أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-














المزيد.....

التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8606 - 2026 / 2 / 2 - 21:47
المحور: كتابات ساخرة
    


"التجربة أولًا.. المنطق على الباب!"

ليس كل من يرفع شعار الخبرة حكيمًا، وليس كل من يرفض التفكير عدوًا للمنطق، لكن في مجتمعاتنا نماذج تؤمن إيمانًا عميقًا بأن التجربة وحدها تكفي، وأن السؤال مجرد رفاهية، والتفكير مضيعة للوقت. ومن هنا تبدأ الحكاية، لا كدرس فلسفي، بل كقصة يومية لرجل جعل من التجربة مذهبًا، ومن المنطق ضيفًا ثقيلًا لا يحب زيارته.
الرجل الذي أعرفه جيدًا لا يحتاج إلى دراسة، ولا إلى تحليل، ولا حتى إلى سؤال بسيط من نوع "لماذا؟". يكفيه أن يقول بثقة مطلقة: "أنا مجرب". عندها يُغلق النقاش رسميًا، وتنسحب كل محاولات المنطق بهدوء، كما لو دخل مجلسًا خاصًا بلا دعوة.
هذا الرجل لا يصدق شيئًا إلا إذا مرّ به مرة واحدة على الأقل. تقول له إن الطريق مختصر لكنه مزدحم، فيبتسم ابتسامة الخبير الاستراتيجي ويقول: "جربته سنة 98". وإذا حذرته من جهاز كهربائي معطوب، يمد يده فورًا، كأن الصعقة جزء من برنامج تدريبي لبناء الشخصية.
في بيته، التجربة هي رب الأسرة بلا منازع. الثلاجة لا تصلح إلا بعد أن تتوقف نهائيًا وتدخل في حداد رسمي، والحنفية لا تغلق إلا بعد فيضان صغير يثبت بالدليل القاطع أنها كانت تسرب الماء فعلاً، لا مجرد شائعة عائلية. حتى الأدوية لا تُؤخذ بناءً على وصفة الطبيب، بل بعد تجربة جار عانى أسبوعين إضافيين، فقط ليطمئن صاحبنا أن الدواء يستحق المحاولة.
الطريف، وربما المؤلم أيضًا، أن هذا الرجل يعول أسرة كاملة بمنهج التجربة وحدها. ابنه لا يتعلم أن النار تحرق إلا بعد أن يلمسها، وبنته لا تعرف أن السهر متعب إلا بعد أن تنام في المدرسة، والزوجة صارت تحفظ جملة واحدة ترددها عند كل كارثة: "قلت لك اسأل أو فكر". فيرد بثقة لا تتزعزع: "خلينا نجرب"، وكأن التجربة حل وسط بين الحكمة والمغامرة.
أما المنطق، فهو ضيف ثقيل غير مرحب به إطلاقًا. كلما حاول الدخول قوبل بجملة حاسمة تقطع الطريق عليه: "لا تنظّر علي". وكأن التفكير جريمة، وكأن السؤال خيانة لتراث عائلي عريق قائم على السقوط المتكرر في الحفرة نفسها، مع الاحتفاظ بحق الدهشة في كل مرة.
المشكلة ليست في التجربة نفسها، فالتجربة معلم جيد، لكنها حين تتحول إلى عناد دائم تصبح مادة للضحك والبكاء معًا. فالفرق كبير بين أن تتعلم من التجربة، وبين أن تعيش حياتك كلها كحقل تجارب مفتوح بلا عقل يراقب ولا دفتر ملاحظات.
وحتى بعد كل هذه المغامرات والتجارب، يبقى هذا الرجل مقتنعًا أنه على حق. ينظر حوله بثقة المنتصر، بينما يغير إطار سيارته للمرة الثالثة في نفس الحفرة، ويقول مبتسمًا: "المرة الجاية أكيد تضبط".
أما المنطق، كعادته، فيكتفي بالضحك من بعيد، ويرى في كل محاولة فشل فرصة جديدة ليقول: "مرحبًا بالتجربة، وسأراقب فقط".



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية
- ثقافة الاختلاف والتعدد : هل يمكن للثقافة أن تزدهر دون تنوع؟
- كانت أحلاما


المزيد.....




- بغداد تحتضن المعرض الدولي الرابع ليوم الكاريكاتير العراقي
- متحف العلا للفن المعاصر يعلن نفسه لاعبًا جديدًا في مشهد الثق ...
- باد باني الفائز بجائزة غرامي عن ألبوم باللغة الإسبانية يهاجم ...
- بنعبد الله يعزي أسرة المرحوم الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط ...
- لماذا فشل الفيلم الوثائقي عن ميلانيا ترامب؟
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- مسرح جرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت -زنقة الستات- بالإسكندرية ...
- -الخروج من عهد ستالين-.. كتاب يغوص في التاريخ السوفياتي لفهم ...
- فيلم -الرئة الحديدية-.. رعب بلا أفق
- اشتهرت بجرائم ريا وسكينة.. كيف انهارت أسطورة -زنقة الستات- ف ...


المزيد.....

- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت
- حرف العين الذي فقأ عيني / د. خالد زغريت
- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-