صالح مهدي محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:05
المحور:
الادب والفن
ينطفئ الضوء الأخير في الغرفة تدريجيًا، ولا يهبط الظلام دفعة واحدة، بل يتسلّل كما لو كان يفكّر.
الرجل يعرف هذا التوقيت جيدًا؛ اللحظة التي يصبح فيها الهواء أثقل قليلًا، وتفقد الأشياء أسماءها المعتادة. يمدّ يده بهدوء، يمسك الكرسي من ظهره الخشبي، كأنّه يلتقط أثرًا لا قطعة أثاث، ويضعه قبالة السرير. المسافة محسوبة بدقّة، بين حميمية مؤجّلة ونسيان محتمل.
يجلس.
الجلوس هنا فعل مقصود، واجب ليلي لا يُزاح. يرفع رأسه قليلًا، ويوجّه نظره إلى الحيّز الذي يشغله الكرسي. ذلك الحيّز ليس فراغًا بسيطًا؛ له حدود، وظلّ، وربما تنفّس بطيء لا يُرى.
يفتح حديث الجوار، حديث النفس الذي يجاور الأشياء حين تفقد صمتها:
— الرجل: أراك هنا كل ليلة، كأنك تعرف الطريق أكثر مني.
— الكرسي: أنا لا أعرف، أنا أُوضَع… وحين تُوضَع الأشياء تُجبر على الوجود.
— الرجل: والفراغ حولك، لماذا يضيق كلما جلستُ؟
— الكرسي: لأنه يتعلّم شكلي، ولأنك تترك عليه أثرًا لا يُرى.
— الرجل: هل أنت ممتلئ بي، أم أنا الفارغ فيك؟
— الكرسي: نحن معًا حديث الجوار؛ أنت تسكن الصمت، وأنا أحرس الفراغ.
الصمت يصغي من جديد، صمت يقظ يلتقط بقايا الكلمات ويعيد ترتيبها داخله. يتكاثف تدريجيًا، حتى يصير كيانًا محسوسًا من غير صوت. الرجل يشعر به في صدره، في المسافة الضيّقة بين نَفَسَين.
تمرّ الدقائق من دون حركة تُذكر. الساعة تتخلّى عن العدّ، الجدران تنسى مهمّتها في الحماية، والسرير ينفصل عن معنى النوم. الغرفة كلّها تدخل حالة تعليق، كما لو أنّ الزمن اختار مقعدًا آخر خارج المشهد.
يواصل الرجل حضوره، يلمّح بدل أن يسرد: نصف ذكرى، ظلّ صورة، إحساس بلا تاريخ. الغاية ليست استدعاء الماضي، بل إبقاء الأثر دافئًا، صالحًا للجلوس.
ينهض أخيرًا، يترك الكرسي في مكانه. الطقوس لا تُختَم بإيماءة واضحة. يعود إلى السرير، يطفئ ما تبقّى من الضوء داخله، ويغمض عينيه.
الكرسي يبقى.
الصمت يبقى.
والوحدة، بعد أن نالت اسمًا أهدأ، تفقد حدّتها، وتتحوّل إلى كائن يعرف كيف ينتظر… حتى الليلة القادمة.
#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