أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الفقر يُمرض الإنسان: كيف تتحول اللامساواة إلى معاناة جسدية؟















المزيد.....

2. الفقر يُمرض الإنسان: كيف تتحول اللامساواة إلى معاناة جسدية؟


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 02:52
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


يولد البشر باحتياجات بيولوجية متشابهة، لكنهم لا يولدون في عالم متساوٍ. فهناك من يبدأ حياته في بيت تتوافر فيه المياه النظيفة والغذاء الكافي والرعاية الصحية والتعليم، وهناك من يبدأها في بيئة يختلط فيها الجوع بالمرض والسكن الهش بانعدام الخدمات والعمل المبكر بانقطاع الدراسة. ومنذ تلك اللحظة لا يعود المرض احتمالاً بيولوجياً مجرداً، بل يصبح احتمالاً اجتماعياً يتوزع بين الناس بقدر ما تتوزع الثروة والسلطة والموارد. ولذلك لا يظهر الفقر بوصفه ظرفاً اقتصادياً يرافق المرض من الخارج، وإنما بوصفه أحد أهم الآليات التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

يحرص الخطاب السائد على فصل الفقر عن المرض كما يفصل الاقتصاد عن الصحة. فيُقدَّم الفقر بوصفه مشكلة دخل، ويُقدَّم المرض بوصفه مشكلة طبية، وتُترك العلاقة بينهما في الهامش. لكن دخل الأسرة يحدد نوعية الغذاء الذي يصل إلى المائدة، ونوعية السكن الذي تأوي إليه، وقدرتها على الوصول إلى المياه النظيفة والعلاج والدواء والتعليم. وما يظهر في المستشفى بوصفه حالة مرضية يكون في كثير من الأحيان الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي. لذلك يصبح المرض في المجتمع غير المتكافئ مرآة تكشف توزيع الثروة بقدر ما تكشف الحالة الصحية.

ولا تقف المسألة عند حدود الفقر المدقع وحده. فقد بينت أبحاث مايكل مارموت حول المحددات الاجتماعية للصحة أن فرص المرض والوفاة لا تنقسم بين الأغنياء والفقراء فقط، بل تتدرج عبر السلم الاجتماعي كله. فكلما تراجع موقع الإنسان في هرم الدخل والتعليم والسلطة ارتفعت احتمالات تعرضه للأمراض وتراجع متوسط عمره المتوقع. لكن هذا التدرج لا يفسر نفسه بنفسه. فهو يصف واقع اللامساواة الصحية ولا يكشف جذورها العميقة. ومن منظور مادي، تظهر هذه الفوارق بوصفها انعكاساً لعلاقات اجتماعية توزع الثروة والموارد والقدرة على التحكم في شروط الحياة بصورة غير متكافئة. وما يبدو بوصفه فجوة صحية هو في جوهره فجوة في السلطة والمكانة الاجتماعية.

فالرأسمالية ليست كياناً فاعلاً يوزع المرض بذاته، بل نظام علاقات إنتاج يُنتج شروطاً تجعل فرص الحياة وفرص المرض تتوزع وفق موقع الإنسان داخله. فالطبقة العاملة والفئات الفقيرة تتركز غالباً في الأحياء الأكثر تلوثاً والأقل خدمات والأشد هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية. وفي المقابل يملك أصحاب الثروة وسائل أكبر للحماية والوصول إلى الغذاء والعلاج والبيئات الصحية. ولا تقف العملية عند هذا الحد، لأن المرض نفسه يعيد إنتاج هذه اللامساواة عندما يستنزف قوة العمل ويضعف القدرة على التعليم والعمل والدخل، فيدفع الأجيال الجديدة إلى الدائرة نفسها التي حاصرت الأجيال السابقة.

وتظهر هذه العلاقة بصورة حادة في قضية الغذاء. فالمشكلة لا تقتصر على الجوع المباشر، بل تشمل رداءة التغذية وانخفاض قيمتها الصحية. فملايين البشر يحصلون على ما يكفي للبقاء على قيد الحياة، لكنهم لا يحصلون على الغذاء الذي يحميهم من سوء النمو ونقص المناعة والأمراض المزمنة. وعندما ترتفع أسعار الغذاء وتتراجع الأجور تصبح أجساد الفقراء أول ساحة تتجسد فيها الأزمة الاقتصادية. والأسعار نفسها ليست قوة طبيعية غامضة، بل نتاج سياسات اقتصادية محددة تقوم على تحرير الأسواق ورفع الدعم عن السلع الأساسية وإخضاع الغذاء لمنطق الربح، وهي سياسات تخدم مصالح فئات محددة تستفيد من انفتاح السوق ومن تراجع الحماية العامة. وما يُقدَّم تحت اسم "الإصلاح الاقتصادي" يظهر في حياة الملايين بوصفه مزيداً من الجوع والمرض وسوء التغذية.

