أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - العظماء يتحدثون عن أفكارهم... والطارئون يتحدثون عن أنفسهم، (الشيخ الوائلي انموذجاً)















المزيد.....

العظماء يتحدثون عن أفكارهم... والطارئون يتحدثون عن أنفسهم، (الشيخ الوائلي انموذجاً)


سالم روضان الموسوي

الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 15:03
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


العظماء يتحدثون عن أفكارهم... والطارئون يتحدثون عن أنفسهم،
(الشيخ الوائلي انموذجاً)
ابتداءً، وقبل الولوج في هذا المقال، لابد من التنويه إلى أنه لا يرمي إلى عقد مقارنة بين الشيخ الدكتور أحمد الوائلي (قدس سره) وبين أولئك الذين اعتادوا الإفراط في الحديث عن ذواتهم وسيرهم الشخصية، فالمقارنة تفترض قدراً من التكافؤ والتقارب في المقام والأثر، وهو ما لا يتوفر عليه أولئك الامعات تجاه ما يتوفر عليه الشيخ الوائلي (قدس سره الشريف)، فهو قامة فكرية وعلمية صنعتها عقود طويلة من العطاء والإنتاج والتأثير في الوعي والثقافة، بينما أفرزت وسائل الإعلام ومنصات التواصل في أيامنا شخصيات أصبح حضورها الإعلامي أكبر من منجزها الواقعي، ومن ثم فإن استحضار اسم الشيخ الوائلي (قدس سره الشريف) ليس لوضعه في مواجهة أحد، بل لاستلهام درس أخلاقي رفيع مفاده أن الرجال الكبار تتحدث عنهم أعمالهم قبل ألسنتهم، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه من فكر أو علم أو خدمة للناس، لا بمقدار ما يتحدث عن نفسه أو يسعى إلى تسويق سيرته الشخصية، لان الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى من يرفعه، فهو يرفع صاحبه بنفسه، أما الفارغ من المنجز فيحتاج دائماً إلى ضجيج التعريف بالذات، لذلك فإن في الحياة العامة ظاهرة آخذة في الاتساع، تتمثل في انشغال بعض الأشخاص بتقديم ذواتهم للناس أكثر من انشغالهم بتقديم ما ينفع الناس،
ولعل من أجمل المواقف التي تجسد معنى التواضع الحقيقي ما نُقل عن الخطيب والعالم الجليل الشيخ أحمد الوائلي (قدس سره)، عندما سأله أحد المحاورين في لقاء تلفزيوني أن يقدم سيرته الذاتية للمشاهدين، فامتنع عن ذلك، وأوضح أن سيرته تخصه شخصياً، وأن الناس لا يعنيها أن تعرف تفاصيل حياته بقدر ما يعنيها أن تسمع فكرة تنير عقولها، أو كلمة تصلح واقعها، أو عملاً يخفف من معاناتها ويقربها من السعادة، وفي ذلك الموقف درس بليغ في فهم الرسالة الاجتماعية للعلم والثقافة، وفي إدراك الفرق بين من يجعل نفسه محور الحديث ومن يجعل الفكرة والإنجاز محور الاهتمام، وقيمة الإنسان لا تقاس بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين،
ان العظماء عبر التاريخ لم يصبحوا عظماء لأنهم أكثر الناس حديثاً عن سيرهم الذاتية، وإنما لأن أعمالهم تكلمت عنهم حتى استغنت عن التعريف بهم، وكلما ازداد الإنسان علماً وخبرة وإنجازاً ازداد شعوره بأن ما قدمه لا يزال أقل مما ينبغي، فتراه متحفظاً في الحديث عن ذاته، تاركاً للناس أن تحكم عليه من خلال عطائه ومنجزاته،
