والسيولة. ومنع الاستيراد الشخصي قد يطال فئات لا تملك رأس مال كبيراً وتعتمد على دورة تجارية صغيرة لتأمين دخلها. لذلك فإن الصراع حول ما يُسمح باستيراده وما يحظر يتصل بتوزيع فرص الكسب نفسها في بيئة تراجعت فيها فرص العمل المستقرة.

وفي وادي عشار بولاية البحر الأحمر ظهر الصراع على شروط الحياة في صورة أخرى. اعتصم مواطنون ضد شركة تعدين، وانتهى الاعتصام باتفاق يقضي بإعادة أبناء المنطقة إلى العمل وسداد استحقاقات مالية بنسب محددة من أموال المسؤولية الاجتماعية. هنا يتحول السكان من متلقين لمشروع اقتصادي إلى طرف يحاول انتزاع حصة من القيمة التي تُستخرج من محيطهم. لذلك يتجاوز النزاع ملكية المنجم إلى علاقة السكان بالعمل والثروة: هل العمل حق مرتبط بالمجتمع الذي يعيش حول المورد؟ وهل الأموال المدفوعة جزء من حق اجتماعي في الثروة أم منحة تحدد الشركة حجمها وتوقيتها؟ وما الذي يحمي الاتفاق إذا تغير ميزان القوة؟

في الجنينة بولاية غرب دارفور تظهر الوجهة الأكثر قسوة لهذه العلاقة. فقد وثق بيان لشبكة أطباء السودان وجود أكثر من ستة آلاف وخمسمائة محتجز، بينهم سبعمائة وتسع نساء ونحو خمسمائة طفل دون الثامنة عشرة، في مواقع تشمل مقر يوناميد السابق ومقر الفرقة الخامسة عشرة مشاة وسجن أردمتا، مع نقص في الغذاء وتدهور صحي وارتفاع في الوفيات اليومية بحسب البيان. الاحتجاز هنا لا يظهر باعتباره إجراءً أمنياً منفصلاً عن شروط الحياة؛ فالتحكم في الحركة والغذاء والرعاية والقدرة على الخروج يجعل الجسد نفسه موضوعاً للسيطرة والاستنزاف. حتى بعد توقف المعركة في مكان ما، يمكن أن تستمر آثار السيطرة في إدارة الحد الأدنى من شروط البقاء.

وعلى الطرف الآخر من إعادة تنظيم قوة العمل، أعلنت حكومة ولاية الخرطوم عن مشروع مدينة صناعية تستهدف نحو خمسمائة مصنع للملابس الجاهزة والأحذية والحقائب، إلى جانب مراكز للتدريب المهني، بما يوفر أكثر من ثلاثين ألف فرصة عمل. المشروع يمكن أن يمثل توسعاً في القاعدة الإنتاجية، لكن أثره الطبقي لا يتحدد بعدد المصانع أو الوظائف المعلنة. المهم هو ملكية هذه المصانع، وشروط العمل فيها، والأجور، وطبيعة العقود، ومن سيصل إليها من العمال الذين فقدوا وسائل عملهم الصغيرة. إعادة إدخال العامل إلى سوق العمل قد تعني استعادة مصدر للدخل، لكنها قد تعني أيضاً انتقاله من نشاط يملك فيه قدراً من الاستقلال إلى قوة عمل تُباع بشروط يحددها رأس المال.

