أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح مهدي محمد - السياسة والناس














المزيد.....

السياسة والناس


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 22:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست السياسة نصًا يُقرأ مرة واحدة وبمعنى واحد، بل مشهدًا تتعدد زواياه بقدر ما تتعدد عيون من ينظرون إليه. فالحدث السياسي، لحظة وقوعه، لا يصل إلى الناس كما هو، خاليًا من الشوائب، بل يصل محمّلًا بالتأويل، مسبوقًا بالموقف، ومشحونًا بتاريخ طويل من الثقة أو الشك. الخبر ذاته قد يعبر على شخصين في التوقيت نفسه، فيراه أحدهما خطوة وطنية ضرورية، بينما يراه الآخر انكسارًا أخلاقيًا لا يُغتفر. وبين القراءتين مساحة واسعة تصنعها التجربة الشخصية، والواقع الاجتماعي، والظرف الاقتصادي، وما ترسّب في الذاكرة من خيبات أو آمال.
يفهم الناس السياسة عبر ما يعرفونه عنها، وما يظنون أنهم يعرفونه. فالمعرفة السياسية ليست مجرد معلومات، بل شبكة معقّدة من السرديات السابقة، والانتماءات، والتجارب الفردية، والذاكرة الجمعية. من عاش الحرب يقرأ الأخبار بعين الخوف، ومن ذاق الفقر يقرؤها بعين الحاجة، ومن خبر السلطة يقرأه ضمن احتمالات تتباين في الفهم بين الصواب واحتمالية الخطأ. لا تتغير حقيقة الخبر بقدر ما يتغير شكله في وعي المتلقي، إذ يعاد تشكيله ليتلاءم مع قصته الخاصة، ومع موقعه من العالم.
وهنا يبرز دور الإعلام، لا كناقل محايد فحسب، بل كوسيط يشارك في البناء. فاختيار المفردات، وترتيب الوقائع، وتقديم صورة على حساب أخرى، كلها تفاصيل صغيرة تُنتج فهمًا كبيرًا. ومع تسارع تدفق المعلومات، يتحول الخبر إلى مادة سريعة للاستهلاك، تسبق فيها المشاعرُ التحليل، وتغلب القناعةُ السؤال. في هذا المناخ، لا يُقاس صدق الخبر بمدى دقته فقط، بل بمدى انسجامه مع ما نريد تصديقه أصلًا، فتتشكل آراء متشابهة تتجاور دون أن تتحاور.
ولا يمكن فصل ذلك عن الخطاب السياسي نفسه، الذي كثيرًا ما يخاطب الناس بلغة مبسّطة تُخفي التعقيد، أو بشعارات واسعة تدعو إلى الاصطفاف أكثر مما تدعو إلى الفهم. حين تُقدَّم السياسة بوصفها معركة دائمة بين معسكرين، يتراجع التفكير النقدي لصالح الانحياز، ويصبح السؤال: «من يخدم هذا الحدث؟» أهم من السؤال: «ماذا يعني؟». عندها يتحول التحليل إلى دفاع أو اتهام، ويضيع المعنى بين الضجيج.
يزداد الأمر تعقيدًا حين تتراكم الإحباطات السياسية. فالمجتمعات التي خذلتها الوعود مرارًا تميل إلى قراءة السياسة بعين الريبة، حتى حين تحمل بعض الوقائع إمكانية إيجابية. هذا الإرث من الخيبات لا يصنع دائمًا وعيًا نقديًا، بل قد ينتج لامبالاة أو تشددًا، وكلاهما يبتعد عن الفهم المتوازن، ويعمّق المسافة بين الناس والواقع السياسي الفعلي.
الاختلاف في الفهم السياسي ليس مشكلة في ذاته، بل دليل على حيوية المجتمع، ما دام اختلافًا قابلًا للنقاش. تبدأ الأزمة حين يتحول الرأي إلى هوية مغلقة، وحين يُختزل الآخر في موقفه، فيغدو الحوار صراعًا على المعنى لا بحثًا عنه. عندها تُستخدم الأخبار كذخيرة، لا كمعرفة، ويصبح الحدث أداة لتكريس الانقسام بدل فهم الواقع.
في جوهرها، السياسة علاقة بين الناس قبل أن تكون علاقة بين المؤسسات. وكلما اتسعت مساحة السؤال، وتواضعت اليقينيات، واقترب الخبر من سياقه، اقترب الفهم من التوازن. ليس المطلوب أن يتفق الناس، بل أن يدركوا لماذا يختلفون، وأن يعترفوا بأن الحقيقة السياسية غالبًا ما تكون أعقد من عنوان، وأوسع من خبر، ولا تُرى بوضوح إلا حين ننظر إليها من أكثر من زاوية.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية
- ثقافة الاختلاف والتعدد : هل يمكن للثقافة أن تزدهر دون تنوع؟
- كانت أحلاما
- دور القراءة في الوعي
- الراتب ومحاولة الاقتصاد في الصرف
- يوم منظم... أو هكذا نعتقد!
- القراءة... سؤال الوعي في زمن السرعة
- رجل المعرفة… أو هكذا يظن!


المزيد.....




- كيف ربح ترامب مليار دولار من العملات المشفرة بينما خسر معظم ...
- كيف تؤثر الأجهزة الإلكترونية على أجسادنا؟
- موناكو تحدد مشتبها به في محاولة اغتيال رجل أعمال أوكراني وال ...
- نيويورك تايمز: واشنطن تخشى خطط إسرائيل لاغتيال المفاوضين الإ ...
- إسرائيل على قدم واحدة منذ 1000 يوم
- جنبلاط للشيباني: أفضل العلاقة المتوازنة مع سوريا على اتفاق - ...
- غالوزين: مطالبة سيبيغا لروسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أم ...
- ممثل المرشد الإيراني في الهند: مجتبى خامنئي لن يحضر جنازة وا ...
- ترامب يهنئ ماسك بعد استعادته لقب التريليونير ويؤكد استمرار ا ...
- المغرب.. حريق في -غابة المعمورة- ينتهي بسقوط طائرة خفيفة ومص ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صالح مهدي محمد - السياسة والناس