أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صالح مهدي محمد - الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح














المزيد.....

الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 19:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ما كانت الصداقة يوما كلمة عابرة في معجم العلاقات الانسانية، بل كانت فعلا اخلاقيا قبل ان تكون علاقة، وموقفا قبل ان تكون مصلحة، وامتحانا للضمير قبل ان تكون تبادلا للمنافع. غير ان هذا المفهوم، الذي طالما تغنى به الادباء والفلاسفة، يبدو اليوم وكأنه يقف مرتبكا في زحام واقع اجتماعي تحكمه الحسابات، وتديره المصالح، وتعيد صياغته لغة الربح والخسارة.
نعيش في مجتمع لم يعد يسأل كثيرا عن من تحب، بل عمن يفيدك. لم يعد يقيس العلاقات بعمقها الانساني، بل بمدى جدواها العملية. وهنا، تصبح الصداقة عرضة للتشويه، وربما للاستبدال، حين تتحول من رابطة وجدانية الى عقد غير مكتوب، له شروطه وحدود صلاحيته.
في الماضي، كانت الصداقة تنشأ من تفاصيل بسيطة: مقعد دراسي مشترك، طريق طويل، حكايات مسائية، او حتى صمت متواطئ يفهمه الطرفان. لم يكن السؤال الاول: ماذا تملك؟ ولا ماذا ستقدم؟ بل من انت حين اكون ضعيفا، وحين افرح، وحين اخسر. اما اليوم، فكثيرا ما تبدأ العلاقات بسؤال مبطن عن المنفعة، وتستمر ما دامت المصالح متقاطعة، وتنتهي فور اختلال ميزان العطاء.
مجتمع المصالح لا يصنع بالضرورة اناسا سيئين، لكنه يعيد تعريف الاولويات. فحين تصبح السرعة قيمة، والنجاح رقما، والعلاقات شبكة نفوذ، تتراجع المساحة المخصصة للمشاعر الصادقة. لا وقت للصداقة البطيئة، ولا صبر على علاقة لا تعود بفائدة ملموسة. وهكذا، تتسلل البراغماتية الى اكثر المساحات انسانية، فتغير ملامحها دون ان نشعر.
المفارقة ان الانسان، رغم كل هذا، لا يزال يبحث عن الصديق الحقيقي. ذلك الذي لا يظهر فقط في الصور الجماعية، بل في المواقف. الذي لا يصفق للانجاز فقط، بل يتحمل ثقل السقوط. الصديق الذي لا يسأل: ماذا استفدت منك؟ بل ماذا خسرت حين غبت. وهذا ما يكشف التناقض العميق في وعينا الجمعي: نعيش بمنطق المصلحة، لكننا نحلم بعلاقات نقية.
وسائل التواصل الاجتماعي هي الاخرى زادت من تعقيد المشهد. فقد وسعت دائرة المعارف، لكنها ضيقت مفهوم الصداقة. صار من السهل ان نملك مئات الاصدقاء، ومن الصعب ان نجد واحدا يصدق. العلاقات الرقمية، رغم اهميتها، كثيرا ما تفتقر للاختبار الحقيقي، ذلك الاختبار الذي يكشف معدن الصداقة عند اول خلاف، او اول حاجة، او اول فشل.
في مجتمع المصالح، يتم استدعاء الصداقة عند الحاجة، وتجميدها عند الاستغناء. يتقن البعض لغة الود المؤقت، ويجيدون فن الاقتراب المشروط. وحين تنتهي المصلحة، ينسحبون بهدوء، وكأن العلاقة ما كانت سوى محطة عابرة. هنا، لا يكون الجرح في الفقد، بل في اكتشاف ان ما اعتبرته صداقة ما كان سوى استثمار مؤجل.
لكن، هل يعني هذا ان الصداقة الحقيقية انقرضت؟ بالطبع لا. هي لم تختف، بل صارت نادرة، والنادر ثمين. الصداقة الحقيقية اليوم تشبه المقاومة الصامتة، موقفا اخلاقيا في وجه الاستهلاك العاطفي، واختيارا واعيا ضد منطق الاستخدام. هي علاقة تتطلب شجاعة، لانها تقوم على الصدق، والصدق مكلف في زمن الاقنعة.
الصديق الحقيقي لا ينافسك على الضوء، ولا يستثمر ضعفك، ولا ينسحب عند اول اختلاف. هو ذاك الذي يختلف معك ويبقى، ينتقدك ويحميك، يواجهك ولا يفضحك. وجوده لا يقاس بكثرة اللقاءات، بل بعمق الاثر. قد يغيب طويلا، لكنه حين يعود، يعود كما هو، بلا حسابات.
ربما نحن بحاجة الى اعادة تعريف الصداقة، لا بوصفها امتدادا للمصلحة، بل كمساحة انسانية حرة داخل مجتمع ضاغط. بحاجة الى تربية اجتماعية تعيد الاعتبار للقيم غير القابلة للتسليع: الوفاء، التعاطف، الحضور، والنية الصادقة. فالمجتمع الذي يفقد صداقاته الحقيقية، يفقد شيئا من توازنه الداخلي.
إذًا ، الصداقة الحقيقية ليست ضد المصلحة، لكنها لا تقوم عليها. قد تتقاطع المصالح بين الاصدقاء، لكن ما يبقيهم هو ما لا يمكن حسابه: شعور الامان، والقبول، والقدرة على ان تكون نفسك دون خوف. وفي مجتمع المصالح، تبقى الصداقة الحقيقية فعلا نادرا، لكنه ضروري، تماما كالماء في مدينة اسمنتية.
هي ليست ترفا اجتماعيا، بل حاجة انسانية. ومن دونها، قد ننجح كثيرا، لكننا سنفقد المعنى.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية
- ثقافة الاختلاف والتعدد : هل يمكن للثقافة أن تزدهر دون تنوع؟


المزيد.....




- الجزائر - الإمارات: بوادر القطيعة؟
- ستارمر يرفض الاستقالة وسط تداعيات فضيحة إبستين وصلاته بسفير ...
- تورك: فظائع الفاشر في السودان -كارثة- كان يمكن تفاديها ونحذر ...
- البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية
- صدام الهوية في السوبر بول.. ترمب يصف عرض باد باني بالإهانة ل ...
- الإذاعة الإسرائيلية: بدء الاستعدادات لوصول آلاف الجنود الإند ...
- الجيش اللبناني ينفي عقد لقاء مع ضابط إسرائيلي في فلوريدا
- لماذا يخشى نتنياهو ختم -فلسطين- على جوازات المسافرين عبر معب ...
- -يوم في جزيرة إبستين-.. الداخلية المصرية تعلن القبض على منظم ...
- قرارات إسرائيل في الضفة الغربية.. ما الذي ستغيره على الأرض؟ ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صالح مهدي محمد - الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح