عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 02:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين يمرض إنسان، يتجه التفكير السائد إلى البحث عن السبب داخل الجسد نفسه: عدوى، خلل عضوي، ضعف مناعة، أو سلوك فردي خاطئ. لكن توزيع المرض بين البشر يطرح سؤالاً أعمق بكثير. لماذا ترتفع معدلات سوء التغذية في بعض المناطق أكثر من غيرها؟ لماذا ينتشر الاكتئاب والقلق في أوساط اجتماعية بعينها؟ لماذا ترتفع وفيات الأطفال والأمهات في مناطق التهميش مقارنة بالمراكز الحضرية؟ ولماذا تمتلئ بعض الأحياء بالأمراض بينما تبدو أحياء أخرى أكثر حصانة منها؟ إن المرض لا ينتشر عشوائياً، بل يتحرك وفق خرائط الفقر والعمل والسكن والتهميش والسلطة. ومن هنا لا يبدأ التحليل الماركسي للصحة من الجسد المعزول، وإنما من المجتمع الذي يحدد شروط حياة ذلك الجسد وشروط مرضه معاً.
يقوم جزء كبير من الوعي السائد على التعامل مع المرض باعتباره مشكلة فردية. فالفرد هو نقطة البداية ونقطة النهاية في التفسير. وإذا مرض فإن الأسباب تُبحث في عاداته الشخصية أو خياراته أو وعيه الصحي. لكن هذا التفسير يعجز عن الإجابة على أبسط الأسئلة التي يطرحها الواقع. فإذا كانت الأمراض شأناً فردياً، فلماذا تتجمع في الأحياء الفقيرة أكثر من الأحياء الغنية؟ ولماذا تعيش الطبقة العاملة متوسط أعمار أدنى من الطبقات الميسورة في كثير من المجتمعات؟ ولماذا يتحدد الوصول إلى العلاج والغذاء والمياه النظيفة تبعاً للموقع الاجتماعي للإنسان؟ إن هذه الأسئلة تنقلنا من الفرد إلى المجتمع، ومن الجسد إلى البنية التي تشكل ظروف وجوده.
ومن هذا الواقع انطلق ماركس وإنجلز. فالصحة في النظرية الماركسية ليست قطاعاً منفصلاً عن الاقتصاد والسياسة، وليست شأناً طبياً معزولاً عن علاقات الإنتاج. وقد أوضح ماركس، منذ كتاباته المبكرة، أن العمل المأجور لا يستهلك وقت العامل فقط، بل يستنزف قواه الجسدية والعقلية ويحوّل حياته إلى وسيلة لاستمرار نظام لا يعترف به إلا بوصفه حاملاً لقوة العمل. فالجسد يدخل عملية الإنتاج بوصفه حاملاً لقوة العمل، ويغادرها محملاً بآثارها. وكلما خضعت حياة الناس بصورة أكبر لمتطلبات تراكم رأس المال، خضعت أجسادهم بدورها لمنطق الاستنزاف والتنافس والاغتراب. وهكذا لا يصبح المرض مجرد خلل بيولوجي، بل جزءاً من الكلفة التي تتحملها الطبقات المنتجة في سبيل استمرار النظام الاقتصادي القائم.
وقد أعطى فريدريك إنجلز لهذا التحليل شكله الملموس في كتابه "حالة الطبقة العاملة في إنجلترا". فبدلاً من البحث عن الأمراض في خصائص العمال أنفسهم، بحث عنها في الأحياء التي يسكنونها، وفي المياه التي يشربونها، وفي الهواء الذي يتنفسونه، وفي ظروف العمل التي يخضعون لها. وكانت النتيجة واضحة: المجتمع الصناعي لم يكن ينتج السلع والثروات فقط، بل كان ينتج أيضاً أنماطاً محددة من المرض والموت المبكر. ومن هنا صاغ إنجلز وصفه الشهير للظروف التي تدفع ملايين البشر إلى المرض والوفاة بصورة يمكن توقعها مسبقاً، بوصفها شكلاً من أشكال القتل الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع ضد أبنائه.