الأهم أن جهاز الدولة لم يكتف بإدارة آثار الحرب، بل بدأ في إعادة بناء الأطر القانونية والمساحية والإنتاجية التي تحكم الأرض والعمل. فقد أجاز مجلس الوزراء تقرير الأداء المالي للنصف الأول من 2026، وشدد على "تأمين سجلات الأراضي وحسم التعديات"، مع تشكيل لجنة برئاسة وزير العدل لإعداد دراسة دقيقة بشأن قوانين الأراضي. وأُجيز مشروع "المليون وحدة سكنية منتجة"، بشرط حمايته من المضاربة عبر تشريعات تمنع بيع الوحدات وتُلزم المستفيدين بالسكن والإنتاج، مع إعطاء الأولوية للنازحين والمنتجين. وخُصصت 3 ملايين فدان للزراعة، بينها مليون فدان للقمح، لمواجهة فجوة الغذاء. ويجد هذا التوجه ذراعه التنفيذي في الولايات، حيث أعلنت وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم إجازة تقارير اللجان الفنية لحصر القرى المستهدفة بمشروع التنظيم، تمهيداً لمسوح ميدانية ورفع مساحي في قطاعات الخرطوم وأم درمان وبحري الكبرى، بهدف "تقنين حيازات الأراضي وحماية حقوق الدولة والمواطنين والحد من أضرار السيول". وهو ما تجسد عملياً في الولاية الشمالية، حيث أصدر وزير الاستثمار والصناعة قراراً بنزع وتقليص 53 مشروعاً خدمياً و27 مشروعاً صناعياً بمحلية دنقلا، مع رد منفعة الأراضي المخصصة لها إلى حكومة السودان، ومنح أصحابها حق الاستئناف خلال شهر.

هذه السياسات لا تتحدث عن إعادة إعمار المباني فقط، وإنما عن إعادة تنظيم العلاقة بالأرض والسكن والإنتاج. سجلات تُؤمَّن، وحيازات تُقنَّن، وأراضٍ تُمسح، ومشاريع تُنزع، ووحدات سكنية تُربط بشروط السكن والإنتاج، وأراضٍ زراعية تُخصص لسد فجوة الغذاء. لكن أثر هذه السياسات لا تحدده عناوينها وحدها. يتوقف على ملكية الأراضي الزراعية، وآليات تمويل الوحدات، وشروط الحصول عليها، وتعريف "المنتج" الذي تستهدفه التشريعات. فقد تصبح هذه السياسات شبكة أمان للطبقات الشعبية، وقد تتحول أيضاً، إذا غابت الضمانات والرقابة، إلى قنوات جديدة لإعادة توزيع الأرض والسيولة لصالح الفئات الأقدر على استيفاء شروطها.

هذه الوقائع المتباعدة جغرافياً تبدو ظاهرياً كأنها لا تجتمع: شوارع تُرصف وأخرى تُزال أكشاكها، وخيمة اعتصام عند معبر حدودي، ومنجم في البحر الأحمر، وسجن في الجنينة، ومصنع قيد التخطيط، وسجلات أراضٍ تُمسح، ومشاريع تُنزع في دنقلا. لكن كل واقعة منها تعيد تحديد علاقة الإنسان بشروط حياته. في الشوارع والمسوحات، يعاد تنظيم الوصول إلى المكان. في حالة الكشك، يعاد تنظيم الوصول إلى وسيلة العمل. في المعبر، تتحكم القرارات في حركة السلع وسبل العيش. في التعدين، يجري التفاوض على حصة المجتمع من المورد والعمل المرتبط به. في المصنع، يعاد تنظيم بيع قوة العمل. وفي الاحتجاز، تصل السيطرة إلى الجسد وإلى قدرته على الوصول إلى الغذاء والعلاج والحركة.

لهذا يصبح السؤال عن إعادة الإعمار أقل تعلقاً بالمباني وأكثر تعلقاً بملكية شروط الحياة وتوزيعها. الأرض التي سيُبنى عليها، والماء والكهرباء، والمستشفى والمدرسة ووسيلة النقل، والمصنع والكشك، وحق العودة، وفتح المعابر، وتقنين الحيازات؛ كلها تدخل في تحديد من يستطيع البقاء والعمل والاستقرار، ومن يتحمل الكلفة الأعلى للحصول على الشروط نفسها.