وفي المقابل، نشهد اليوم حالة مغايرة تماماً، حيث يظهر أشخاص لم يقدموا للمجتمع علماً يذكر، ولا فكراً مؤثراً، ولا إنجازاً حقيقياً، وما إن تتاح لهم نافذة إعلامية أو مساحة في وسائل التواصل الاجتماعي حتى يسارعوا إلى استعراض تفاصيل حياتهم الشخصية، والتوسع في الحديث عن (عصاميتهم) و(كفاحهم) و(الظروف الصعبة) التي مروا بها، وكأن مجرد العيش ومواجهة أعباء الحياة اليومية أصبح بطولة استثنائية تستحق الاحتفاء العام، وواقع الحال أن ملايين الناس يكافحون من أجل لقمة العيش ويحملون أعباء الحياة بصمت وكرامة، دون أن يعدوا ذلك فضلاً يوجب التصفيق أو الشهرة،
ولا يعني هذا التقليل من قيمة الاجتهاد الشخصي أو بر الوالدين أو أثر الدعاء في حياة الإنسان، فهذه قيم نبيلة ومحمودة، لكن الإشكال يكمن في تحويل هذه الأمور الخاصة إلى مادة للاستعراض والتمجيد الذاتي، وكأنها إنجازات عامة تستحق أن تشغل اهتمام الناس، فالمواطن الذي يواجه تحديات المعيشة، ويبحث عن حلول لمشكلاته، لا تعنيه كثيراً الروايات الشخصية المكررة عن بدايات هذا الشخص أو ذاك، بل تعنيه الأفكار النافعة والخبرات المفيدة والمشروعات التي تحسن واقعه وتفتح أمامه آفاقاً أفضل،
ولذلك فإن الفرق بين الشخصية الحقيقية والشخصية المصطنعة يظهر بوضوح في طبيعة الخطاب الذي يتبناه كل منهما، فصاحب الإنجاز يتحدث عن المشروع أكثر مما يتحدث عن نفسه، وعن المبدأ أكثر مما يتحدث عن تاريخه الشخصي، وعن مصلحة المجتمع أكثر مما يتحدث عن معاناته الخاصة، أما من يفتقر إلى المنجز الحقيقي، فإنه غالباً ما يعوض هذا الفراغ بالإفراط في صناعة صورة ذاتية متضخمة، فيصبح الحديث عن نفسه بديلاً عن الحديث عن الإنجاز، وعن سيرته بديلاً عن العطاء،
وعند استذكار موقف الشيخ الوائلي (قدس سره الشريف) فاننا نريد ان نوضح بانه بموقفه المتواضع، اراد أن يوجه رسالة عميقة تتجاوز شخصه الكريم، مفادها أن الناس لا ترتقي بمعرفة تفاصيل حياة المتكلم، وإنما ترتقي بما يحمله من فكر ومعرفة ورسالة، فالحديث عن الذات لا يصنع قيمة، أما العمل النافع فإنه يصنع سيرة ذاتية خالدة حتى لو لم يكتب صاحبها سطراً واحداً عنها، ومن هنا فإن المجتمع أحوج ما يكون إلى رجال ونساء يجعلون من الإنجاز لغة لهم، ومن خدمة الناس عنواناً لهم، ويتركون لأعمالهم مهمة التعريف بهم، فالسيرة العطرة تُقرأ في آثار أصحابها قبل أن تُقرأ في صفحات كتبهم أو في كلماتهم عن أنفسهم.
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن الشيخ الدكتور أحمد الوائلي (قدس سره)، الذي امتنع عن استعراض سيرته الذاتية أمام الجمهور واعتبرها شأناً خاصاً لا ينبغي أن يطغى على الفكرة والرسالة، أصبح بعد رحيله موضوعاً لعشرات الدراسات والأبحاث والمقالات والندوات، فقد تكفل الباحثون بتوثيق سيرته، واستذكرت الجماهير مواقفه ومنجزاته، وحرصت المؤسسات الرسمية والثقافية على تخليد اسمه والاحتفاء بعطائه، لأن ما قدمه من أثر علمي وفكري كان أكبر من أن يختصر في حديث عن الذات،
وهكذا أثبتت الأيام أن السيرة الحقيقية لا يكتبها صاحبها بكثرة الكلام عن نفسه، وإنما تكتبها أعماله في ذاكرة الناس، فكلما عظم الإنجاز قل الاحتياج إلى التعريف بصاحبه، وكلما صدق العطاء تولت الأجيال اللاحقة حفظه وتخليده، ومن هنا بقي الوائلي حاضراً في الوجدان والثقافة بعد رحيله، لا لأنه تحدث عن نفسه، بل لأنه تحدث إلى الناس بما ينفعهم، فخلد ذكره فيهم وبقي أثره شاهداً عليه،
لقد آثر الوائلي أن يصمت عن سيرته، فتحدثت سيرته عنه بعد رحيله؛ بينما ينشغل آخرون بالحديث عن أنفسهم في حياتهم، فلا يجد الناس ما يتحدثون به عنهم بعد غيابهم.
قاضٍ متقاعد