ويأخذ هذا الواقع بعداً جندرياً واضحاً. فالنساء لا يعانين الفقر بالطريقة نفسها التي يعانيه بها الرجال. وفي ظروف الشح الاقتصادي تتحمل النساء والفتيات في كثير من الأحيان العبء الأكبر للتضحية الغذائية والرعائية داخل الأسرة. كما يفرض الزواج المبكر وأعباء الإنجاب والعمل المنزلي غير المدفوع مخاطر صحية إضافية على ملايين النساء في المجتمعات الفقيرة. وهكذا لا يظهر الفقر بوصفه ظاهرة اقتصادية محضة، بل بوصفه علاقة اجتماعية تتقاطع فيها الهيمنة الطبقية مع اللامساواة الجندرية لتنتج أنماطاً مختلفة من المرض والمعاناة.

وفي السودان تتخذ هذه الحقائق شكلاً بالغ القسوة. فقد أنتجت سنوات طويلة من التحرير الاقتصادي وإضعاف القطاع العام ورفع كلفة المعيشة واقعاً هشاً حتى قبل اندلاع الحرب. ثم جاءت الحرب لتُفجّر هذا الواقع الهش، لا لتصنعه من العدم، وتدفع ملايين الناس إلى أوضاع تجعل الحفاظ على الصحة تحدياً يومياً. وتشير تقديرات الهيئات الدولية إلى أن أكثر من عشرين مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تعاني مناطق واسعة معدلات خطيرة من سوء التغذية بين الأطفال والنساء، وتتجاوز نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال في بعض المناطق ثلاثين في المائة. وهذه الأرقام لا تعبر عن نقص الطعام وحده، بل عن انهيار الشروط الاجتماعية التي تجعل الغذاء متاحاً ومستقراً وقادراً على حماية الحياة.

ويظهر التداخل بين الفقر والمرض بصورة أوضح عند النظر إلى خريطة السودان نفسها. فدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان لا تعاني فقط من انخفاض الدخل، بل من تاريخ طويل من التهميش وضعف الاستثمار العام واختلال توزيع الخدمات والبنية التحتية. ولذلك يصبح المرض في هذه المناطق نتيجة مباشرة للتطور غير المتكافئ الذي حكم توزيع الموارد لعقود. فالفارق بين المركز والهامش لا يقاس بعدد المستشفيات وحده، بل بعدد السنوات التي قُطع فيها الطريق إلى الصحة والتنمية والفرص.

وترتبط هذه الوقائع بموقع السودان داخل النظام الاقتصادي العالمي. فالتبعية لا تظهر فقط في التجارة والاستثمار، بل في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية أيضاً. وقد جاءت برامج التكييف الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتقليص الإنفاق العام وتحرير الأسواق، لتجعل الشرائح الفقيرة أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية وأقل قدرة على حمايتها من آثارها. وعندما يرتفع سعر الغذاء أو الدواء لا تشعر جميع الطبقات بالأثر نفسه. فالأغنياء يملكون وسائل الامتصاص والحماية، بينما تدفع الطبقات الشعبية الثمن مباشرة من أجسادها وصحتها وأعمارها.

وتتشكل داخل هذا الواقع مصالح اجتماعية متناقضة. فالنخب الاقتصادية المستفيدة من السياسات القائمة تملك من الموارد ما يسمح لها بشراء الحماية من آثار الأزمة الصحية، سواء عبر القطاع الخاص أو التأمين أو القدرة الشرائية المباشرة. أما العمال وصغار المنتجين والعاطلون عن العمل والنازحون وسكان المناطق المهمشة فيواجهون الأزمة بأجسادهم مباشرة. والدولة نفسها ليست مؤسسة تقف فوق هذه التناقضات، بل طرف يشارك عبر سياساتها الضريبية والإنفاقية والتشريعية في تحديد الجهة التي تتحمل كلفة المرض والجهة التي تملك وسائل الحماية منه. وهكذا يتحول الفقر من حالة اقتصادية إلى علاقة قوة اجتماعية تعيد توزيع المرض بقدر ما تعيد توزيع الثروة.

المرض لا يبدأ في المستشفى. إنه يبدأ في الأجر غير الكافي، وفي الغذاء الرديء، وفي السكن غير الآمن، وفي المياه الملوثة، وفي المدارس التي تُغلق أبواب المستقبل، وفي المناطق التي تُترك خارج خطط التنمية جيلاً بعد جيل. وكلما تكررت هذه الشروط وتراكمت ازدادت قدرتها على إنتاج المرض وإعادة إنتاجه. ولهذا فإن أي سياسة صحية تتجاهل الفقر تبقى عاجزة عن التعامل إلا مع النتائج، بينما تترك الأسباب الحقيقية دون مساس.