هذه ليست مسائل تقنية. توزيعها يحدد توزيع القدرة على البقاء. الأسرة التي تستطيع دفع تكلفة مولد خاص، وشراء المياه، والعلاج الخاص، والنقل الخاص، واستئجار سكن في حي مخدوم، تستطيع تعويض جزء من تراجع الخدمات العامة. الأسرة التي لا تستطيع ذلك تدفع النقص من دخلها ووقتها وصحة أفرادها. عند هذه النقطة تتحول أزمة الخدمة إلى علاقة طبقية: ما تستطيع الفئات القادرة على الدفع شراءه كخدمة خاصة، تضطر الطبقات الشعبية إلى تحمله كوقت ضائع، أو انتظار، أو عمل إضافي، أو انتقال أطول، أو تراجع في مستوى المعيشة.

وتظهر إعادة توزيع المدينة في تفاصيل تبدو صغيرة. إزالة بسطة تعني فقدان دخل. انقطاع الماء يعني ساعات إضافية للحصول عليه. إغلاق معبر يعني توقف تجارة. ارتفاع أجرة النقل يعني اقتطاع جزء من الأجر. غياب المستشفى العام يعني انتقال كلفة العلاج إلى الأسرة. فقدان المدرسة يعني زيادة الإنفاق على التعليم أو خروج أحد أفراد الأسرة من العمل لتغطية الرعاية. هذه ليست آثاراً جانبية لإعادة الإعمار؛ إنها الطريقة التي تتوزع بها كلفة إعادة إنتاج الحياة بين الدولة والسوق والأسرة والطبقات المختلفة.

لهذا يمكن أن تبدو المدينة أكثر عمراناً من الخارج، بينما تصبح أقل عدالة من الداخل. قد تعود الأبراج قبل المدارس، والعقارات قبل فرص العمل، والخدمات إلى الأحياء القادرة على الدفع قبل الأحياء الشعبية، والمستثمر قبل النازح. في هذه الحالة لا تعود إعادة الإعمار مجرد استعادة لما دمرته الحرب؛ تصبح إعادة توزيع لموارد المدينة ولإمكانات السكن والعمل والاستقرار فيها.

إعادة بناء منزل لا تعني بالضرورة إعادة بناء حياة صاحبه. وفتح مصنع لا يعني بالضرورة عودة علاقة عمل مستقرة. ومنح كشك لا يعني بالضرورة استعادة استقلال اقتصادي. وفتح معبر لا يعني بالضرورة عودة التجارة المستقرة. وفتح طريق سريع لا يعني بالضرورة تحسين حركة السكان الأقل قدرة على امتلاك وسائل نقل خاصة. ووضع سجل مساحي جديد لا يعني بالضرورة حماية حقوق من لا يملكون الوثائق التي تثبت حيازتهم. إعادة إنتاج الحياة تحتاج إلى إعادة بناء شبكة العلاقات التي تجعل العمل والسكن والرعاية والحركة ممكنة، لا إلى استعادة الأصول المادية وحدها.

ومن هنا يظهر التناقض بين إعادة إنتاج الحياة وإعادة إنتاج رأس المال. رأس المال يحتاج إلى مدينة قابلة للعمل: عمالاً، ونقلاً، وسكناً، وصحة، وتعليماً، وخدمات. لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى خفض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل ونقل جزء منها إلى الدولة أو الأسرة أو العمل غير المأجور. وحين تتراجع الخدمات العامة من دون أن تتراجع الحاجة إليها، لا تختفي الكلفة؛ تنتقل إلى مكان آخر. قد تظهر في دخل الأسرة، أو وقت النساء، أو أجور العمال، أو ديون الأسر، أو تدهور شروط المعيشة.

