أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - ورثة الكلام














المزيد.....

ورثة الكلام


صالح مهدي محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 23:24
المحور: كتابات ساخرة
    


في كثير من البيوت، هناك أشياء يحرص الآباء على توريثها لأبنائهم؛ الأخلاق والعادات والتقاليد، وبعض النصائح التي تتكرر في كل مناسبة. لكن هناك ميراثا آخر يبدو أنه الأكثر انتشارا، وهو الشعارات التي نحفظها جيدا، ونرددها باستمرار، من دون أن نجد وقتا مناسبا للعمل بها.
في إحدى الجلسات العائلية، كان الأب يتحدث عن احترام المواعيد، ويؤكد لأبنائه أن الالتزام بالوقت من علامات احترام الآخرين. وبينما كان يلقي محاضرته القصيرة، رن هاتفه، فأخبر المتصل أنه سيصل بعد دقائق. كان الرجل قد تأخر أكثر من ساعة عن موعده، لكنه لم يجد في ذلك ما يستدعي القلق. وحين سأله ابنه عن سبب تأخره، قال ببساطة: «المواعيد لا تلتزم دائما بحسابات الزمن الدقيقة».
لم يعلّق الابن، فقد كان يعرف أن الحديث عن احترام الوقت شيء، وممارسته شيء آخر.
وفي مناسبة أخرى، تحدث الجد طويلا عن الشهامة ومساعدة المحتاج، مستعيدا مواقف من زمن مضى، حين كان الناس يتسابقون إلى الوقوف مع بعضهم. وبعد قليل، جاء أحد الأقارب يطلب مساعدة بسيطة، فبدأ الحاضرون يتبادلون الأعذار، وانتهى الأمر باعتذار جماعي. عاد الجد إلى حديثه بعد مغادرة الضيف، مؤكدا أن الناس في هذا الزمن تغيروا كثيرا.
أما الأم، فكانت دائما توصي أبناءها بعدم التدخل في شؤون الآخرين، وتعتبر نقل أخبار الناس من أسوأ العادات. لكنها في الوقت نفسه تعرف تفاصيل حياة الجيران، وتستطيع أن تقدم تقريرا كاملا عن خلافاتهم ومشكلاتهم، مع بعض المعلومات الإضافية التي لم تصل حتى إلى أصحابها.
هكذا تسير الأمور في بعض العائلات. كل جيل يعلّم الجيل الذي بعده مجموعة من المبادئ، لكنه يترك له حرية التصرف بعكسها. فالصدق مطلوب من الأبناء، والتواضع واجب عليهم، واحترام الآخرين من أساسيات التربية، أما الكبار فلديهم دائما ظروف خاصة تتيح لهم استثناءات لا يعرفها أحد.
والغريب أن بعض الآباء يغضبون عندما يكرر أبناؤهم السلوك نفسه الذي اعتادوا ممارسته أمامهم. الأب الذي يتجاوز الطابور يوبخ ابنه إذا فعل ذلك، والأم التي تتحدث عن خصوصيات الآخرين تطلب من ابنتها ألا تنقل كلام الناس، والرجل الذي لا يلتزم بوعوده يصر على أن يكون أبناؤه عند كلمتهم.
وحين يحاول أحد الأبناء الإشارة إلى هذا التناقض، تكون الإجابة المعتادة: «لا تقارن نفسك بالكبار، نحن نعرف مصلحتك». وهكذا تنتهي المناقشة، وتبقى المبادئ في مكانها، محفوظة بعناية، بعيدة عن أي محاولة للتطبيق.
المشكلة أن هذه العادات تنتقل من جيل إلى آخر بسهولة. لا تحتاج إلى مدرسة أو كتاب، يكفي أن يكبر الطفل وهو يسمع الكلام نفسه ويرى التصرفات المعاكسة له. وعندما يصبح أبا، يبدأ بدوره بتقديم النصائح ذاتها، ويضيف إليها بعض العبارات التي تعلمها من تجاربه، ثم يوصي أبناءه بالمحافظة على ما تربوا عليه.
وبعد سنوات، يجلس الأحفاد في المجالس نفسها، ويسمعون الكلام نفسه، وربما يرددونه بحماسة أكبر. وهكذا تبقى الأجيال منشغلة بتعليم بعضها الفضائل، فيما لا يجد أحد وقتا كافيا لممارستها.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطب العائلية عن الصدق والأمانة والوفاء واحترام الآخرين، فهذه المبادئ يعرفها الجميع تقريبا. ما نحتاج إليه أن يرى الأبناء هذه القيم في تصرفات الكبار، لا أن يسمعوها في نصائحهم فقط.
يبدو أننا نجحنا في توريث أبنائنا كل شيء؛ حتى أخطاءنا حرصنا على ألا تضيع منهم. أما الفضائل، فقد ورثناهم أسماءها فقط، واحتفظنا لأنفسنا بحق استعمال الاستثناءات.



#صالح_مهدي_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقال بعنوان : أناقة تجاهل الحقيقة
- الحياة كما يراها من يقف خارجها
- مقال : الجهل المتعالي وأزمة الوعي
- أحيانًا نناقش كل شيء… إلا المشكلة نفسها؟
- مقال بعنوان: عندما تتحول الوسيلة إلى غاية
- قصيدة نثر بعنوان : قهوة الصباح
- البائع والزبائن .. وفائض الأسئلة
- المطر
- قصة قصيرة الحرب أمامنا شاشة
- الصداقة الحقيقية في مجتمع المصالح
- التجربة أولًا.. المنطق على الباب!-
- وجوه
- قصة قصيرة الكرسي لم يعد فارغًا
- قصة قصيرة : لم يعد المكان مشغولًا
- قصة قصيرة : زقاق الغيمات
- السياسة والناس
- أثر الرماد
- اتجاه واحد هو نحن
- الماء يكتب أحلامه
- ريثما


المزيد.....




- سمر نور للجزيرة.. فوزي بجائزة -كتارا- مسؤولية كبرى.. ورواية ...
- صحفيو غزة أمام الكاميرا.. حين تجسد السينما حياة من يوثقون ال ...
- المخرج سعيد الماروق يعتذر عن ظهور جواز سفر عماني في مشهد شعو ...
- جامع العرب في الزرقاء.. قرن من التاريخ وخدمات تتجاوز أوقات ا ...
- المغرب: السجن أربعة أعوام لرسام الكاريكاتور ياسر منبير بعد إ ...
- من رواية روسية إلى السينما.. صناع -موسكو كايرو- يحتفلون بعرض ...
- الذكاء الاصطناعي في عالم الأدب.. من يضع قواعد ومعايير التكري ...
- الجزيرة تطلق -نظر-.. حوارات أسبوعية تفكك التحديات الفكرية لل ...
- مصوّر «Knives Out» يطلق تطبيق كاميرا للآيفون يعالج الصور بأس ...
- مصر.. تطورات الحالة الصحية للفنان محمد الحلو بعد -توقف مؤقت ...


المزيد.....

- زمن المضاف إليه / د. خالد زغريت
- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - صالح مهدي محمد - ورثة الكلام