#سالم_روضان_الموسوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة الاحتجاج السلمي مدخل إلى الممارسة الديمقراطية المسؤولة
- بين دولة المؤسسات الدستورية وثقافة الاستعطاف ،(التوسل بالمسؤ ...
- تملك العقار السكني لغير العراقيين وأثره في التوازن الديمغراف ...
- الهتاف الخاطئ في الاحتجاجات يقود إلى نتائج خاطئة
- حين ينقلب اليمين إلى قرينة إدانة، قراءة فقهية وقانونية
- تسيس المناصب وشراء الولاءات اول خطوات توريث الحكم، (شاهد تار ...
- الرقابة الدستورية بين نفاذ النص ونفاذ أثره، قراءة مقارنة في ...
- اختزال الدولة في بعض الأشخاص، يمثل أزمة في الشرعية وغياب للع ...
- مفهوم (الشخص) في قانون المرافعات المدنية، ((تعليق على قرار م ...
- حينما يستهان بغضب الشعب، فان التطبيع مع الفساد يقود الى أزمة ...
- ازمة الدولار وقول ارسطوطاليس
- الحكمة في اتخاذ القرار السيادي، قرار حظر الطيران الايراني
- السيادة العراقية بين ضجيج الشعارات وصوت الحقيقة، لا سيادة مع ...
- صوت الكميت يصدح في حاضر العراق، والمجتمع أول الضحايا
- هل الشكلية ركن من اركان الطلاق الخلعي او شرط من شروط صحته؟ ق ...
- مصادرة الكتب بين غباء السلطة وقوة الكلمة
- السادة القضاة وإدارة عملية الانتخابات وإشكالية الفصل بين الس ...
- تقلب الولاءات والمنافع الشخصية
- المبدأ: تعتبر جامعة المستنصرية مؤسسة عامة تنطبق عليها المادة ...
- المحاكمة غير العادلة والدور السلبي للمحامين في المحاكمة العس ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: مستوطنون يستولون على منازل ويشردون فلسطينيين ...
- الأمم المتحدة تدين تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة وتوثق مئا ...
- الأونروا: 94% من سكان قطاع غزة بحاجة لمساعدات إيواء عاجلة
- البرلمان البلجيكي يقر قانوناً يسمح بتفتيش منازل المهاجرين ال ...
- ارتفاع حصيلة ضحايا القصف الروسي على مركز إغاثة في زابوريجيا ...
- الأمم المتحدة تحذر من مخاطر شديدة لتغير المناخ على عشرات ملا ...
- من سوريا إلى أفريقيا.. الأمم المتحدة تحذر من خطر يهدد 90 ملي ...
- تركيا.. اعتقال وزيرة سابقة في قضية تلاعب بالبورصة
- الأمم المتحدة: ثلاثة أرباع النازحين في العالم يواجهون مخاطر ...
- بدء العد التنازلي لمغادرة قوات الأمم المتحدة جنوب لبنان


المزيد.....

- كتب في فلسفة القانون / مؤلفون مختلفون ومتعددون
- أخطاء المشرع اليمني / رائد الجحافي
- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سالم روضان الموسوي - العظماء يتحدثون عن أفكارهم... والطارئون يتحدثون عن أنفسهم، (الشيخ الوائلي انموذجاً)