أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - صالح مهدي محمد - مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي














المزيد.....

مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 20:25
المحور: قضايا ثقافية
    


الجهل المتعالي وأزمة الوعي

في زمن تتكاثر فيه الأصوات على حساب المعاني، وتتسع فيه مساحة الكلام كلما ضاقت آفاق المعرفة، لم يعد الجهل حالة تستدعي المراجعة أو تثير الرغبة في التعلم، بل غدا موقفا يتباهى أصحابه به، متدثرين بعباءة الرأي وحرية التعبير، حتى اختلط الحق في إبداء الرأي بادعاء امتلاك الحقيقة، وأصبح الجهل، في بعض صوره، قناعة تطالب بالاحترام دون أن تقدم ما يسوغ مشروعيتها المعرفية.
ولا تكمن المفارقة في وجود الجهل ذاته، فهو ملازم للتجربة الإنسانية، وإنما في تحوله من حالة قابلة للتجاوز إلى يقين متصلب يستعصي على المراجعة، وكأن الاعتراف بعدم المعرفة هزيمة شخصية. وهكذا يتراجع الشك بوصفه أداة للفحص والتبصر، لتحل محله أحكام متعجلة لا تستند إلى برهان، ويتحول الحوار من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى منافسة في المغالبة ورفع الأصوات، حيث يغدو الانتصار في الجدل أهم من سلامة الفكرة.
وقد أسهمت منصات التواصل في تعميق هذا الالتباس، إذ أتاحت للجميع فرصة التعبير دون أن تجعل المعرفة شرطا لما يقال، فتجاور صوت الباحث مع صوت المدعي، وتضاءلت المسافة بين الخبرة والتخمين، حتى أصبح انتشار الفكرة يمنحها سلطة لا تستمدها بالضرورة من صحتها. وفي هذا المناخ، بات الاحتكام إلى التخصص يفسر أحيانا بوصفه تعاليا فكريا، لا اعترافا بقيمة المنهج والتراكم العلمي.
غير أن حرية التعبير، بوصفها حقا إنسانيا أصيلا، لا تمنح الآراء حصانة من النقد، ولا تجعلها متساوية في قيمتها المعرفية. فمن حق الإنسان أن يعبر عما يعتقد، لكن احترامه لا يقتضي التسليم بصحة معتقده، وثمة فارق جوهري بين صون كرامة المختلف معنا ومنح الوهم منزلة الحقيقة. فالاختلاف يغني الفكر متى استند إلى الوعي والحجة، لكنه يتحول إلى عبء على العقل عندما يصبح ذريعة لتبرير المغالطات وتكريس الأوهام.
والأخطر أن الجهل المتعالي لا يقتصر على افتقار صاحبه إلى المعلومات، بل يتجلى في بنية ذهنية ترفض الاعتراف بحدودها، وتستعيض عن تعقيد الواقع بتفسيرات مريحة وشعارات جاهزة. إنه جهل يمنح صاحبه طمأنينة زائفة، ويعفيه من مشقة البحث والمساءلة، لأن التفكير الحقيقي يزعزع المسلمات ويفرض مسؤولية المراجعة، بينما يوهم اليقين المغلق صاحبه بأنه بلغ نهاية المعرفة.
ولا تنفصل هذه الظاهرة عن بنية ثقافية واجتماعية أخذت تكافئ الظهور أكثر من الإنجاز، وتخلط بين الشهرة ورجاحة الرأي، حتى غدت كثرة المتابعين معيارا للتأثير، بصرف النظر عن القيمة الفكرية لما يطرح. وفي ظل هذا التحول، يجد المثقف والباحث نفسيهما أمام مطالب مستمرة باختزال الأفكار وتبسيطها، لا لتيسير فهمها، بل أحيانا لتجريدها من عمقها، مع أن الوضوح لا يعني التسطيح، كما أن المعرفة لا تقاس بسهولة تداولها، وإنما بقدرتها على تفسير الظواهر وكشف ما يستتر وراءها.
إن أخطر ما يصيب الوعي الجمعي هو اختلال المعايير، بحيث يصبح التواضع المعرفي ضعفا، والتثبت ترددا، والمراجعة تناقضا، بينما تقدم المكابرة بوصفها ثباتا، والانفعال شجاعة، واليقين غير المبرر دليلا على قوة الشخصية. وعندئذ لا يعود الجهل مجرد قصور فردي، بل يتحول إلى مناخ ثقافي يضيق بالأسئلة ويستثقل البرهان، ويمنح الأحكام المرتجلة مشروعية لا تستحقها.
ومع ذلك، تظل المعرفة أكثر رسوخا من الضجيج الذي يحاول إقصاءها، لأنها لا تستمد قيمتها من كثرة المؤيدين، وإنما من قدرتها على الصمود أمام النقد والاختبار. فالعقل الناضج ليس الذي يمتلك إجابة عن كل سؤال، بل الذي يدرك حدود معرفته، ويحتفظ باستعداده الدائم للتعلم وإعادة النظر.
إن صيانة الوعي لا تتحقق بإسكات الآراء المخالفة، وإنما بترسيخ ثقافة تميز بين الاختلاف المشروع والتضليل، وبين حرية الاعتقاد وصحة المعتقد، وبين الجرأة على التفكير والجرأة على الادعاء. فليست المأساة أن يجهل الإنسان ما لا يعرف، وإنما أن يفقد القدرة على إدراك جهله، ثم يتخذ منه منبرا يحاكم عبره العارفين.
فالجهل يبدأ نقصا في المعرفة، لكنه يتحول إلى أزمة في الوعي عندما يرتدي ثوب اليقين ويرفض أن يتعلم.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحيانًا نناقش كل شيء… إلا المشكلة نفسها؟
- مقال بعنوان: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
- قصيدة نثر بعنوان : قهوة الصباح
- البائع والزبائن .. وفائض الأسئلة
- المطر
- قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة


المزيد.....




- السعودية فجر الأربعاء.. صور آثار شظايا صاروخي -كروز- اعترضا ...
- أوكرانيا: ضربة روسية تستهدف محطة كهرباء في كييف من دون تحذير ...
- أكسيوس: هذه معضلة نتنياهو وترمب في مهاجمة إيران مجددا
- ملك إسبانيا يزور سبتة لأول مرة ويقف بمقبرة المسلمين
- كشف أثري كبير في مصر.. قاده مواطن بالصدفة
- في سابقة من نوعها.. إسرائيل تعيد قطعا أثرية إلى اليونان
- حقيقة الفيديو المتداول لانفجار ضخم يهز صنعاء
- ميروشنيك: أوروبا عاجزة عن ملء فراغ الولايات المتحدة في مشاطر ...
- غرق سفينة على متنها 14 سوريا ومصريان قبالة بلغاريا بهجوم مسي ...
- ليبيا.. أمطار غزيرة في طرابلس تودي بحياة شخصين


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - صالح مهدي محمد - مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي