صالح مهدي محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 03:27
المحور:
الادب والفن
حين غادرتُ الغرفة، لم أُغلق الباب. تركته مواربًا كي لا يظنّ المكان أنّي هربت، بل انسحبتُ فقط من صورته. كان الهواء ثقيلًا، كأن الجدران تحتفظ بأنفاسي القديمة وتعيد اصطفافها في زوايا صامتة. الطاولة ما تزال في مكانها، لكنّها لم تعد تعرف لماذا وُضعت هناك، والكرسي فقد شكل الجسد الذي كان يستند إليه.
في البداية، ظننتُ أنّ الغياب مجرّد فراغٍ مؤقّت، يشبه ساعة متوقّفة يمكن إصلاحها. غير أنّ المكان بدأ يتصرّف ككائنٍ مستقلّ؛ الإنارة تدخل ولا تجد من يستقبلها، فتنحرف باكرًا نحو الغبار، والنافذة تنفتح على شارعٍ لا يمرّ به أحد، كأن المدينة نفسها نسيت هذا الاتجاه.
عدتُ بعد أيام، لا لأستعيد شيئًا، بل لأتأكد أنّ ما تركته لم يتحوّل إلى ذكرى. لكنّ الغرفة لم تعترف بي. كان كلّ شيء حاضرًا دون أن يكون لي: الجدار الذي علّقتُ عليه صمتي، السقف الذي كان يسمع أفكاري حين تتصاعد، وحتى الأرضية التي حفظت وقع خطواتي، مسحت أثرها بعنايةٍ باردة.
جلستُ في المنتصف، حيث كنتُ أظنّ أنّني كنت. انتظرتُ أن يستعيد المكان صوته، أن يطالبني بسبب الغياب، أن يلومني على هذا الانسحاب غير المعلن. لكنه ظلّ محايدًا، مكتفيًا بفراغه، كأنّ الامتلاء كان خطأً سابقًا صحّحه الزمن.
فهمتُ عندها أنّ الأماكن لا تُهجَر، بل تتخلّى. وأنّ ما نسمّيه حضورًا ليس أكثر من إذنٍ مؤقّت تمنحه لنا الجدران. حين نهضتُ للمغادرة هذه المرّة، أغلقتُ الباب بإحكام، لا خوفًا من أن يهرب المكان، بل احترامًا لقرارٍ اتّخذه قبلي:
لم يعد المكان مشغولًا، لأنّه لم يعد ينتظر أحدًا.
#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