أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - الحياة كما يراها من يقف خارجها














المزيد.....

الحياة كما يراها من يقف خارجها


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 21:56
المحور: كتابات ساخرة
    


في كل مرة تسمع فيها أحدهم يقول بثقة العارفين: الحياة بسيطة، تأكد أنه يتحدث من مكان مريح، غالبا من مقعد ثابت لا تهزه العواصف، أو من تجربة ما زالت فصولها الأولى مفتوحة على الاحتمالات. فالحياة، كما تروى في المجالس العابرة، تبدو أشبه بوصفة طعام: قليل من الصبر، ورشة من التفاؤل، ثم نترك المكونات تنضج على نار هادئة. غير أن ما تغفله هذه الوصفة هو أن النار قد تشتعل فجأة، وأن المقادير قد تنفد في منتصف الطريق، وأن الطاهي نفسه قد يبلغ من الإرهاق حدا يعجز معه عن تذكر ما بدأ به.

في الواقع، قد تبدو الحياة سهلة في بعض مراحلها، لكن المعضلة تكمن في أنها تختار توقيتها بنفسها، وتلقي بتعقيداتها في أكثر الأيام اعتيادية، وفي الطرق التي ألفنا السير فيها، وحتى في اللحظات التي نطمئن إليها ونحسبها بمنأى عن المفاجآت. عندها تتحول التفاصيل الصغيرة إلى جبال شاهقة، ويغدو أبسط قرار مشروعا مفتوحا للقلق والاحتمالات. ومع ذلك، سيظهر دائما من يخبرك بأن الأمر أبسط مما تتصور، وكأنه يتحدث عن حياة شخص آخر، أو يطل على تجربتك من نافذة بعيدة لا تنقل إليه ثقل ما تعيشه.

والأغرب أن النصائح المجانية هي أكثر السلع وفرة في هذا العالم. فكل من تجاوز مشكلة واحدة يظن أنه اكتشف قانونا كونيا يصلح للجميع، وكل من نجا من عثرة يبدأ بإلقاء المحاضرات في فن المشي بثبات. يتحول النجاح الفردي، في كثير من الأحيان، إلى وصفة جاهزة للحياة، ويغدو تجاوز المحنة دليلا، في نظر صاحب التجربة، على سهولة الطريق. أما اختلاف الظروف، وتباين الإمكانات، وتفاوت الأعباء التي يحملها الناس، فتظل تفاصيل هامشية في خطاب الحكمة السريعة. وهكذا يتخفى الحظ أحيانا في هيئة حكمة، وتتزين المصادفة بثياب الخبرة، ويصبح ما تيسر لأحدهم معيارا يقاس به عجز الآخرين.

نحن نعيش الحياة كما تقع أحداثها، بترددها وارتباكها، بقراراتها المؤجلة، وبأسئلتها التي تطول إقامتها في داخلنا قبل أن تعثر على إجابة. نعيشها ونحن نحاول أن نبدو بخير، حتى حين تتزاحم في أعماقنا أسباب التعب. نبتسم لأن الابتسام يمنحنا فسحة قصيرة لالتقاط الأنفاس، ونضحك لأن الضحك قد يخفف شيئا من ثقل الأيام، ونواصل السير لأن الوقوف طويلا أمام ما يؤلمنا يستنزف ما تبقى لدينا من قدرة على الاحتمال. وبين ما نظهره للآخرين وما نعيشه في دواخلنا، تتسع مسافة لا تقيسها الكلمات العابرة، ولا تختصرها عبارات التفاؤل الجاهزة.

ومع كل ذلك، ثمة حقيقة تستحق التأمل: تكمن إحدى مشكلات الحياة في الإصرار على وصفها بالسهولة، وكأن هذه الصفة قانون عام ينبغي أن تنطبق على الجميع. فحين تقدم الحياة بوصفها أمرا يسيرا، يصبح التعب في نظر الآخرين مبالغة، وتبدو الحيرة علامة ضعف، ويتحول التعثر إلى إخفاق شخصي في أمر يفترض أن يكون بسيطا. عندها يحمل الإنسان عبء تجربته، ويجد نفسه مطالبا بتبرير ألمه أيضا؛ فيكفيه ما يواجهه من صعوبات، ثم يضاف إليها شعوره بأنه عاجز عن التعامل مع حياة يصفها الجميع بالسهولة.

إن الاعتراف بصعوبة الحياة، أو بتعقيد بعض مراحلها، يمنح الإنسان مساحة أوسع لفهم نفسه والآخرين. فلكل شخص معركته الخاصة، ولكل تجربة ظروفها التي تصوغها، ولكل قلب قدرة مختلفة على الاحتمال. وما يبدو يسيرا من الخارج قد يكون شاقا في الداخل، وما يعبره أحدهم بخطوات واثقة قد يستهلك من غيره أعواما من الصبر والمحاولة. لذلك، تبدو الرحمة في فهم تجارب الآخرين أكثر قيمة من التسرع في تقديم النصائح، ويصبح الإصغاء أحيانا أصدق من ألف عبارة تحاول إقناع المتعب بأن الطريق قصير.

لهذا، في المرة المقبلة التي يخبرك فيها أحدهم أن الحياة سهلة، ابتسم له بلطف، ودعه يحتفظ بيقينه. فقد تكون الحياة قد منحته من الظروف ما جعلها تبدو كذلك، وقد تكون تجربته قد علمته أن يتجاوز الصعاب بخفة. أما أنت، فلديك حكايتك الخاصة، وتفاصيلك التي لا يراها سواك، وأعباؤك التي لا يعرف أحد مقدار ما تتركه في روحك. إنها حكاية تتجدد كل يوم، وتتغير فصولها مع كل تجربة، وتمضي بك في اتجاهات لم تخترها كلها، لكنها تترك لك دائما فرصة أن تعيد النظر في الطريق، وأن تبحث عن معنى يستحق مواصلة السير.

ولربما كانت الحياة سهلة بالفعل، كما يصر بعضهم على القول؛ سهلة في الكلمات، وفي الاقتباسات، وفي النصائح التي تطلق من مقاعد الراحة.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي
- أحيانًا نناقش كل شيء… إلا المشكلة نفسها؟
- مقال بعنوان: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
- قصيدة نثر بعنوان : قهوة الصباح
- البائع والزبائن .. وفائض الأسئلة
- المطر
- قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما
- ملامح الغياب والضوء
- وهم الانشغال


المزيد.....




- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - الحياة كما يراها من يقف خارجها