أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة














المزيد.....

قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 08:14
المحور: الادب والفن
    


المقهى ساكن، لكن كل شيء فيه يتحرك ببطء، كما لو أن الوقت نفسه تحت الحصار. الضوء الأزرق من الشاشة ينسكب على الطاولات الخشبية القديمة، على الزوايا، على الهواء الذي يثقل بالأصوات المحبوسة، وكأن الحرب لم تعد مجرد صورة، بل جسم يمد أطرافه في الداخل والخارج. صاحب المقهى يمسح فنجان الشاي ببطء، البخار يتصاعد، كل نفس يحمل وقع الحرب في داخله، وكل حركة عين تعكس أثرها. الرجل في البدلة الداكنة يجلس أمام الشاشة، صوته داخلي، حركته بلا صوت، كل حركة فيه صدى لمعركة لم تحدث بعد، لكنه يعرف أنها هنا، داخل المكان والهواء وحتى بين الكلمات الصامتة. الشيخ عند الباب يراقب الظلال وهي تتقاطع مع أقدام الزائرين، يهز رأسه بهدوء، يقول شيئًا لا يسمعه أحد: الحفرة تحت الأرض أكبر من كل ما تظنون، تهضم الذكريات، تهضم الوقت، تهضم الكلمات قبل أن تصل إلى الورق. الشاب في الزاوية يكتب في دفتره، الحروف تتفتت بين أصابعه، الحكاية موجودة، لكنها مؤجلة، وكل هامش يحتوي على رصاص، وكل فكرة تلمس الهواء كهمس لا يمكن تجاهله. وسائق التاكسي يقلب الملعقة في فنجانه، يتابع الدخان، الطريق الذي يسير فيه ليس خارج المقهى فقط، بل يمتد إلى الداخل، إلى كل زاوية، كل طاولة، كل شخص هنا يحمل الحرب بلا وعي، نسيرها ونتركها تتركنا، لكنها تبقى متغلغلة، تلتصق بالنظر والهواء والجلد، تملأ الفراغات بين الأرواح.

الصمت في المقهى أصبح ثقيلاً، الكلمات ترتطم ببعضها، تصنع معركة من الهسيس والأنفاس، الضوء الأزرق يلتهم الزوايا، يهمس بأن كل شخص صار امتدادًا للحرب نفسها، أن الحرب ليست على الشاشة، لكنها تتسلل إلى كل كرسي، كل فنجان، كل ورقة، كل فكرة، حتى المكان صار جسداً لها. فجأة، رجل غريب يجلس في المنتصف، لم يلاحظه أحد، كأنه كان هنا منذ البداية، أو كأن المكان كله انتظر قدومه. يقول بصوت هادئ، أنتم تبحثون هناك… الحرب ليست على الشاشة، يمد يده، الهواء يثقل، يلتصق بالجلد، يدخل بين الخيوط في الحائط، يملأ الفراغات، يصبح جسداً وفكرة، يخلق مساحة لا يمكن تجاهلها.

المقهى يتحرك، الجدران تهمس، الظلال تتشقق، تلتف حول كل شيء، الشاشة أطفئت، لكن النار لم تنطفئ، الحرب جلست مع كل واحد، على كل طاولة، في كل فكرة، امتداد لكل حركة وسكون، لكل همس وتنفس، لكل قلم مكتوب، لكل خطوة وفنجان، لكل صمت وهسيس، حتى الهواء أصبح كلامًا بلا كلمات. الجميع يدرك أن الخروج مستحيل، الحرب كانت هنا منذ البداية، لم تكن على الشاشة فقط، إنها ضوء وظل ونفس وكلمة وحركة، امتداد لكل شيء، تلتصق بالنفوس، تصنعها، تحركها، تبقى، تتنفس، تنتظر من يعيشها في كل شيء.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال
- قرب بلا رغبة
- قصة قصيرة الجولة المفتوحة
- قصة قصيرة أثرٌ لا يجفّ
- السفر إلى المستقبل… عبر تطبيقات الهاتف
- هوس المبالغة… حين يتحوّل كل شيء إلى حدث تاريخي
- النجاح صفة من يقود الحياة
- الوعي الصفة الأكثر قوة في الشخصية


المزيد.....




- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
- محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو ...
- 16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون ...
- ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صالح مهدي محمد - قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة