أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة جوعُ اليد














المزيد.....

قصة قصيرة جوعُ اليد


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 23:52
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
جوعُ اليد


كان المخبزُ مسمارًا صدئًا في خاصرة الشارع؛ لم تنجح السنون في اقتلاعه، ولم يتذكّر الزمنُ أنّ عليه المرور به. عند زاويته، كان الباب ينفتح بمقدار همسة ، وتتصاعد من جوفه غيومٌ صغيرة، كأن الأرض تخبز أحلامها على مهل.
نسيم. اسمٌ أمكن سماعه أكثر مما أمكن استدعاء صاحبه. كان للحديد يومًا ذاكرةٌ في قبضته، وللمطرقة طاعةٌ تشبه الانقياد . ثم أُغلقت الورشة، وبقي الصدى يعمل وحده. منذ ذلك الحين، صار يمارس يومه بوصفه بقايا يومٍ آخر؛ يجرّ قدميه إلى المخبز، ويقف عند المسافة التي لا تتيح له الدخول ولا تفرض عليه الرحيل.
أبو قاسم يعرفه. أو يعرف الفراغ الذي يتخذ هيئته كل صباح. يترك الباب نصف مفتوح، كأنما يفاوض عابرًا لا يأتي، أو ينتظر من المدخل أن يتذكّر وظيفته الأولى.
في الصباح الذي انحنى فيه الهواء على نفسه، دسّ نسيم يده في جيبه. أخرجها خاوية. أعادها، ثم أخرجها. كانت الحركة أقدم من النقود، وأبقى منها؛ عادةٌ تفتّش عن مفقودها في جسدٍ لم يعد يصدّق الغياب.
مرّت امرأة تحمل نومًا ملفوفًا بطفل، ورجلٌ يحدّق في مستطيلٍ يبتلع وجهه، وصبيّ يحمل كيسًا تتزاحم خلف شفافيته أقراصٌ من شمسٍ مستأنسة.
تعثّر الصبيّ.
تبعثرت الأرغفة.
وللحظةٍ، لم تسقط على الرصيف؛ سقط شيءٌ من ذاكرة نسيم، شيءٌ لم يكن يعرف أنّه ما زال محتفظًا به. انحنى. التقط الأرغفة واحدًا واحدًا، ينفض عنها غبار الطريق كما لو أنّه يخلّص وجوهًا من تهمةٍ مجهولة.
التصقت ذرات الطحين بأصابعه؛ بياضٌ عابر في يدٍ طالما سوّدها الحديد.
أعاد الكيس إلى الصبيّ.
قال الصبيّ:
ـ خذ واحدة.
تأمّل نسيم الرغيف. كان مستديرًا بما يكفي ليشبه الكون، ومتاحًا بما يكفي ليختصر المسافة بينهما.
هزّ رأسه.
ـ خذها، هاي وقعت.
كأن السقوط منح الرغيف براءةً لم تمنحها له يد المخبز. وكأن الصبيّ اكتشف، بعفويةٍ لا تعرف فلسفة الأشياء، منفذًا صغيرًا إلى كرامة رجلٍ محاصرٍ بتاريخه.
قال نسيم:
ـ ما يصير.
ثلاث كلمات، أُغلقت بها نافذةٌ لم يرها الصبيّ. مضى حاملًا أرغفته، تاركًا وراءه سؤالًا لا يعرف أنّه طرحه.
عاد الشارع إلى استهلاكه المعتاد للوجوه. البخار يصعد، الأرغفة تتكاثر، والأقدام تمحو بعضها. أمّا نسيم فظلّ يراقب بقعة الطحين. خطّ أبيض، كأنّ أحدهم شطب شيء بقلمٍ لا حبر له.
كان الجوع واضحًا أكثر مما ينبغي؛ لذلك لم يكن هو المقصود. في الداخل تجويفٌ آخر، لا تتسع له المعدة، ولا تصل إليه الأطعمة. حفرةٌ من هيئة إنسان، كلما رُدم طرفٌ منها انكشف طرفٌ أقدم.
فتح أبو قاسم الباب.
ـ تعال، اشرب چاي.
لم تكن دعوةً إلى الطعام. وهذا ما جعلها قابلةً للعبور.
دخل نسيم. جلس ، ووضع يديه فوق ركبتيه. استكان الشاي أمامه يطلق بخارًا يتلوّن بملامح لا تستقرّ . راقبه كما يراقب المرء رسالةً وصلت إلى عنوانه، لكنّها كُتبت بلغةٍ لا يعرفها.
قال أبو قاسم، منشغلًا برصف الأرغفة:
ـ مو كلشي ينقاس بالفلوس.
لم يُجب.
كان يعرف أنّ بعض الأشياء تُقاس بما يتبقى من الإنسان بعد دفع ثمنها، وأنّ بعض الأيدي حين تمتدّ لا تطلب شيئًا، لكنها تكشف مقدار ما انكمش في اليد الأخرى.
رفع الاستكان.
في الخارج، كان الصبيّ قد ابتعد، أو لعلّ الذي ابتعد هو ذلك الزمن الذي جاء به.
بقيت على أصابع نسيم ذرة طحين، صغيرة إلى حدّ لا يراها أحد، كأن رغيفًا لم يأخذه ترك فيه أثرًا لا يمكن غسله.
ارتشف الشاي.
وللمرة الأولى، لم يدخل يده في جيبه.
كان المخبز يواصل خبز الأرغفة، والمدينة تواصل طحن أيامها، وأبو قاسم يصفّ الخبز في انتظار أفواهٍ تعرف حاجتها. أمّا نسيم، فكان يحاول أن يفهم أيّهما أكثر جوعًا: الفم الذي لم يأكل، أم اليد التي نسيت كيف تأخذ.
وفي قاع الاستكان، استقرّت دائرةٌ من الشاي.
لم تكن رغيفًا.
ولم تكن فراغًا.
كانت شيئًا ثالثًا، لا تدركه الكلمات في معاجم الذين يشبعون.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ورثة الكلام
- مقال بعنوان : أناقة تجاهل الحقيقة
- الحياة كما يراها من يقف خارجها
- مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي
- أحيانًا نناقش كل شيء… إلا المشكلة نفسها؟
- مقال بعنوان: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
- قصيدة نثر بعنوان : قهوة الصباح
- البائع والزبائن .. وفائض الأسئلة
- المطر
- قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه


المزيد.....




- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب
- كاريس بشار تكشف سرا عن ابنها وتعلق على مقارنتها بسلافة معمار ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة جوعُ اليد