وما اكتشفه إنجلز في المصانع والأحياء العمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر لم يكن حدثاً تاريخياً منقطع الصلة بالحاضر. فالسؤال نفسه يلاحق المجتمعات المعاصرة في أشكال مختلفة. فكلما جرى ترك الغذاء والصحة والسكن والتعليم لقوانين السوق وحدها، أعادت اللامساواة إنتاج نفسها داخل الأجساد. وكلما تركزت الثروة في أيدي أقلية، تركزت المخاطر الصحية في حياة الأغلبية. ولهذا فإن تحليل الصحة لا يمكن أن يقتصر على المستشفى والدواء، لأن المستشفى نفسه يستقبل في النهاية نتائج ما جرى إنتاجه خارج أسواره.
وقد وصل الطب الاجتماعي إلى استنتاج مشابه عبر مسار آخر. فعندما درس الطبيب الألماني رودولف فيرخو انتشار الأوبئة في أوروبا لم يبحث عن تفسيرها داخل المختبر وحده، بل داخل المجتمع أيضاً. واكتشف أن الجوع والبطالة والتهميش والحرمان من التعليم تؤدي دوراً لا يقل أهمية عن الجراثيم نفسها في انتشار المرض. ولهذا كتب عبارته الشهيرة: "الطب علم اجتماعي، والسياسة ليست سوى طب على نطاق واسع". لكن فيرخو كشف البُعد الاجتماعي للمرض دون أن يذهب إلى جذوره في علاقات الإنتاج؛ فالتحليل الماركسي يذهب أبعد، لأن البنية الاجتماعية نفسها نتاج علاقات إنتاج تحدد من يمرض ومن يُعالج.
وتزداد أهمية هذا التحليل عندما ننتقل إلى مجتمعات التبعية والاستعمار. فقد بيّن فرانز فانون أن الاستعمار لا ينهب الثروة والأرض فقط، وإنما يعيد تشكيل الوجود الإنساني كله. فالفقر، والتجويع، والإذلال، والعنف، والنزوح، ليست ظواهر جانبية في النظام الاستعماري، بل مكونات أساسية فيه. ولذلك تظهر آثارها في صورة أمراض جسدية ونفسية واسعة النطاق. فالجسد المستعمَر يحمل داخله آثار البنية التي تسيطر عليه، كما يحمل العامل آثار المصنع الذي يعمل فيه. وهذا لا ينطبق على الماضي الاستعماري فقط، بل على أشكال التبعية الجديدة التي تربط السودان بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدائنين، وتفرض عليه سياسات تُضعف القطاع العام وتُعمّق الهشاشة الصحية.
ويظهر هذا الترابط بوضوح في أوضاع النساء. فالصحة ليست محكومة بالموقع الطبقي وحده، وإنما تتأثر أيضاً بعلاقات النوع الاجتماعي. فالنساء يتحملن في كثير من المجتمعات القسم الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة، ويواجهن مخاطر إضافية مرتبطة بالصحة الإنجابية والزواج المبكر والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وعندما تتراجع الخدمات العامة أو ترتفع كلفة العلاج والغذاء، تنتقل أعباء إضافية إلى النساء داخل الأسرة والمجتمع. ولذلك لا يمكن فهم الجذور الاجتماعية للمرض دون فهم الكيفية التي يتقاطع بها الاستغلال الطبقي مع اللامساواة الجندرية.
ويقدم السودان نموذجاً مكثفاً لهذه الحقيقة. فقد أنتجت سياسات التحرير الاقتصادي وإضعاف القطاع العام، ثم الحرب، توزيعاً للتفاوت الصحي لا يتوزع بين السكان بصورة عشوائية، وإنما يتبع خطوط الفقر والتهميش والحرب. والمناطق التي عانت لعقود من ضعف الاستثمار العام وغياب التنمية والخدمات هي نفسها التي تعاني مستويات أعلى من الحرمان الصحي اليوم. وتشهد مناطق الهامش معدلات أعلى من وفيات الأمهات والأطفال ومستويات أدنى من توافر الكوادر والخدمات الصحية مقارنة بالمركز. ولا تمثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان استثناءً عن القاعدة، بل تمثل التعبير الأكثر وضوحاً عن الكيفية التي يتحول بها التهميش التاريخي إلى مرض وسوء تغذية وحرمان من العلاج.