لهذا لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن السلطة. ملكية الأرض تؤثر في مستقبل المدينة، والعقود توجه الاستثمار، والموارد تؤثر في شروط العمل والدخل، والخدمات تحدد مستوى الحماية الاجتماعية، وسلطة تصنيف السكان تحدد من يدخل ومن يُستبعد. أما سلطة المسح وتقنين الحيازة فتحدد من يدخل في خريطة الدولة ومن يصبح وجوده "تعدياً". وقرار المعابر يؤثر في حركة المعيشة وسبل العيش، كما تؤثر تسمية المكان في القيمة التي تُنسب إليه وفي الاستخدام الذي يُعتبر مشروعاً داخله.

لكن إعادة تشكيل هذه الشروط لا تسير في اتجاه واحد. اعتصام وادي عشار واعتصام معبر أشكيت يوضحان أن السكان يستطيعون تحويل وجودهم الاجتماعي إلى قوة تفاوضية حول العمل والعائد من الموارد وحركة السلع. مقاومة الإزالة تفعل الشيء نفسه في الأرض والفضاء الحضري. وتنظيم البائعات، وتوثيق الأحياء والأسواق، ومبادرات توفير الماء والغذاء والدواء، كلها أشكال من التنظيم حول إعادة إنتاج الحياة نفسها. السكان هنا ليسوا مجرد متلقين لإعادة الإعمار؛ إنهم طرف في الصراع على شروطها.

السؤال الطبقي في السودان بعد الحرب لا ينتهي عند معرفة من يملك شركة البناء أو من حصل على عقد البنية التحتية. السؤال الأعمق هو من يملك القدرة على تحديد شروط الحياة التي سيعيد هذا البناء إنتاجها. فإذا بقيت الأرض موزعة بصورة غير متكافئة، والعمل خاضعاً لشروط أضعف، والخدمات مرتبطة بالقدرة على الدفع، والسكن يتحول إلى أصل استثماري، والرعاية تُدفع إلى الأسر والنساء، وحركة المعيشة وسبل العيش رهينة لقرارات إدارية، فإن إعادة الإعمار قد تعيد إنتاج البنية الاجتماعية التي جعلت الحرب وما بعدها أكثر قسوة على الفئات الشعبية.

السؤال النهائي ليس فقط: من سيبني السودان؟ بل: لمن سيُبنى؟ ومن سيدفع كلفة بنائه؟ ومن سيملك شروط الحياة فيه بعد أن يكتمل البناء؟

"إن إعادة إنتاج الحياة اليومية ليست شأناً خاصاً، بل هي الشرط المادي الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي."
سيلفيا فيديريتشي

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 13. شطب الذاكرة المادية — التطهير الرمزي وإعادة إنتاج المكان ...
- 12. العمل غير المأجور وإعادة إنتاج الحياة
- 11. البنية التحتية للحياة اليومية — الخصخصة الصامتة والاستبع ...
- 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السك ...
- 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب من احتجاجات متعددة إلى خريطة و ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب خريطة الإضرابات والاحتجاجات في ...
- أبو ذر الغفاري: من الاحتجاج الأخلاقي إلى سؤال الصراع الطبقي ...


المزيد.....




- شاهد.. سياح يشقون طريقهم وسط الاحتجاجات في شوارع باريس
- -شات EGYPT-.. منصة مصرية رسمية لرصد الشائعات باستخدام الذكاء ...
- بزشكيان يبلغ رئيس الأركان الباكستاني شرط طهران لاستئناف المف ...
- ترامب: روسيا تمتلك موارد بشرية هائلة مقارنة بأوكرانيا وحان ا ...
- سقوط 7 قتلى منذ فجر اليوم برصاص الجيش الإسرائيلي في قطاع غز ...
- ترامب وإيران.. صفقة هرمز أو عودة للحرب
- روسيا وأوزبكستان تبدآن مناورات -خامكورليك-2026- لمكافحة التش ...
- رسائل موسكو في الخليج
- صحفي أمريكي انضم إلى قوات -أحمد- الروسية يروي تفاصيل تدريبه ...
- أبرز ما يميز هاتف هواوي القادم القابل للطي


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عماد حسب الرسول الطيب - الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