وترتبط معركة الصحة لهذا السبب بمعارك الأجور والغذاء والسكن والعمل والخدمات العامة والتنمية المتوازنة. فالحديث عن الوقاية والعلاج يصبح فارغاً إذا تُركت الشروط التي تنتج المرض دون تغيير. وما دام الفقر يُنتج اجتماعياً، فإن مقاومته لا تكون بالمساعدات المؤقتة وحدها، بل بتغيير السياسات والعلاقات الاقتصادية التي تعيد إنتاجه بصورة مستمرة.

ومن هنا يصبح النضال من أجل الصحة جزءاً من النضال ضد اللامساواة نفسها. فالمجتمع الذي يقبل أن يتحدد مصير أفراده الصحي بمواقعهم الطبقية أو الجغرافية أو الجندرية يعيد إنتاج المرض بوصفه وجهاً آخر للظلم الاجتماعي. وعندما تتحول الصحة إلى امتياز مرتبط بالثروة، يتحول المرض إلى عقوبة جماعية تدفع ثمنها الفئات التي تملك أقل نصيب من السلطة والموارد.

ومن ثم فإن مقاومة الفقر لا تكون بالمساعدات ولا بالإحسان، بل بتنظيم الفقراء أنفسهم، من العمال وصغار المنتجين والنساء والنازحين وسكان المناطق المهمشة، في مواجهة السياسات والقوى الاجتماعية التي تعيد إنتاج الفقر وتستفيد من بقائه. فالفقر لا يرافق المرض من الخارج، بل يساهم في إنتاجه وإعادة إنتاجه. ولذلك فإن الدفاع عن الصحة يبدأ من الصراع على شروط الحياة نفسها: الغذاء والعمل والسكن والخدمات والكرامة الإنسانية.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صحة الإنسان حق اجتماعي: من نقد اقتصاد المرض إلى بناء مجتمع م ...
- أكتوبر: سقوط الصنم وبقاء المعبد
- الخاتمة: من يملك شروط إعادة إنتاج الحياة؟
- 13. شطب الذاكرة المادية — التطهير الرمزي وإعادة إنتاج المكان ...
- 12. العمل غير المأجور وإعادة إنتاج الحياة
- 11. البنية التحتية للحياة اليومية — الخصخصة الصامتة والاستبع ...
- 10. من الإبعاد إلى الإفناء — الفاشر والعنف المتفلت ونزع السك ...
- 9. -قانون الوجوه الغريبة- — التصنيف الأمني كأداة للإبعاد
- 8. العنف الموزَّع — من احتكار القوة إلى تعدد مراكزها
- 7. إعادة الإعمار — من خراب الحرب إلى تراكم رأس المال
- 6. الذهب والتهريب والغسيل — المسار المالي لإعادة هندسة المدي ...
- 5. جهاز الدولة ورأس المال العسكري — التراكم المباشر خارج الس ...
- 4. تصنيف السكان وتسليع الأيديولوجيا — من -الحواضن- إلى -المد ...
- 3. من الفريشة إلى الدين — نزع وسائل العمل وإعادة تشكيل قوة ا ...
- 2. من الاحتياطي إلى الإهدار — الترحيل كإبعاد دائم
- مدن التراكم التابع: السودان بعد الحرب 1. الأرض — نزع الملكية ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 6. من الإضراب المطلبي إلى الحر ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 5. قطاعات البنية التحتية والخد ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 4. السلطات أمام الاحتجاج: تفاو ...
- السودان: الإضراب في زمن الحرب 3. الإضراب المتكرر: وعود، تسوي ...


المزيد.....




- في بيان مشترك.. دمشق وعمان تتفقان على -تشكيل لجنة أمنية- للت ...
- بوتين يحذر من استبعاد روسيا من سوق الغاز
- شراكة سودانية روسية في سياق متغير
- عون: متمسكون ببقاء اليونيفيل
- الانتخابات الإسرائيلية: من هو غادي أيزنكوت الساعي للإطاحة بن ...
- شاهد.. نتنياهو يستجدي أنصاره بمكبرات الصوت قبيل إغلاق صناديق ...
- أرقام قياسية جديدة تسجلها الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي
- لجنة التحقيق تعاين أضرار قصف المجمع الرئاسي بمعاشيق في عدن و ...
- تحليل: نتنياهو يفقد أغلبيته.. لكن طريق آيزنكوت نحو النصر -مح ...
- الأحزاب العربية تحتفل بعد مؤشرات على تحقيق تمثيل -قياسي- في ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - عماد حسب الرسول الطيب - 2. الفقر يُمرض الإنسان: كيف تتحول اللامساواة إلى معاناة جسدية؟