والحرب الجارية لم تُنشئ هذه الأزمة من العدم، بل كشفت هشاشة بنية صحية كانت أصلاً تعاني من ضعف الاستثمار العام واختلال التوزيع. فالمستشفيات التي تعطلت، وشبكات المياه التي انهارت، والكوادر الصحية التي هاجرت أو نزحت، والأدوية التي اختفت من الأسواق، لم تنشأ أزماتها كلها مع اندلاع الحرب. وما بدا انهياراً مفاجئاً كان في جوهره تعبيراً متسارعاً عن تناقضات بنيوية مزمنة. وجاءت الحرب لتدفع هذه التناقضات إلى حدودها القصوى، لا لتصنعها.
ولا تنفصل هذه الأزمة عن موقع السودان داخل الاقتصاد العالمي. فالتبعية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا الطبية ليست مسألة فنية أو تقنية، بل انعكاس لبنية اقتصادية تجعل المجتمعات الطرفية أكثر هشاشة أمام الأزمات. وعندما تُفرض سياسات تقليص الإنفاق العام وخصخصة الخدمات وتحرير الأسواق، لا تتوزع نتائجها بالتساوي. بل تتحمل الطبقات الشعبية والجهات المهمشة العبء الأكبر من آثارها الصحية والاجتماعية.
غير أن النظام لا يكتفي بإنتاج المرض، بل ينتج أيضاً الوعي الذي يخفي جذوره. وهنا يظهر دور الأيديولوجيا بوصفها جزءاً من عملية إعادة إنتاج الواقع القائم. فعندما يُقدَّم المرض باعتباره مسؤولية فردية، ويُختزل الفقر في سوء إدارة شخصية، وتُختزل الأزمة الصحية في نقص الوعي أو ضعف السلوك الصحي، يجري إخفاء الشروط الاجتماعية التي تنتج المرض فعلياً. ويتحول الضحية إلى متهم، بينما تختفي البنى الاقتصادية والسياسية التي صنعت المشكلة من المشهد. وهكذا لا يكتفي النظام بإنتاج المعاناة، بل ينتج أيضاً الخطاب الذي يمنع فهم أسبابها الحقيقية.
ومن هنا يصبح فهم المرض جزءاً من فهم المجتمع نفسه. فالأوبئة تكشف أوضاع السكن والخدمات، وسوء التغذية يكشف توزيع الثروة والدخل، والأمراض النفسية تكشف الاغتراب والعنف والتهميش، والوفيات المبكرة تكشف من يمتلك شروط الحياة ومن يُحرم منها. ولذلك لا يمكن فصل الصحة عن العمل والأجور والتعليم والغذاء والمياه والبيئة والتنمية والسلام.
وإذا كان المرض ابن المجتمع، فإن مقاومته لا يمكن أن تقتصر على العلاج وحده. فبناء مستشفى جديد أو توفير دواء إضافي قد يخفف من النتائج، لكنه لا يغير الشروط التي تنتج المرض إذا بقيت علاقات الفقر والتهميش والاستغلال قائمة. ولهذا فإن أي سياسة صحية جادة يجب أن تتجه إلى جذور المشكلة: توزيع الثروة، وشروط العمل، والسيادة الغذائية والدوائية، والتنمية المتوازنة، والعدالة الاجتماعية بين الطبقات والأقاليم والجنسين.
وإذا كان المرض ابن المجتمع، فإن المجتمع نفسه هو ميدان تغييره. فالبنية التي تنتج الفقر والتهميش والاستغلال قادرة، إذا تغيّرت علاقات القوة داخلها، على إنتاج شروط مختلفة للحياة والصحة. ولذلك لا تنفصل معركة العلاج عن معركة العدالة الاجتماعية، ولا ينفصل الدفاع عن الصحة عن النضال من أجل مجتمع لا يجعل المرض نتيجة طبيعية لموقع الإنسان في الطبقة أو الجهة أو الجنس.
ومن ثم فإن تحويل الصحة من نتيجة للبنية الاجتماعية إلى حق مضمون يتطلب تنظيم القوى الاجتماعية التي تتحمل كلفة المرض، من العمال والفلاحين والنساء والنازحين وسكان المناطق المهمشة، في مواجهة من ينتجون هذه البنية ويستفيدون منها. فالمجتمع الذي ينتج المرض لا يُغيّر نفسه تلقائياً، بل يُغيّر بالصراع الواعي والتنظيم الجماعي.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